المثقف المزيف حين تتحول الكلمه إلى سبعه ويصبح الوعي ساحة معركة
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
المثقف المزيف حين تتحول الكلمه إلى سبعه ويصبح الوعي ساحة معركة
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
لم تعد الجوائز الأدبية والفنية مجرد احتفاء بالمبدعين أو اعتراف بقيمة منجزهم الفكري، بل غدت جزءًا من منظومة دولية متشابكة تتجاوز حدود الثقافة إلى السياسة والاستراتيجية والدبلوماسية. فالجوائز اليوم لم تعد تُقرأ بوصفها حدثًا ثقافيًا معزولًا، وإنما باعتبارها إحدى أدوات القوة الناعمة التي تتنافس الدول والمؤسسات الكبرى على توظيفها في صناعة النفوذ، وإعادة تشكيل الوعي، وصياغة النخب الثقافية القادرة على التأثير في المجتمعات أكثر مما تفعله الخطابات السياسية.
وليس ثمة خلاف على أن الجوائز، عندما تقوم على النزاهة والاستقلالية والشفافية، تمثل قيمة حضارية، فهي تكتشف المواهب، وتدعم الكاتب ماديًا ومعنويًا، وتفتح أمامه أبواب الترجمة والانتشار، وتمنح الأدب مكانته المستحقة في المجتمع. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل بقيت جميع الجوائز وفية لهذه الرسالة، أم أن بعضها أصبح جزءًا من مشروع أوسع لإعادة هندسة الثقافة العربية؟
إن الصراع في القرن الحادي والعشرين لم يعد صراعًا على الجغرافيا وحدها، بل أصبح صراعًا على الإنسان ووعيه، وعلى منظومة القيم التي تحكم تفكيره وسلوكه. ولذلك انتقلت أدوات التأثير من المدفع إلى الكلمة، ومن الاحتلال العسكري إلى الاستعمار الثقافي الذي يعمل بهدوء عبر الإعلام، والتعليم، والسينما، والمنصات الرقمية، والتمويل الثقافي، والجوائز الأدبية.
فالجوائز ليست مجرد مبلغ مالي أو درع تكريمي، وإنما هي شهادة تمنح الشرعية الأدبية، وتفتح أبواب الإعلام والترجمة والنشر، وتضع الكاتب في دائرة الضوء، وهو ما يجعلها قادرة على صناعة النخب الثقافية الجديدة، ومنحها سلطة معنوية قد تفوق سلطة المؤسسات الرسمية نفسها.
ومن هنا يصبح السؤال أكثر عمقًا: من يصنع النخبة الثقافية؟ وهل الذي يصنعها هو المجتمع واحتياجاته الحضارية، أم مؤسسات التمويل الثقافي التي تمتلك القدرة على منح الاعتراف أو حجبه؟
لقد أثبتت التجربة أن التمويل الثقافي ليس عملًا خيريًا محضًا، بل أصبح في كثير من الأحيان استثمارًا سياسيًا طويل الأمد. فالمؤسسات التي تنفق ملايين الدولارات على الجوائز، والترجمة، والمهرجانات، وورش الكتابة، لا تنفقها بمعزل عن رؤيتها للعالم، ولا بعيدًا عن مصالحها الاستراتيجية. وليس في ذلك ما يدعو إلى الدهشة، فكل دولة تمارس دبلوماسيتها الثقافية بما يخدم مصالحها، لكن الإشكالية تبدأ عندما تتحول هذه الأدوات إلى وسائل لإعادة ترتيب أولويات الثقافة العربية، وإنتاج نخب أكثر ارتباطًا بمراكز التمويل من ارتباطها بقضايا مجتمعاتها.
ولعل أخطر ما تفعله القوة الناعمة أنها لا تفرض أفكارها بالقوة، وإنما تجعلها تبدو الخيار الطبيعي والحديث والمتقدم، بينما يجري تصوير كل ما يخالفها على أنه تقليدي أو متجاوز. وهنا تتجلى الهندسة الثقافية بأدق صورها، حيث لا يجري منع الأصوات الأخرى، وإنما يتم تهميشها تدريجيًا، مقابل الاحتفاء بأصوات تتبنى رؤى بعينها، فتغدو هي النموذج الذي يسعى كثير من الكتّاب إلى تقليده أملاً في الوصول إلى المنصات والجوائز والانتشار.
