لا تُلغوا الانتخابات الفلسطينية

سبتمبر 15, 2026 - 13:02
لا تُلغوا الانتخابات الفلسطينية

غيرشون باسكن

من المقرر أن يتوجه الفلسطينيون إلى صناديق الاقتراع في 28 نوفمبر لانتخاب المجلس التشريعي. وبعد سنوات طويلة من دون انتخابات وطنية عامة، يصعب المبالغة في أهمية هذا الموعد. لكن القلق يتزايد بالفعل من احتمال أن يُقدم الرئيس الفلسطيني محمود عباس على إلغاء الانتخابات، كما فعل في مايو/أيار 2021.

الأسباب المطروحة مألوفة: الغموض المحيط بمشاركة الفلسطينيين في القدس الشرقية، والصعوبات العملية لإجراء الانتخابات في قطاع غزة، والحسابات السياسية الداخلية، والخشية لدى القوى والفصائل القائمة من أن تأتي صناديق الاقتراع بنتائج لا تناسبها.

لكن أياً من هذه الاعتبارات لا يجوز أن يتحول إلى ذريعة لحرمان الفلسطينيين من حقهم في اختيار قيادتهم.

تعاني الحياة السياسية الفلسطينية منذ سنوات من أزمة عميقة في الشرعية. فالسلطة الفلسطينية تواصل الحكم من دون تفويض ديمقراطي متجدد، والنظام السياسي ما زال منقسماً بين الضفة الغربية وقطاع غزة، فيما تواصل فتح وحماس الهيمنة على مؤسسات يرى عدد متزايد من الفلسطينيين أنها غير فعالة، ولا تخضع بما يكفي للمساءلة، وبعيدة عن هموم الناس وحياتهم اليومية.

وهذا بالضبط هو السبب الذي يجعل الانتخابات ضرورية.

أهمية الانتخابات لا تكمن في أنها ستنتج تلقائياً حكماً جيداً أو اعتدالاً أو سلاماً. فالانتخابات قد تأتي بنتائج سيئة كما قد تأتي بنتائج جيدة، كما رأينا نحن في إسرائيل. وقد تعزز المتطرفين بقدر ما قد تعزز الإصلاحيين. لكن من دون انتخابات لا توجد وسيلة شرعية لتجديد القيادة، وقياس حجم التأييد الشعبي، وفتح المجال أمام قوى سياسية جديدة، أو تمكين الفلسطينيين من تشكيل قيادة تستطيع أن تقول بمصداقية إنها تمثلهم.

إلغاء الانتخابات سيرسل الرسالة المعاكسة تماماً: أن المؤسسات السياسية الفلسطينية مستعدة للتحدث باسم الشعب، لكنها تخشى أن تسأل الشعب عما يريده.

وستكون مسألة القدس الشرقية واحدة من أكثر القضايا حساسية. فقد اعترضت إسرائيل مراراً على النشاط السياسي الفلسطيني في المدينة، وقد ترفض السماح بترتيبات التصويت التي جرى العمل بها في السابق. وسيشكل ذلك مشكلة حقيقية وخطيرة.

لكن لا يجوز منح إسرائيل حق النقض على الديمقراطية الفلسطينية. ولا يوجد، في الأساس، أي مبرر مشروع لأن يطلب الفلسطينيون من إسرائيل الإذن كي يتمكن الفلسطينيون في القدس من ممارسة حقهم في التصويت.

فالقدس، التي يعيش فيها نحو 400 ألف فلسطيني، هي أكبر مدينة فلسطينية بين النهر والبحر.

إذا منعت إسرائيل ترتيبات التصويت التقليدية في القدس الشرقية، فعلى الفلسطينيين والمجتمع الدولي إيجاد بدائل تضمن مشاركة سكان المدينة الفلسطينيين. يمكن إقامة مراكز اقتراع في أماكن لا تخضع لسيطرة إسرائيلية مباشرة، ويمكن تطوير آليات تصويت بديلة، بما في ذلك التصويت الإلكتروني. كما أن التكنولوجيا اليوم تتيح إمكانات لم تكن متوافرة في الانتخابات السابقة، ويمكن للبعثات الدبلوماسية الدولية أن تساعد في إيجاد ترتيبات عملية.

يجب أن يكون المبدأ واضحاً: العرقلة الإسرائيلية لا يجوز أن تتحول إلى مبرر لإلغاء انتخابات تشمل ملايين الفلسطينيين.

وينطبق المبدأ نفسه على قطاع غزة.

إجراء انتخابات في غزة بعد سنوات من الحرب والدمار والنزوح والانقسام السياسي وإضعاف مؤسسات الحكم سيكون بالغ الصعوبة. لكن لا يمكن ببساطة إخراج غزة من الحياة السياسية الفلسطينية.

إذا كان الفلسطينيون جادين في إعادة بناء نظام سياسي واحد، فلا بد في نهاية المطاف من أن تخضع غزة والضفة الغربية لسلطة فلسطينية شرعية واحدة. وهذا لا يمكن أن يتحقق إذا حُرم سكان غزة من حقهم في المشاركة في اختيار تلك السلطة.

المشكلات العملية هائلة، لكنها مشكلات ينبغي حلها، لا أسباباً للتخلي عن الديمقراطية.

وهناك سبب آخر يجعل هذه الانتخابات مهمة إلى هذا الحد: ربما تكون السياسة الفلسطينية نفسها في طور التغير.

على مدى عقود، جرى اختزال المشهد السياسي الفلسطيني إلى حد كبير في التنافس بين فتح وحماس. لكن الإحباط من الحركتين يتزايد. وفي استطلاعات الرأي الفلسطينية، تشكل الفئة التي لا تريد فتح ولا حماس أكبر كتلة منفردة.

