طولكرم.. من تنظيم البسطات إلى خطة متكاملة لاستعادة الوجه الحضاري للمدينة
إعداد وتقرير: المحامي علي أبوحبلة
طولكرم.. من تنظيم البسطات إلى خطة متكاملة لاستعادة الوجه الحضاري للمدينة
إعداد وتقرير: المحامي علي أبوحبلة
لم تكن الخطوة التي نفذتها بلدية طولكرم في تنظيم المرحلة الأولى من وسط المدينة والشوارع المتفرعة منه مجرد إجراء ميداني لتنظيم البسطات، وإنما يمكن النظر إليها باعتبارها بداية لخطة حضارية أوسع لإعادة تنظيم الفضاء العام واستعادة الأرصفة والشوارع وظيفتها الطبيعية، بما يحافظ في الوقت ذاته على مصالح المواطنين وأصحاب المحال والبسطات.
وقد تميزت المرحلة الأولى بالهدوء والسلاسة نتيجة اعتماد البلدية على الحوار المباشر مع أصحاب البسطات، والاستماع إلى مطالبهم، والعمل على توفير البدائل، الأمر الذي أسهم في تحقيق قدر من التفاهم والشراكة بدلاً من الصدام.
والأهم أن تطبيق الخطة على الجميع دون محاباة أو استثناءات عزز ثقة المواطنين بها، لأن العدالة في تطبيق القانون هي الضمان الحقيقي لنجاح أي خطة تنظيمية.
المرحلة المقبلة.. خطة واضحة لا تتوقف عند البسطات
إن نجاح المرحلة الأولى يجب أن يكون مدخلاً إلى خطة متدرجة وشاملة، وليس محطة نهائية. ومن المهم أن تتضمن المرحلة المقبلة:
استكمال تنظيم البسطات في مختلف مناطق وسط المدينة والشوارع المتفرعة، مع تحديد المواقع المسموح بها والبدائل المناسبة.
معالجة جميع أشكال التعدي على الأرصفة، بما فيها ضم أجزاء منها إلى بعض المحال التجارية وإقامة البترينات والمنشآت والعروض التجارية التي تعيق حركة المشاة.
إجراء مسح ميداني شامل للإشغالات القائمة وتصنيفها، ومنح أصحاب المصالح فرصة لتصويب أوضاعهم وفق القانون.
وضع معايير موحدة ومعلنة تنطبق على الجميع دون استثناء أو محاباة.
الحفاظ على ممرات آمنة للمشاة، وبخاصة كبار السن وذوي الإعاقة والأطفال.
تنظيم الواجهات التجارية والبترينات واللوحات والإعلانات والعروض الخارجية وفق ضوابط واضحة.
دراسة تخصيص أسواق ومواقع منظمة للباعة المتجولين وأصحاب البسطات، بما يحفظ مصدر رزقهم ضمن إطار قانوني ومنظم.
متابعة التنفيذ بصورة دورية لمنع عودة الإشغالات العشوائية بعد انتهاء أعمال التنظيم.
وقد سبقت مدن فلسطينية كبرى إلى اعتماد تجارب لتنظيم الأسواق والبسطات، ومن بينها رام الله ونابلس، بما يؤكد أن تنظيم الفضاء العام يمكن أن يجمع بين حماية الحركة التجارية والمحافظة على حق المواطنين في استخدام الشوارع والأرصفة.
القانون أولاً.. والتنفيذ وفق الأصول
ومن الضروري في المرحلة المقبلة التأكيد أن إنفاذ القانون يجب أن يسير بالتوازي مع احترام الأصول والإجراءات القانونية.
فقانون الهيئات المحلية الفلسطينية رقم (1) لسنة 1997 وتعديلاته يشكل أحد الأطر الأساسية لاختصاصات الهيئات المحلية في تنظيم شؤون المدن والطرق والمرافق العامة، إلى جانب التشريعات والأنظمة والقرارات ذات الصلة بالإشغالات والبناء والسلامة العامة.
وعليه، فإن المطلوب ليس مجرد إزالة ميدانية، وإنما تنفيذ قانوني سليم يبدأ بتحديد المخالفة وإثباتها، وتوجيه الإخطار أو الإنذار حيث يوجب القانون ذلك، وتمكين صاحب العلاقة من تصويب وضعه أو ممارسة حقه في الاعتراض وفق الأصول، ثم اتخاذ الإجراء المناسب من الجهة المختصة وبالطريقة التي يجيزها القانون.
وهذا أمر بالغ الأهمية حتى لا تتحول خطة تنظيمية حضارية إلى نزاعات قانونية كان بالإمكان تجنبها من خلال سلامة الإجراءات.
تكامل مؤسسات المحافظة
إن نجاح مثل هذه الخطة لا يمكن أن يتحقق بجهد البلدية وحدها، وإنما يحتاج إلى تكامل مؤسسات المحافظة وتنسيق أدوارها.
وفي هذا السياق، لا بد من الإشادة بالدور الذي يقوم به محافظ محافظة طولكرم اللواء عبد الله كميل، وما يبذله من جهود في متابعة القضايا التي تمس الحياة اليومية للمواطنين، ودعم التنسيق بين المؤسسات الرسمية والأجهزة ذات العلاقة، وتعزيز الاستقرار والنظام العام، بما يساعد على إنجاح الخطط التنموية والتنظيمية في المحافظة.
