حركة فتح والمؤسسة المتعلمة

من الكهوف إلى الأكاديمية... من خبرة الثورة إلى معرفة المؤسسة

يوليو 28, 2026 - 10:11
حركة فتح والمؤسسة المتعلمة

حركة فتح والمؤسسة المتعلمة

من الكهوف إلى الأكاديمية... من خبرة الثورة إلى معرفة المؤسسة

محمد قاروط أبو رحمه
عضو المجلس الاستشاري لحركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح)
عضو مجلس إدارة أكاديمية فتح الفكرية

 

مقدمة

حين يُطرح مفهوم المؤسسة المتعلمة يتبادر إلى الذهن أنه أحد مفاهيم الإدارة الحديثة التي نشأت في الجامعات ومراكز الأبحاث والشركات العالمية. لكنني كلما تعمقت في هذا المفهوم، وجدت أنني عشته قبل أن أعرف اسمه، ومارسته قبل أن أقرأ عنه.

لقد بدأت رحلتي قبل أكثر من خمسة عقود في قواعد الفدائيين، في ظروف لم تكن تعرف القاعات الدراسية ولا التقنيات الحديثة، لكنها كانت تعرف حقيقة أساسية: أن التجربة يجب أن تعلمنا، وأن كل مهمة ينبغي أن تجعلنا أكثر قدرة على أداء المهمة التالية.

كان الواقع هو المعلم الأول، وكانت الممارسة اليومية مدرسة مفتوحة، وكان النجاح والفشل كلاهما مصدرًا للتعلم. لم نكن نستخدم مصطلح المؤسسة المتعلمة، لكننا كنا نعيش كثيرًا من معانيه؛ فالمعرفة كانت تأتي من الفعل، والخبرة كانت تنتقل بين الرفاق، والدروس كانت تتحول إلى أساليب عمل.

واليوم، وأنا أشارك في العمل الفكري داخل أكاديمية فتح الفكرية، وفي لجنة التعبئة الفكرية، وفي الإسهام في تطوير برامج تدريب قوى الأمن الفلسطينية، أجد أن الفكرة واحدة وإن اختلفت الأدوات؛ فالتعلم هو الذي يصنع المؤسسة، والمؤسسة التي تتوقف عن التعلم تبدأ بالتراجع مهما كان تاريخها.

ومن هنا يطرح هذا المقال سؤالًا للنقاش:

هل تستطيع حركة فتح أن تتحول إلى مؤسسة متعلمة بالمعنى الحديث، دون أن تفقد روحها الثورية ورسالتها الوطنية؟

 

من الكهوف بدأت المدرسة الأولى

كانت سنوات العمل الفدائي الأولى مدرسة استثنائية في التعلم.

لم تكن هناك كتب تشرح لنا كل ما نواجهه، ولا مؤسسات جاهزة تنقل إلينا الخبرة، بل كان الواقع هو المعلم الأول. كنا نتعلم من كل مهمة، ومن كل نجاح، ومن كل إخفاق، ومن كل موقف ميداني.

وبعد انتهاء المهمة لم يكن السؤال الأساسي: من أخطأ؟ بل كان السؤال الأهم:

ماذا تعلمنا؟ وكيف نطور أداءنا؟

كانت التجربة تُراجع، والخبرة تنتقل بين الرفاق، ويتحول الدرس إلى ممارسة، والممارسة إلى تقليد، والتقليد إلى ثقافة تنظيمية.

وهذه إحدى أهم خصائص المؤسسة المتعلمة؛ فهي لا تنكر الخطأ، ولا تسمح له أن يمر دون مراجعة، بل تحول الخطأ إلى فرصة للتعلم والتطوير.

 

من العمل إلى المعرفة

تميزت تجربة حركة فتح منذ انطلاقتها بمنهج يمكن تلخيصه بعبارة:

العمل أولًا ثم التحليل

لم يكن ذلك تقليلًا من قيمة الفكر أو رفضًا للعلم، بل كان استجابة لواقع ثوري لم تكن فيه نماذج جاهزة، فكان لا بد من صناعة المعرفة من خلال التجربة.

بدأت التجربة بالفعل، ثم جاء التحليل، ثم التعلم، ثم التطوير.

وهكذا أصبح العمل مصدرًا للخبرة، وأصبح التحليل وسيلة لتحويل الخبرة إلى معرفة، وتحولت المعرفة تدريجيًا إلى منهج.