ولا يعني ذلك أن كل عمل يتناول قضايا المرأة أو الحرية أو التحولات الاجتماعية عمل موجه، فهذه موضوعات إنسانية مشروعة، والأدب بطبيعته فضاء للحوار. لكن الإشكال يظهر عندما تصبح بعض الموضوعات أكثر حظوة من غيرها، لا بسبب قيمتها الفنية وحدها، وإنما لأنها تنسجم مع توجهات ثقافية سائدة لدى بعض المؤسسات المانحة، بينما تتراجع مساحة الاهتمام بالأعمال التي تعالج قضايا الهوية الوطنية، أو العدالة الاجتماعية، أو مقاومة الاستعمار، أو الحفاظ على الأسرة، أو المرجعية الحضارية للمجتمع.
إن الدفاع عن حقوق المرأة، وصون كرامتها، وتمكينها في التعليم والعمل والمشاركة العامة، هو جزء أصيل من منظومة القيم الإسلامية والإنسانية، ولا يتعارض مع ثوابت المجتمع. لكن الجدل ينشأ عندما تتحول بعض الطروحات الثقافية إلى دعوات لإعادة تعريف الأسرة، أو إضعاف المرجعيات الدينية، أو تقديم أنماط اجتماعية بوصفها النموذج الوحيد للتقدم، فيغدو الأدب وسيلة لترويج رؤية فكرية محددة، لا مجرد مساحة للإبداع الحر.
ومن هنا يصبح الكاتب أمام اختبار أخلاقي قبل أن يكون أمام اختبار فني؛ هل يكتب ما يؤمن به، أم يكتب ما يعتقد أنه يفتح له أبواب الجوائز؟ وهل تبقى الكلمة رسالة، أم تتحول إلى وسيلة للترقي في سلم الاعتراف الثقافي؟
إن أخطر ما يمكن أن يصيب المثقف أن يستبدل استقلاله الفكري بالارتهان لمعادلات التمويل والانتشار، وأن تتحول القناعة إلى مساومة، والموقف إلى مجاملة، والرسالة إلى سلعة، والإبداع إلى استثمار في رضا المؤسسات. فليس كل من يربح جائزة قد ربح ضميره، وليس كل من خسرها قد خسر قيمته الأدبية.
ولذلك فإن الحديث عن شراء الذمم لا ينبغي أن يفهم بالمعنى المباشر أو المالي الضيق، بل قد يكون شراءً للمواقف عبر الإغراء بالشهرة، أو المنح، أو الترجمة، أو الحضور الإعلامي، أو صناعة النجومية الثقافية. وهنا يصبح الخطر أكبر، لأنه لا يستهدف الجيب، بل يستهدف العقل والضمير.
إن الأمة التي تفقد استقلالها الثقافي، تفقد تدريجيًا قدرتها على إنتاج مشروعها الحضاري. ولذلك فإن معركة الوعي لا تقل أهمية عن معركة السيادة، وحماية الثقافة ليست رفضًا للانفتاح، وإنما دفاع عن حق المجتمع في أن يصوغ مستقبله بنفسه، دون وصاية أو توجيه أو إعادة تشكيل وفق أولويات الآخرين.
إننا لا نحتاج إلى جوائز تصنع كتّابًا على مقاس المؤسسات، بل إلى جوائز تصنع الثقة بالإبداع الحر، وتكافئ الجرأة الفكرية المسؤولة، وتحترم التعددية، وتصون استقلال القرار الثقافي. فالثقافة التي تُشترى بالتمويل تفقد رسالتها، والإبداع الذي يخضع للإملاء يفقد روحه، أما الكاتب الحقيقي، فإنه يبقى وفيًا للمبدأ، لأن الكلمة التي تُكتب من أجل الضمير تبقى، بينما تمضي الجوائز وتبقى قيمة ما كُتب في ذاكرة الشعوب والتاريخ.
نشرت في الأيام نيوز الجزائريه العدد5820 الخميس 30 جويليه 2026