ويكتسب هذا الدور أهمية خاصة عندما يتعلق الأمر بقضايا تمس مختلف شرائح المجتمع، لأن نجاح التنظيم يحتاج إلى مظلة من التنسيق والتعاون بين المحافظة والبلدية والشرطة والدفاع المدني والغرفة التجارية وسائر الجهات ذات العلاقة.
ومن هنا فإن استمرار التنسيق بين محافظة طولكرم وبلدية طولكرم يمكن أن يشكل عاملاً مهماً في إنجاح المراحل المقبلة من خطة التنظيم، ومعالجة الإشكالات بروح مؤسسية تقوم على الحوار والقانون والمصلحة العامة.
الغرفة التجارية شريك أساسي
كما تبرز أهمية الدور الذي يمكن أن تضطلع به غرفة تجارة وصناعة وزراعة طولكرم، ممثلة برئيسها وأعضاء مجلسها وكوادرها، باعتبارها جسراً مهماً بين البلدية والقطاع التجاري.
فالتنظيم الناجح لا ينبغي أن يكون شأناً بلدياً منفرداً، وإنما مسؤولية تشاركية تضم البلدية والمحافظة والغرفة التجارية والشرطة والدفاع المدني وأصحاب المحال والبسطات والمواطنين.
وتستطيع الغرفة المساهمة في توعية التجار بالأنظمة، ونقل ملاحظاتهم ومقترحاتهم إلى البلدية، والمساعدة في إيجاد حلول عملية للمحال التي تتأثر بإعادة تنظيم الأرصفة والواجهات، بما يحافظ على النشاط التجاري ويمنع في الوقت ذاته الاعتداء على الحق العام.
الشرطة والدفاع المدني.. شراكة في حماية النظام والسلامة
ولا يمكن إغفال الدور الذي قامت به الشرطة في توفير الأجواء اللازمة لتنفيذ الخطة، إلى جانب الدفاع المدني والفرق البلدية.
وفي هذا الإطار، يستحق مدير شرطة طولكرم العقيد حقوقي بشار عطياني وكافة ضباط وأفراد الشرطة الشكر والتقدير على تعاونهم ومساهمتهم في إنجاح هذه الخطوة، كما يستحق موظفو وفرق بلدية طولكرم والدفاع المدني وكل الجهات التي شاركت في التنفيذ التقدير على جهودهم الميدانية.
طولكرم أمام فرصة مهمة
إن ما تحقق في المرحلة الأولى يمثل فرصة حقيقية أمام بلدية طولكرم للانتقال من إدارة المخالفات إلى إدارة المدينة، ومن معالجة الحالات الفردية إلى بناء منظومة تنظيمية متكاملة.
والرسالة التي ينبغي تثبيتها هي أن البلدية لا تستهدف البائع أو التاجر، وإنما تستهدف الفوضى، ولا تحارب مصدر الرزق، وإنما تعمل على تنظيمه، ولا تنتقص من حقوق أصحاب المحال، وإنما تسعى إلى تحقيق التوازن بين حق النشاط التجاري وحق المواطن في الطريق والرصيف والمدينة المنظمة.
والنجاح الحقيقي سيكون عندما تصبح المعايير واضحة للجميع، والبدائل متاحة حيثما أمكن، والقانون مطبقاً بعدالة، والرصيف متاحاً للمشاة، والأسواق منظمة، ووسط المدينة أكثر نظافة وجمالاً وانسيابية.
كلمة شكر وتقدير
وفي الختام، نسجل كلمة شكر وتقدير إلى محافظ محافظة طولكرم اللواء عبد الله كميل على ما يبذله من جهود في خدمة المحافظة ومتابعة قضاياها، وعلى دعم التنسيق والتعاون بين المؤسسات الرسمية والأجهزة ذات العلاقة.
كما نتوجه بالشكر إلى بلدية طولكرم، ممثلة برئيسها وأعضاء المجلس البلدي وموظفيها وفرقها الميدانية، على هذه الخطوة التي لاقت ارتياحاً لدى قطاعات واسعة من المواطنين، وعلى اعتماد الحوار والتفاهم طريقاً لتنفيذها.
والشكر موصول إلى غرفة تجارة وصناعة وزراعة طولكرم، ممثلة برئيسها وأعضاء مجلسها وكوادرها، على دورها في دعم وتنظيم القطاع التجاري وتعزيز التعاون مع البلدية.
كما نوجه التحية والتقدير إلى شرطة طولكرم، ممثلة بمديرها العقيد حقوقي بشار عطياني وكافة الضباط والأفراد، وإلى الدفاع المدني، وكل من ساهم في إنجاح هذه الخطة الحضارية.
إن طولكرم تستحق أن تكون مدينة منظمة وجميلة تليق بتاريخها ومكانتها، ونجاح المرحلة الأولى ينبغي أن يكون حافزاً لاستكمال المراحل المقبلة بروح المسؤولية والشراكة.
فحين يكون القانون عادلاً، والتنفيذ منضبطاً، والحوار حاضراً، والبدائل متوفرة، يصبح تنظيم المدينة مشروعاً مجتمعياً لا قراراً إدارياً فقط.
إعداد وتقرير: المحامي علي أبوحبلة