واليوم، وبعد عقود طويلة من التجربة، فإن المرحلة الجديدة تتطلب الانتقال من المعرفة الفردية إلى المعرفة المؤسسية؛ أي من ذاكرة الأشخاص إلى ذاكرة المؤسسة.

 

فتح كمؤسسة متعلمة: الجذور التنظيمية للفكرة

عندما نتحدث عن تحول حركة فتح إلى مؤسسة متعلمة، فإننا لا ندعو إلى استيراد مفهوم إداري حديث وإسقاطه على تجربة وطنية عريقة، بل نبحث عن تطوير جوهر موجود في فلسفة الحركة ومنهجها التنظيمي.

فمبدأ النقد والنقد الذاتي كان حاضرًا في تجربة فتح منذ بداياتها، وقد نص عليه النظام الداخلي للحركة في المادة (40) ، باعتباره، وسيلة للمراجعة، والتصحيح، والتطوير.

فالمؤسسة التي لا تمارس النقد تفقد قدرتها على اكتشاف الخلل، والمؤسسة التي تخاف من النقد تتحول تدريجيًا إلى مؤسسة تدافع عن أخطائها بدل أن تعالجها.

كما نصت واجبات العضوية في المادة (12) الفقرة (هـ) على:

"العمل الدؤوب من أجل رفع المستوى الثقافي والخبرة نظريًا وعمليًا".

وهذا النص يعكس جوهر المؤسسة المتعلمة؛ فالعضو ليس مجرد منفذ للمهام، بل هو إنسان يتعلم باستمرار، ويرفع مستوى معرفته، ويطور خبرته النظرية والعملية.

ومن هنا فإن تحويل فتح إلى مؤسسة متعلمة لا يحتاج إلى اختراع فكرة جديدة، بل يحتاج إلى إعادة تفعيل هذه المبادئ وتحويلها من نصوص إلى ممارسة يومية.

فاجتماعات الأطر التنظيمية ينبغي ألا تقتصر على متابعة العمل الإداري والتنفيذي، بل يجب أن تتضمن دائمًا:

  • مراجعة الأداء.
  • النقد والنقد الذاتي.
  • استخلاص الدروس.
  • رفع المستوى الثقافي.
  • نقل الخبرة.
  • تطوير أساليب العمل.

لأن التنظيم الذي يجتمع لإنجاز المهام فقط، ولا يجتمع للتعلم من تجربته، يفقد أحد أهم عناصر بقائه وتطوره.

 

ماذا تعني المؤسسة المتعلمة؟

المؤسسة المتعلمة ليست المؤسسة التي لا تخطئ، فكل مؤسسة تعمل وتنجز تواجه تحديات وأخطاء.

لكنها المؤسسة التي لا تسمح للخطأ أن يضيع دون أن يتحول إلى درس.

وهي المؤسسة التي:

  • تتعلم من نجاحاتها كما تتعلم من إخفاقاتها
  • تشجع المبادرة ولا تعاقب أصحاب الأفكار الجديدة
  • تجعل النقد وسيلة للتطوير لا للهدم
  • توثق تجاربها بصورة منهجية
  • تبني كوادرها على المعرفة المتراكمة لا على الذاكرة الفردية
  • تحول الخبرات إلى برامج تدريبية ومناهج عمل
  • تحفظ ذاكرتها المؤسسية للأجيال القادمة
  • تستخدم الذكاء الاصطناعي لتطوير الأداء وخدمة الإنسان، لا لاستبدال الإنسان

وعندما يصبح التعلم ثقافة يومية داخل المؤسسة، لا يعود التدريب نشاطًا موسميًا، بل يصبح جزءًا من طريقة التفكير والعمل.

 

من الخبرة الشخصية إلى المعرفة المؤسسية

ولعل ما يدفعني إلى طرح هذه الفكرة ليس الاهتمام النظري وحده، بل تجربة عملية امتدت لأكثر من خمسة عقود.

بدأت هذه الرحلة في قوات العاصفة، ثم في كتيبة الجرمق، حيث تعلمنا أن المهمة لا تنتهي عند تنفيذها، بل تبدأ بعدها مرحلة لا تقل أهمية: مراجعة الأداء، واستخلاص الدروس، ونقل الخبرة إلى الآخرين.

كانت التجربة الفدائية مدرسة تعلم مستمر؛ فكل مهمة كانت تحمل معرفة جديدة، وكل موقف كان يضيف خبرة، وكل مراجعة كانت فرصة للتطوير.