هناك جيل أصغر سناً، ومستقلون، وإصلاحيون، ونساء، وأصحاب مهن، ونشطاء محليون، وحركات سياسية جديدة، باتوا يتساءلون بصورة متزايدة عما إذا كانت الفصائل القديمة قادرة فعلاً على توفير القيادة التي يحتاجها الفلسطينيون.

قد يقلق هذا الواقع أولئك الذين يمسكون بالسلطة اليوم. لكن الانتخابات ليست موجودة لحماية من هم في الحكم، بل لإعطاء المواطنين القدرة على استبدالهم.

إذا ظهرت حركات سياسية جديدة، وإذا حظي قادة أصغر سناً بالتأييد، وإذا تحدى مرشحون مستقلون الفصائل التقليدية، فيجب النظر إلى ذلك باعتباره دليلاً على أن الحياة السياسية الفلسطينية لا تزال حية وقادرة على التجدد.

ومن يقول إنه يؤمن بحق الفلسطينيين في تقرير المصير لا يمكن أن يقصد بذلك فقط تقرير المصير في مواجهة إسرائيل. بل يجب أن يعني أيضاً حق الفلسطينيين في اختيار قادتهم بأنفسهم.

ولإسرائيل أيضاً مصلحة واضحة في إجراء هذه الانتخابات.

منذ سنوات نسمع في إسرائيل القول إنه "لا يوجد شريك فلسطيني". وفي بعض الأحيان يعكس هذا القول إحباطاً حقيقياً من القيادة الفلسطينية. لكن لا يمكن للإسرائيليين أن يطالبوا، من جهة، بشريك فلسطيني يتمتع بالشرعية، ثم يقبلوا، من جهة أخرى، بواقع يُحرم فيه الفلسطينيون من فرصة اختيار قيادة شرعية جديدة.

إن قيادة فلسطينية تتمتع بتفويض ديمقراطي حقيقي لن تصبح تلقائياً شريكاً للسلام. لكنها ستحظى بشرعية سياسية أكبر بكثير لاتخاذ قرارات صعبة، وإجراء إصلاحات، والتعامل مع الفصائل المسلحة، والتفاوض مع إسرائيل، وتنفيذ الاتفاقات.

وهذا أمر بالغ الأهمية.

أي اتفاق مستقبلي سيتطلب من الفلسطينيين اتخاذ قرارات صعبة ومؤلمة. وسيتطلب حكومة واحدة، ونظاماً قانونياً واحداً، وسلطة أمنية شرعية واحدة. كما سيتطلب من الحركات السياسية أن تختار بين المشاركة الديمقراطية وبين الاحتفاظ بقوة مسلحة مستقلة. وسيتطلب قادة قادرين على قول حقائق صعبة للجمهور الفلسطيني، مع الاستمرار في الادعاء بمصداقية أنهم يتحدثون باسمه.

ولا يمكن تحقيق ذلك إلى ما لا نهاية من خلال المراسيم الرئاسية، والمؤسسات التي شاخت، والترتيبات السياسية التي وُضعت قبل عقود.

والتوقيت لافت أيضاً.

فالإسرائيليون يقتربون من انتخاباتهم هم أيضاً. وسيُطلب منهم أن يقرروا ليس فقط من سيحكمهم، بل أيضاً أي اتجاه ينبغي أن تسلكه إسرائيل بعد 7 أكتوبر والحروب التي أعقبته.

والفلسطينيون يستحقون الفرصة نفسها.

في الواقع، ينبغي النظر إلى العمليتين الانتخابيتين على أنهما مترابطتان.

فالسياسة الإسرائيلية تؤثر في السياسة الفلسطينية كل يوم. التوسع الاستيطاني، والاحتلال العسكري، وعنف المستوطنين، والقيود على الحركة، وغياب الأفق السياسي، كلها تعزز موقف أولئك الفلسطينيين الذين يقولون إن الدبلوماسية قد فشلت.

وفي المقابل، فإن العنف الفلسطيني والرفض السياسي يعززان اليمين الإسرائيلي وأولئك الذين يصرون على أن السيطرة الدائمة على الفلسطينيين هي السبيل الوحيد لضمان الأمن.

منذ سنوات، يساعد المتطرفون في كل جانب على تقوية المتطرفين في الجانب الآخر.

والانتخابات توفر، على الأقل، إمكانية لكسر هذه الحلقة.

ولهذا السبب ينبغي للمجتمع الدولي، وخصوصاً الولايات المتحدة وأوروبا والدول العربية، أن يقول بوضوح منذ الآن إن الانتخابات الفلسطينية يجب أن تُجرى.

وينبغي له أن يقدم مساعدة عملية لضمان التصويت في غزة والقدس الشرقية، وأن يرسل مراقبين دوليين، وأن يدعم استقلال المؤسسات الانتخابية، وأن يوضح أن أي ضغط سياسي، سواء من فصيل فلسطيني أو من طرف خارجي، بهدف إلغاء الانتخابات، أمر غير مقبول.

انتخابات نوفمبر لن تحل الأزمة الوطنية الفلسطينية.

لكن إلغاءها سيعمق تلك الأزمة فوراً.

لا يستطيع الفلسطينيون بناء دولة إذا كانت مؤسساتهم تخشى ناخبيها.

ولا تستطيع إسرائيل أن تواصل السؤال: أين هو الشريك الفلسطيني؟ في الوقت الذي يُحرم فيه الفلسطينيون أنفسهم من فرصة اختيار قيادة جديدة.