تصريحات يعلون وغولان... مواقف ناقدة للحكومة وإن كانت في سياق المنافسة الانتخابية

يوليو 27, 2026 - 13:42
تصريحات يعلون وغولان... مواقف ناقدة للحكومة وإن كانت في سياق المنافسة الانتخابية

د. خليل أبو كرش: معظم التصريحات الصادرة حالياً تندرج ضمن إطار المزايدات الانتخابية الإسرائيلية والحملة المقبلة ستشهد مزيداً من الوعود والشعارات
نزار نزال: هذه التصريحات تبدو أقرب إلى خطاب سياسي وانتخابي منها إلى برنامج قابل للتنفيذ نظراً لاعتماد الحكومة على الأحزاب الدينية والقومية المتشددة
د. عبد المجيد سويلم: العامل الانتخابي حاضر بوضوح بمواقف يعلون وغولان لكن ذلك لا ينفي أن كليهما سبق أن عبّر عن مواقف ناقدة لسياسات الحكومة الحالية
هاني أبو السباع: المنافسة الانتخابية الإسرائيلية باتت تستخدم ما يجري بالضفة ومعاناة الفلسطينيين مادةً للصراع السياسي ومحوراً للمزايدات بين الحكومة والمعارضة
د. أسامة عبد الله: المعارضة تحاول تقديم نفسها أكثر قدرة على إدارة الملف الأمني وإعادة تحسين علاقات إسرائيل دولياً دون تقديم مشروع سياسي مختلف
فادي أبو بكر: غولان يسعى لإظهار قدرته وتياره السياسي على فرض سيادة القانون حتى على المستوطنين لكن ذلك لا يعكس تغييراً بجوهر الموقف من الاحتلال والاستيطان



رام الله - خاص بـ"القدس"-
تعيد تصريحات وزير الجيش الإسرائيلي الأسبق موشيه يعلون وزعيم حزب الديمقراطيين يائير غولان بشأن اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية، ولا سيما أحداث قرية تل جنوب غرب نابلس، تسليط الضوء على الانقسام داخل الساحة الإسرائيلية حول تداعيات تصاعد قوة الجماعات الاستيطانية المتطرفة، وكيفية استثمار ذلك في المعركة الانتخابية المرتقبة، فقد وصف يعلون ما يجري بأنه "إرهاب يهودي"، فيما حذر غولان من أن سياسات الحكومة الحالية حولت الضفة الغربية إلى "برميل بارود".
ويرى كتاب ومحللون سياسيون ومختصون بالشأن الإسرائيلي، في أحاديث منفصلة مع "ے"، أن مواقف يعلون وغولان تعكس قلقاً متزايداً داخل أوساط سياسية وأمنية إسرائيلية من أن يتحول عنف المستوطنين إلى عبء على الدولة ومؤسساتها، لكنها تأتي أيضاً في ظل أجواء انتخابية تسعى فيها المعارضة إلى تحميل حكومة بنيامين نتنياهو مسؤولية الانفلات الأمني وتقديم نفسها بديلاً أكثر قدرة على إدارة الملف.
ورغم أهمية هذه التصريحات، يؤكد الكتاب والمختصون أنها لا تمثل تحولاً في الموقف الإسرائيلي من الاحتلال أو المشروع الاستيطاني، إذ ينحصر الخلاف أساساً في طريقة إدارة الاستيطان وضبط الجماعات المتطرفة، وسط توقعات بأن تبقى قضية عنف المستوطنين حاضرة في الحملات الانتخابية المقبلة كورقة للصراع الداخلي الإسرائيلي.


مرحلة تحكمها المنافسة على أصوات الناخبين

يؤكد المختص بالشؤون الإسرائيلية د. خليل أبو كرش أن قراءة تصريحات يائير غولان وموشيه يعلون بشأن أحداث قرية تل جنوب غرب نابلس وعنف المستوطنين لا يمكن فصلها عن الأجواء الانتخابية التي دخلتها إسرائيل، معتبراً أن فهم المشهد الإسرائيلي الراهن يستوجب الأخذ بعين الاعتبار أن المرحلة الحالية تحكمها المنافسة على أصوات الناخبين، وهو ما ينعكس بوضوح على طبيعة الخطاب السياسي والمواقف المعلنة.