ثم واصلت هذه الرحلة في ميادين التدريب والعمل الفكري، من خلال أكاديمية فتح الفكرية، ولجنة التعبئة الفكرية، والإسهام في تطوير برامج تدريب قوى الأمن الفلسطينية.

وقد أكدت هذه التجارب أن المؤسسة لا تتقدم فقط بما يمتلكه أفرادها من خبرات، بل بقدرتها على تحويل هذه الخبرات إلى معرفة مشتركة.

فالخبرة التي تبقى في ذاكرة صاحبها تنتهي بانتهائه، أما عندما تصبح معرفة مؤسسية فإنها تتحول إلى رصيد تستفيد منه الأجيال.

 

التحدي الحقيقي أمام حركة فتح

إن مستقبل حركة فتح لا يعتمد فقط على تاريخها النضالي، ولا على مكانتها الوطنية، بل يعتمد أيضًا على قدرتها على التعلم المستمر وتجديد أدواتها.

فالحركات الكبرى لا تبقى قوية لأنها تمتلك تاريخًا فقط، بل لأنها تمتلك القدرة على مراجعة نفسها، وتطوير أدواتها، وإعداد أجيال جديدة قادرة على حمل الرسالة.

والمؤسسة المتعلمة هي التي:

  • تتعلم من نجاحاتها وإخفاقاتها
  • تحمي المبادرة
  • تجعل النقد طريقًا للإصلاح
  • توثق التجربة وتحفظ الذاكرة
  • تبني الكادر على المعرفة لا على الأشخاص
  • توظف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي لتعزيز قدرة الإنسان

فالتعلم ليس مشروعًا موسميًا، بل ثقافة دائمة، وهو الاستثمار الأكثر أهمية لأي حركة وطنية تريد أن تبقى قادرة على التجدد.

من الفرد إلى المؤسسة... ومن المؤسسة إلى المستقبل

إن المبادرة تصنع الإنجاز الأول، أما التعلم المؤسسي فيصنع الإنجاز المستدام.

ولهذا فإن أعظم ما يمكن أن يقدمه الكادر لحركته ليس فقط نجاحًا شخصيًا، بل خبرة موثقة، ومنهجًا واضحًا، ودروسًا يستفيد منها من يأتي بعده.

فالمؤسسات العظيمة لا تعيش ببطولات أفرادها وحدها، بل بقدرتها على تحويل تلك البطولات إلى معرفة، والمعرفة إلى ثقافة، والثقافة إلى قوة متجددة.

ومن هنا فإن الدعوة إلى أن تصبح حركة فتح مؤسسة متعلمة ليست شعارًا إداريًا مستوردًا، بل هي خلاصة رحلة بدأت في الكهوف مع الفدائيين، واستمرت في ميادين التدريب والعمل التنظيمي والفكري.

إن الحركات الكبرى لا يحفظها تاريخها وحده، وإنما يحفظها أيضًا امتلاكها القدرة على التعلم، وتوثيق الخبرة، وتجديد أدواتها، وإعداد أجيال جديدة لا تبدأ من نقطة الصفر، بل تنطلق من تراكم التجربة وتضيف إليها.

 

خاتمة

لقد كانت الكهوف مدرسةً للتعلم تحت النار، وكانت التجربة الفدائية أول مختبر لتحويل الواقع إلى معرفة، وأصبحت الأكاديمية اليوم فضاءً لتحويل المعرفة إلى منهج.

وبين الكهوف والأكاديمية تمتد رحلة تؤكد أن قوة حركة فتح لم تكن يومًا في السلاح وحده، ولا في الفكر وحده، بل في قدرتها على التعلم وتحويل التجربة إلى معرفة، والمعرفة إلى منهج، والمنهج إلى ثقافة، والثقافة إلى قوة وطنية متجددة.

إن المؤسسة المتعلمة ليست مرحلة منفصلة عن تاريخ فتح، بل هي التطور الطبيعي لمنهجها:

العمل أولًا، ثم التحليل، ثم التعلم، ثم التطوير وصناعة المستقبل.

ويبقى السؤال الذي أطرحه للنقاش:

هل حان الوقت لأن نجعل من "المؤسسة المتعلمة" أحد عناوين المرحلة القادمة في مسيرة حركة فتح، بحيث يصبح التعلم المؤسسي ركيزة من ركائز التجديد التنظيمي، كما كان الكفاح الوطني ركيزة من ركائز انطلاقتها؟