بين الدولة في الوعي والدولة في الواقع
د. إبراهيم نعيرات
د. إبراهيم نعيرات
ثلاثة عقود مرّت منذ دخل الفلسطينيون مسارًا سياسيًا حمل وعدًا بالانتقال من واقع الاحتلال إلى واقع الدولة. وكان أوسلو، بكل ما له وما عليه، قفزة تاريخية نقلت الفلسطينيين إلى موقع سياسي جديد، وفتح أمامهم مجالًا لبناء المؤسسات وممارسة الحكم والتمثيل الرسمي والانخراط في العلاقات الدولية. لذلك لا تبدأ مراجعة هذه المرحلة من إنكار تلك اللحظة، وإنما من فهم ما فعلته ممارسة الدولة الطويلة في وعينا بالواقع وفي الطريقة التي أدارت بها النخبة السياسة.
نشأ اعتقاد بأن التصرف على أساس الدولة سيقود إلى ترسيخها؛ فبناء الوزارات والمؤسسات والأجهزة، وإدارة الشأن العام، وإصدار القوانين، وممارسة وظائف الدول، إلى جانب الحضور الرسمي والعلاقات الدولية، سيجعل الدولة تتجذر تدريجيًا في الواقع. ومع الزمن لم تعد الدولة مجرد هدف نسعى إليه، بل أصبحت حاضرة في اللغة والمؤسسات والممارسة والوعي، خصوصًا لدى النخبة التي انتقلت من أدوار الحركة والتحرر إلى أدوار الحكم والإدارة والتمثيل الرسمي.
وهنا نشأت المسافة الأهم: الدولة تقدمت في الوعي أكثر مما تقدمت في الواقع.
فقد بنينا كثيرًا من مظاهر الدولة، بينما بقيت عناصر السيادة الحاسمة خارج السيطرة: الأرض والحدود والحركة والموارد والقرار والقدرة على حماية المجال الوطني. نشأت دولة في المؤسسات واللغة والتمثيل والعلاقات، قبل أن تكتمل دولة السيادة في الواقع. ولم تكن المشكلة في بناء المؤسسات، بل في أن نجاحها في العمل والاستمرار بدأ يُقرأ، مع الوقت، بوصفه تقدمًا في اتجاه الدولة، حتى عندما ظل جوهرها السيادي بعيدًا.
ولأن الممارسة لا تكتفي بتغيير الواقع، بل تعيد تشكيل من يمارسها، فقد أعادت ممارسة الدولة تشكيل طريقة الأداء السياسي أيضًا. فحين أصبحت النخبة مسؤولة عن مؤسسات وميزانيات وخدمات واقتصاد وعلاقات خارجية، أصبحت الأولوية للاستقرار والاستمرارية وإدارة الأزمات وحماية المؤسسة. ومع طول الزمن، تحول المؤقت إلى مألوف، والمألوف إلى قاعدة، وأصبح الأداء أكثر انشغالًا بإدارة الواقع من تغيير شروطه.
لم يكن ذلك بالضرورة قرارًا واعيًا بالتخلي عن التحرر. كانت الوظيفة نفسها تعيد ترتيب الأولويات. ففي مرحلة التحرر يقاس النجاح بمقدار ما يتغير الاحتلال وموازين القوة وشروط السيطرة؛ أما في مرحلة الحكم فيقاس بانتظام المؤسسات واستمرار الخدمات وإدارة الاقتصاد والأزمات. وهكذا نشأت مفارقة أساسية: يمكن أن تنجح الإدارة بينما لا يتغير الواقع السياسي.
بل إن نجاح المؤسسة في العمل تحت الاحتلال قد يجعل الاحتلال، من حيث لا ندري، أقل حضورًا بوصفه أصل المشكلة وأكثر حضورًا بوصفه قيدًا يحتاج إلى إدارة. تتحول نتائج غياب السيادة إلى ملفات يومية، وتتراجع القضية الأصلية خلف الرواتب والخدمات والاقتصاد والانقسام والأزمات، لا لأن الاحتلال انتهى، وإنما لأن إدارة آثاره أصبحت جزءًا من الحياة السياسية.
وهنا تتصل مشكلة الوعي بمشكلة الأداء. فإذا أصبحت رؤيتنا للواقع أضيق من حقيقته، فمن الصعب أن ينتج عنها أداء يوازي مستوى التحدي. تراكمت لدينا خبرة واسعة في إدارة ما هو قائم، لكن ليس بالقدر نفسه في التأثير في الشروط التي أنتجته. لم يكن الخلل بالضرورة في كفاءة الإدارة، بل في أن الأداء السياسي أصبح أضيق من الواقع الذي كان يفترض أن يغيره.