احتقان وتخوف من تصاعد عنف المستوطنين

ويوضح أبو كرش أن تصريحات موشيه يعلون تكتسب أهمية خاصة لكونه شخصية أمنية وسياسية بارزة شغلت مناصب رئيس هيئة الأركان ووزير الجيش، كما قاد حزب "تيلم" الذي كان جزءاً من معسكر سياسي أوسع.
ويشير أبو كرش إلى أن هجوم يعلون على الحكومة ووصفه ما يجري بـ"الإرهاب اليهودي"، وهو مصطلح متداول داخل إسرائيل، يعكس حجم الاحتقان السياسي والتخوف من تصاعد موجة العنف في الضفة الغربية، لافتاً إلى أن هذه الانتقادات تقدم قراءة إسرائيلية للمشهد، في مقابل سعي الحكومة واليمين إلى تصوير اعتداءات المستوطنين باعتبارها مجرد أعمال فردية لشبان يحتاجون إلى معالجة اجتماعية، وليس باعتبارها عنفاً سياسياً منظماً يحظى بغطاء الدولة.
ويؤكد أبو كرش أن هناك قلقاً متزايداً داخل إسرائيل من انتقال هذا العنف مستقبلاً إلى داخل الدولة نفسها، بما يعكس وجود فجوة بين مجتمع المستوطنين بما يحمله من نزعات تصعيدية، وبين الدولة المدنية والعلمانية في تل أبيب التي تسعى للحفاظ على منظومتها القيمية.

استثمار انتخابي لأحداث الضفة الغربية

وفي ما يتعلق بتصريحات يائير غولان، يوضح أبو كرش أن زعيم حزب الديمقراطيين، الذي يمثل اندماج حزبي العمل وميرتس، حاول استثمار أحداث الضفة الغربية انتخابياً والتوجه بخطابه إلى جمهور الوسط واليمين، في ظل الانزياح المتواصل للمجتمع الإسرائيلي نحو اليمين، وتراجع تأثير أحزاب اليسار التي أصبحت تتعرض لهجمات متواصلة حتى بات وصف "اليسار" يستخدم بصورة سلبية في الخطاب السياسي الإسرائيلي.
ويرى أن هذه المحاولة ألحقت ضرراً بحزب الديمقراطيين وروايته السياسية الداعية إلى التسوية وإسرائيل الديمقراطية، مشيراً إلى أن غولان اضطر لاحقاً إلى تخفيف حدة مواقفه بعد موجة الانتقادات التي تعرض لها.
ويؤكد أبو كرش أن معظم التصريحات الصادرة حالياً تندرج ضمن إطار المزايدات الانتخابية، متوقعاً أن تشهد الحملة المقبلة مزيداً من الوعود والشعارات التي تستهدف استقطاب الناخبين أكثر مما تعبر عن سياسات قابلة للتنفيذ، إذ تسعى جميع الأحزاب إلى مخاطبة الجمهور بما يرغب في سماعه، دون ضمان ترجمة ذلك إلى خطوات عملية بعد الانتخابات.
ويشير إلى أن أهمية الانتخابات المقبلة تنبع من أنها تأتي بعد تداعيات السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، والحرب على جبهات متعددة، إلى جانب متغيرات داخلية شملت تعزيز نفوذ اليمين داخل المؤسسة العسكرية، وتقليص صلاحيات المحكمة العليا، ما يجعلها من أكثر الانتخابات حساسية منذ صعود حزب الليكود إلى الحكم عام 1977.
ويؤكد أبو كرش أن اليمين الإسرائيلي يسعى إلى توظيف الدم الفلسطيني وأحداث الضفة الغربية، بما فيها ما جرى في تل، لكسب أصوات المستوطنين، مستفيداً من الغطاء السياسي والقانوني والمالي الذي وفرته الحكومة الحالية، والتي اعتبر أنها منحت المشروع الاستيطاني ما يشبه "العصر الذهبي" خلال سنوات حكمها.

عنف المستوطنين لم يعد ظاهرة هامشية

يؤكد الباحث المختص بالشأن الإسرائيلي وقضايا الصراع نزار نزال أن التصريحات التي أطلقها يائير غولان، إلى جانب مواقف شخصيات عسكرية وسياسية إسرائيلية بارزة، من بينها موشيه يعالون وإيهود باراك، تعكس وجود تيار داخل المؤسستين السياسية والأمنية في إسرائيل بات ينظر إلى عنف المستوطنين باعتباره لم يعد ظاهرة هامشية، وإنما تحول إلى عبء أمني وسياسي على إسرائيل نفسها، في ظل تنامي القناعة بأن ما يجري في الضفة الغربية أصبح نهجاً يحظى بغطاء حكومي وليس مجرد ممارسات فردية معزولة.

