د. موسى أبو مرزوق... حكمة المؤسسين ورهان المرحلة الجديدة

بقلم: المستشار د. أحمد يوسف

أغسطس 5, 2026 - 14:04
د. موسى أبو مرزوق... حكمة المؤسسين ورهان المرحلة الجديدة

"بعد الحروب الكبرى، لا يكون مستقبل الحركات مرهونًا بمن يرفع صوته أكثر، وإنما بمن يمتلك الحكمة، وبعد النظر، والقدرة على جمع الصفوف وصناعة المستقبل."
بقلم: المستشار د. أحمد يوسف

بعد كل الحروب الكبرى، لا تحتاج الحركات الوطنية إلى تغيير الوجوه بقدر حاجتها إلى استعادة الحكمة. فالمراحل الانتقالية لا تُدار بالحماسة وحدها، ولا بالشعارات، وإنما بالعقول الراجحة، والخبرة المتراكمة، والقدرة على قراءة الواقع كما هو، لا كما نتمناه.
ومن هنا، فإن الحديث عن مستقبل حركة حماس بعد حرب الإبادة على قطاع غزة يقودني إلى الحديث عن رجلٍ عرفته عن قرب لأكثر من خمسين عامًا، هو الأخ الدكتور موسى أبو مرزوق؛ ليس بدافع الصداقة أو الزمالة، وإنما من باب الشهادة التي أعتقد أن الأمانة تقتضي قولها.
لقد جمعتنا أزقة مخيم رفح في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، ثم سنوات الدراسة في مصر خلال السبعينيات، قبل أن نلتقي مجددًا في دولة الإمارات، ومنها إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث واصل دراساته العليا، وتولى قيادة العمل الإسلامي هناك، ثم أصبح لاحقًا أحد أبرز مؤسسي حركة حماس وقادتها التاريخيين.
وعلى امتداد هذه الرحلة الطويلة، لم أعرف الرجل إلا وفيًا لإخوانه، كريمًا في عطائه، واسع الصدر، بعيدًا عن الشخصنة، حريصًا على جمع الكلمة أكثر من الانتصار للرأي.
كان الدكتور موسى، وما يزال في تقديري، أحد أهم العقول الاستراتيجية التي أنجبتها الحركة. كثيرٌ من أفكاره ومبادراته سبقت زمانها، وكثيرٌ مما كان يطرحه قبل سنوات أصبح اليوم من المسلمات التي تتداولها القيادات وصنّاع القرار.
ولعل أكثر ما يميزه أنه يجمع بين الفكر السياسي والرؤية الاستراتيجية، وبين الواقعية التي لا تتخلى عن الثوابت، والمرونة التي لا تفرط بالمبادئ. وهي معادلة نادرة في العمل السياسي، خصوصًا في حركات المقاومة التي تواجه تحديات داخلية وإقليمية ودولية متشابكة.
وخلال حرب الإبادة على قطاع غزة، ورغم كل الظروف القاسية، لم ينقطع تواصله مع إخوانه في الداخل، ولم يتوقف عن السؤال والمتابعة، وظلت يده ممدودة بالعون والمساندة، وبذل ما استطاع للتخفيف من آلام الناس ومحنة النازحين. ولم نشعر يومًا أنه خذلنا أو تخلى عنا، بل بقي حاضرًا بقلبه وعقله واهتمامه.
وربما لم يحن الوقت بعد للحديث المفصل عن أدواره الإنسانية والإغاثية، لكن الإنصاف يقتضي القول إنه كان من السابقين إلى مد يد العون، وإلى محاولة التخفيف من مرارة الفقد والوجع اللذين عاشهما أهل غزة.