أما المجتمع، فظل أكثر التصاقًا بالواقع المادي. فالأرض والحواجز والاستيطان والاعتقال والهدم والقيود على الحركة أبقت الاحتلال حاضرًا في الحياة اليومية، وأبقت الفارق بين السلطة والدولة واضحًا. كانت النخبة تعيش الدولة من داخل مؤسساتها وأدوارها، بينما كان المجتمع يعيش حدودها في حياته اليومية. ولذلك لم يكن الاختلاف في المواقف فقط، بل في طريقة إدراك الواقع نفسه.
ثم جاءت حرب غزة والهجمة على الضفة لتضرب هذه المسافة في الصميم. فقد أعادتا إلى الواجهة، بصورة لا تسمح بالتأجيل، حقيقة أن عناصر القوة والسيادة الحاسمة لم تنتقل إلى الجانب الفلسطيني، وأن الدولة التي بدت حاضرة في المؤسسات والتمثيل والعلاقات الدولية لم تكن حاضرة بالقدر نفسه في الأرض وميزان القوة والقدرة على حماية المجتمع والمجال الوطني.
ربما كانت هذه هي الصدمة التي أعادت إلى الوعي ما حجبه الاعتياد: أننا لم نكن كما كنا نعتقد، وأن ما راكمناه طوال سنوات كان، في جانب مهم منه، تراكمًا في ممارسة وظائف الدولة ومظاهرها أكثر منه تراكمًا في شروط سيادتها.
ولا يعني ذلك أن كل ما بُني كان وهمًا. فالمؤسسات والخبرة والعلاقات والتمثيل رصيد وطني حقيقي. الوهم كان في الاعتقاد بأن ممارسة وظائف الدولة ستنتج الدولة تلقائيًا، أو أن الزمن سيحوّل السلطة إلى سيادة. أثبت الواقع أن ممارسة بعض وظائف الدولة يمكن أن تستمر طويلًا من دون أن تتغير الشروط التي تمنع قيامها.
لذلك فإن مراجعة ثلاثة عقود لا ينبغي أن تتوقف عند سؤال لماذا لم تتحقق الدولة، بل عند مسألة أعمق: كيف أثّر اعتقادنا بأننا نسير إليها في وعينا بالواقع وفي طريقة أدائنا للسياسة؟ فقد أصبحنا أكثر مهارة في إدارة المرحلة الانتقالية من قدرتنا على إنهائها، وأكثر انشغالًا بالحفاظ على ما بُني من تغيير الشروط التي تمنع اكتمال ما بُني من أجله.
وهذه هي النقطة التي تستحق المراجعة اليوم. ليس المطلوب هدم المؤسسات أو التنكر لتجربة الحكم، وإنما إعادة كل ذلك إلى موقعه الصحيح: أدوات في مشروع الدولة، لا بدائل عنها. فالسلطة ليست الدولة، وممارسة وظائفها ليست امتلاكها، والاعتراف ليس سيادة، والاستقرار تحت الاحتلال ليس تحررًا منه.
لقد كشفت الصدمة الراهنة شيئًا أبعد من هشاشة الواقع: كشفت احتمال أن تكون طريقة إدارتنا له قد أصبحت أقل من مستوى التحدي نفسه. فإذا كان الوعي قد تشكل طويلًا تحت تأثير ممارسة الدولة، وإذا كان هذا الوعي قد أعاد تشكيل الأداء، فإن استعادة الفاعلية تبدأ من تصحيح الحلقة كلها: أن نرى الواقع كما هو، ثم نبني أداءً سياسيًا يوازيه، لا أداءً يكتفي بإدارته.
فالدولة لا تصبح حقيقة لأننا مارسنا وظائفها، وإنما عندما تصبح السيادة حقيقة. والسياسة لا تنجح حين تجعل الاحتلال قابلًا للإدارة، وإنما حين تفتح طريقًا حقيقيًا لتغيير شروطه.
لقد سبقت الدولة في الوعي الدولةَ في الواقع. وربما تكون الصدمة الراهنة قد أعادت فتح المسافة بينهما؛ لا لكي نهدم ما بنيناه، بل لكي نرى بوضوح ما ينقصه، ونستعيد للسياسة قدرتها على الانتقال من إدارة الواقع إلى تغييره.



