شكوك في التنفيذ: الاتفاق رهن الضغط الأميركي

بين استحقاقات وقف الحرب ومراوغات الاحتلال

أغسطس 1, 2026 - 14:32
شكوك في التنفيذ: الاتفاق رهن الضغط الأميركي

شكوك في التنفيذ: الاتفاق رهن الضغط الأميركي
بين استحقاقات وقف الحرب ومراوغات الاحتلال

بقلم: المحامي علي أبو حبلة

مع تزايد الحديث عن اقتراب التوصل إلى اتفاق يفضي إلى وقف الحرب في قطاع غزة، تتجه الأنظار إلى المرحلة الأصعب، وهي مرحلة التنفيذ. فالتاريخ الطويل للصراع الفلسطيني–الإسرائيلي يثبت أن التحدي الحقيقي لم يكن يوماً في صياغة الاتفاقات، بل في توافر الإرادة السياسية والضمانات الدولية الكفيلة بتحويلها إلى واقع. ومن هنا، فإن أي اتفاق جديد سيظل رهينة مدى التزام إسرائيل بتنفيذه، وحجم الضغط الذي يمكن للولايات المتحدة والمجتمع الدولي ممارسته لضمان احترام تعهداته.

وبحسب ما تداولته وسائل إعلام وتقارير متطابقة، فإن التفاهمات المطروحة تتناول ملفات بالغة الحساسية، من بينها وقف العمليات العسكرية، والانسحاب الإسرائيلي التدريجي، وترتيبات إدارة قطاع غزة، ومعالجة ملف سلاح المقاومة ضمن إطار زمني محدد وتحت إشراف دولي. غير أن هذه الترتيبات، على أهميتها، لا تزال تصطدم بعقبة أساسية تتمثل في غياب إعلان إسرائيلي رسمي يتضمن التزاماً واضحاً بهذه البنود، الأمر الذي يثير تساؤلات مشروعة حول فرص نجاحها.

وتدرك حكومة الاحتلال أن أي التزام سياسي يتعلق بالانسحاب أو بوقف الحرب سيواجه معارضة شديدة داخل الائتلاف الحاكم، الذي ما زال يتمسك بشعار "القضاء على حماس" باعتباره الهدف المركزي للحرب. كما أن الحسابات الانتخابية، وهيمنة اليمين المتطرف على القرار السياسي، تجعل من الصعب على الحكومة الإسرائيلية تقديم أي خطوة يمكن أن تُفسَّر داخلياً باعتبارها تراجعاً أو هزيمة سياسية.

في المقابل، تبدو الولايات المتحدة صاحبة الدور الأكثر تأثيراً في هذه المرحلة. فإذا كانت الإدارة الأميركية تسعى فعلاً إلى إنهاء الحرب وتهيئة البيئة اللازمة لاستقرار إقليمي أوسع، فإن ذلك يتطلب انتقالها من موقع الوسيط إلى موقع الضامن، عبر ممارسة ضغط سياسي ودبلوماسي حقيقي على إسرائيل لإلزامها بتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه، خصوصاً ما يتعلق بوقف العمليات العسكرية، والانسحاب من القطاع، ورفع القيود التي تعيق وصول المساعدات الإنسانية وإطلاق عملية إعادة الإعمار.

ويظل ملف سلاح المقاومة من أكثر القضايا تعقيداً في أي تسوية مرتقبة. فبينما تتحدث التسريبات عن ترتيبات تدريجية تتضمن حصر السلاح وتخزينه ضمن آليات رقابة وإشراف دولي، تصر إسرائيل على نزع السلاح بصورة كاملة باعتباره شرطاً لأي ترتيبات سياسية أو أمنية لاحقة. وهذا التباين يعكس اختلافاً جوهرياً في الرؤية بين الأطراف، ويجعل هذا الملف مرشحاً ليكون أبرز نقاط الخلاف خلال مراحل التنفيذ.

أما على الجانب الفلسطيني، فإن ما يظهر من مرونة في التعاطي مع المقترحات المطروحة لا ينبغي تفسيره باعتباره تخلياً عن الثوابت الوطنية، بقدر ما يعكس محاولة لوقف حرب مدمرة أرهقت الشعب الفلسطيني، وتهيئة الظروف أمام إعادة إعمار قطاع غزة، مع التأكيد على أن أي ترتيبات أمنية يجب أن ترتبط بانسحاب الاحتلال، وإنهاء العدوان، وتمكين الفلسطينيين من إدارة شؤونهم بعيداً عن الإملاءات الإسرائيلية.

وفي الوقت ذاته، فإن استمرار صدور تصريحات إسرائيلية تتحدث عن مشاريع الاستيطان في قطاع غزة، أو تشجيع تهجير السكان تحت مسميات مختلفة، يبعث برسائل تتناقض مع أي حديث عن سلام أو استقرار، ويؤكد أن بعض مراكز القرار في إسرائيل ما زالت تنظر إلى الحرب باعتبارها فرصة لإعادة رسم الواقع الجغرافي والديموغرافي في القطاع، وهو ما يتعارض بصورة صارخة مع قواعد القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية.

ومن هنا، فإن نجاح أي اتفاق لن يتوقف على بنوده المكتوبة، وإنما على وجود آليات تنفيذ واضحة، وضمانات دولية ملزمة، وجدول زمني محدد، ولجنة رقابة تمتلك صلاحيات حقيقية لمتابعة التنفيذ ومعالجة أي خروقات. أما الاكتفاء بتفاهمات سياسية غير ملزمة، فقد يقود إلى تكرار تجارب سابقة انهارت عند أول اختبار ميداني.

إن السلام الحقيقي لا يُبنى على موازين القوة وحدها، بل على احترام القانون الدولي، وإنهاء الاحتلال، والاعتراف بالحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها حقه في تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة على حدود الرابع من حزيران عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.

وعليه، فإن الاتفاق، مهما بلغت أهميته، سيظل رهناً بعاملين حاسمين: أولهما استعداد الولايات المتحدة لممارسة ضغط فعلي على إسرائيل لضمان تنفيذ التزاماتها، وثانيهما قدرة الفلسطينيين على استثمار أي تهدئة في إعادة بناء وحدتهم الوطنية ومؤسساتهم السياسية، باعتبار أن الوحدة الوطنية تبقى الركيزة الأساسية لحماية المشروع الوطني الفلسطيني ومواجهة استحقاقات المرحلة المقبلة.