لقد تنقل الدكتور موسى بين محطات قيادية متعددة؛ من مصر إلى الإمارات، ثم الولايات المتحدة، حيث حصل على درجتي الماجستير والدكتوراه، وتولى قيادة العمل الإسلامي هناك، قبل أن يتعرض للاعتقال في الولايات المتحدة في منتصف التسعينيات بسبب نشاطه السياسي، ثم يُرحَّل إلى الأردن، حيث أقام فترة بترتيب من جلالة الملك الحسين بن طلال، رحمه الله، قبل انتقاله إلى سوريا عضوًا في المكتب السياسي، ثم إلى قطر، حيث واصل أداءه القيادي، وتولى واحدًا من أكثر الملفات حساسية، وهو ملف العلاقات الإقليمية والدولية للحركة.
وأحسب أن كثيرًا من النجاحات التي حققتها الحركة في بناء علاقاتها الخارجية يعود إلى شخصية الدكتور موسى، بما يمتلكه من فهم عميق للسياسة الدولية، وقدرة على إدارة الحوار، واستيعاب الاختلاف، وبناء جسور الثقة مع مختلف الأطراف.
ومن الصفات التي طالما أعجبتني فيه أنه لم يكن يومًا ممن يتشبثون بالمناصب أو يسعون إليها. كان يرى أن المسؤولية تكليف قبل أن تكون تشريفًا، ولذلك كانت المواقع القيادية هي التي تذهب إليه، لا هو الذي يسعى إليها. وهي خصلة لا تتوافر إلا عند القليل من القادة.
وبغض النظر عما أفرزته الانتخابات الداخلية الأخيرة للحركة، فإن الدكتور موسى أبو مرزوق سيبقى أحد أعلامها الكبار، وأحد رموزها المؤسسين، بما قدمه من عطاء وتفانٍ ووعي سياسي في خدمة المشروع الوطني الفلسطيني.
ولا يخفى على المتابعين أن كثيرًا من أعمدة الحركة في الداخل، ومن أهل الحل والعقد فيها، ينظرون إلى الدكتور موسى أبو مرزوق بوصفه مرجعيةً في الرأي، وملاذًا عند اشتداد الأزمات، وصاحب البصيرة التي تهدي إلى سواء السبيل. وكثيرًا ما يُستحضر، على سبيل التشبيه في الحكمة والرشد وحسن المشورة، نموذج هارون مع موسى عليهما السلام؛ بما يمثله من عقل راجح، ورأي سديد، وبوصلة لا تحيد عن المصلحة العليا، ولسانٍ يجمع ولا يفرق، ويصلح ولا يفسد. فقد عُرف الدكتور موسى بقدرته على احتواء الخلاف، وتقريب وجهات النظر، والحفاظ على تماسك الصف الحمساوي، وتعزيز الشراكة مع مختلف مكونات الحالة الوطنية، حتى غدا في نظر كثيرين وجه الرجل الحكيم الذي يُرجع إليه عند اختلاف الآراء، وتُطلب مشورته عند تعقّد المسارات.
لذلك، تأتي نصيحتي لإخواني الذين يتصدرون المشهد اليوم: لا تتركوا هذا الفارس يترجل، بل حافظوا على مكانته، واستفيدوا من خبرته، ففي زمن الأزمات تصبح الخبرة رأس المال الحقيقي، ويصبح صوت الحكمة أثمن من كثير من الشعارات.
لقد عرفت عن قرب عددًا كبيرًا من قيادات حركة حماس، في الحركة والحكومة، عبر عقود طويلة من العمل المشترك، لكن الذاكرة لا تسعفني لأن أجد من أراه أقرب إلى وصف "الرجل الرشيد" من الأخ الدكتور موسى أبو مرزوق؛ بما يجمعه من حكمة، وبعد نظر، واتزان، ونكران للذات، وقدرة على احتواء الخلاف، وصيانة وحدة الصف، وبناء التوافقات في أصعب الظروف.
وقد يختلف الناس في تقييم الأشخاص، وهذا حق مشروع، لكنهم قلّما يختلفون على مكانة أصحاب التجارب الكبيرة، الذين أثبتتهم الأيام، وصقلتهم المحن، وجعلت منهم مراجع يُرجع إليها عند اشتداد الأزمات. والدكتور موسى، في تقديري، واحد من هؤلاء القلائل الذين استطاعوا أن يجمعوا بين أصالة الفكرة، ومرونة السياسة، وثبات المبدأ، وحسن إدارة الرجال.
إن المرحلة التي أعقبت حرب الإبادة ليست بحاجة إلى مزيد من الانفعال بقدر حاجتها إلى رجال دولة، وإلى عقول استراتيجية تعرف كيف تحول المحنة إلى فرصة، وتحافظ على وحدة الحركة، وتعيد بناء جسور الثقة مع محيطها الوطني والإقليمي والدولي. وهذه مسؤولية لا ينهض بها إلا من جمع بين التجربة والرؤية والحكمة.
ومن بين هؤلاء، يظل الدكتور موسى أبو مرزوق، في نظري، أحد أبرز الأسماء التي يصعب تجاوزها، وأحد الرجال الذين ما زال حضورهم ضرورة للحركة، وللقضية، وللمشروع الوطني الفلسطيني. ولعل أعظم ما يمكن أن يقدمه في هذه المرحلة ليس موقعًا تنظيميًا فحسب، بل دوره مرشدًا ومرجعًا وناصحًا أمينًا، تستضيء برأيه القيادة، وتستفيد من خبرته الأجيال الصاعدة.
ولذلك، فإن الحفاظ على مكانة هذا الجيل المؤسس، والاستفادة من خبرته، ليس وفاءً لأشخاص، وإنما وفاءٌ لتجربةٍ صنعت تاريخ الحركة، وأسهمت في تشكيل أحد أهم فصول العمل الوطني الفلسطيني المعاصر.