انتقاد مباشر لحكومة نتنياهو

ويوضح نزال أن هذه التصريحات تحمل عدة دلالات، أولها توجيه انتقاد مباشر لحكومة بنيامين نتنياهو واتهامها بتوفير غطاء سياسي للمستوطنين والجماعات المتطرفة، انطلاقاً من اعتقاد لدى هذه النخب بأن الهجمات التي تنفذها تلك المجموعات أصبحت جزءاً من سياسة حكومية تقوم على شرعنة ممارساتها.
ويشير نزال إلى أن الدلالة الثانية تتمثل في محاولة استعادة ثقة الجمهور الإسرائيلي الذي بات يشعر بأن الدولة فقدت جزءاً من احتكارها لاستخدام القوة لصالح مجموعات استيطانية مسلحة، فيما تتمثل الدلالة الثالثة في توجيه رسالة إلى المجتمع الدولي بأن داخل إسرائيل أصواتاً ترفض عنف المستوطنين، خاصة في ظل تصاعد الانتقادات الدولية لإسرائيل وما تعيشه من عزلة بعد الحرب على قطاع غزة، وما رافقها من اتهامات بارتكاب الإبادة والتطهير العرقي، الأمر الذي يدفع تلك النخب إلى محاولة تحسين صورة إسرائيل خارجياً، بالتوازي مع سعي غولان إلى تقديم نفسه بوصفه رجل دولة قادراً على إعادة سلطة القانون والمؤسسة العسكرية على الجميع، بمن فيهم المستوطنون المتطرفون.

خطاب سياسي وانتخابي

ويرى نزال أن هذه التصريحات تبدو في المرحلة الحالية أقرب إلى خطاب سياسي وانتخابي منها إلى برنامج قابل للتنفيذ، نظراً لاعتماد الحكومة على الأحزاب الدينية والقومية المتشددة، إضافة إلى أن أي حكومة مقبلة ستواجه مقاومة سياسية وشعبية إذا حاولت تفكيك البؤر الاستيطانية أو مواجهة الجماعات المتطرفة.
ويشير نزال إلى أن التجربة الإسرائيلية خلال السنوات الماضية أظهرت أن الحكومات، سواء كانت يمينية أو وسطية، اتخذت إجراءات محدودة بحق بعض البؤر أو الأفراد، لكنها لم تُحدث تغييراً جوهرياً في المشروع الاستيطاني.
ويؤكد نزال أن استمرار موازين القوى الحالية يجعل تحويل هذه التصريحات إلى سياسات عملية واسعة أمراً غير مرجح، وحتى في حال وصول حكومة أقل اعتماداً على أحزاب اليمين المتطرف، فإن أقصى ما يمكن توقعه هو تشدد أكبر في تطبيق القانون على بعض الجماعات الاستيطانية، دون أن يصل ذلك إلى تغيير جذري في السياسة الاستيطانية أو إنهاء ظاهرة الاستيطان.
ويلفت نزال إلى وجود مخاوف لدى بعض النخب الإسرائيلية من انعكاسات تصاعد عنف المستوطنين على مكانة إسرائيل الدولية، مع توقعه استمرار هذا التصعيد في إطار سياسة جديدة تجاه الضفة الغربية قد تمضي باتجاه تنفيذ نكبة جديدة بحق الفلسطينيين على غرار ما جرى عام 1948.

تصريحات في السياق الانتخابي

يؤكد الكاتب والمحلل السياسي د.عبد المجيد سويلم أن قراءة تصريحات موشيه يعلون ويائير غولان بشأن اعتداءات المستوطنين وما جرى في الضفة الغربية لا يمكن فصلها عن السياق الانتخابي الذي تعيشه إسرائيل، موضحاً أن فترات الانتخابات تشهد عادةً تصعيداً في المواقف السياسية، بعضها يعبر عن قناعات راسخة، فيما يرتبط بعضها الآخر بالحسابات الانتخابية ومحاولة استقطاب الناخبين.
ويوضح سويلم أن العامل الانتخابي حاضر بوضوح في مواقف يعلون وغولان، إلا أنه يشدد على أن ذلك لا ينفي أن كليهما سبق أن عبّر، قبل الانتخابات، عن مواقف ناقدة لسياسات الحكومة الحالية، ولا سيما ما يتعلق بممارسات اليمين الإسرائيلي، معتبراً أن يعلون تحديداً وجّه في مناسبات عديدة انتقادات مبدئية وجذرية للحكومة، وحذّر من المخاطر التي يشكلها اليمين المتطرف، بما في ذلك ما وصفه بالإرهاب اليهودي، على مستقبل الدولة الإسرائيلية ومؤسساتها.

محاولة قوى اليمين إشعال الضفة الغربية

ويرى سويلم أن مواقف الشخصيتين تنطلق أيضاً من رفضهما لممارسات المستوطنين وهجماتهم، واعتقادهما أن هذه الاعتداءات تندرج ضمن خطة تقودها قوى اليمين المتطرف لإشعال الضفة الغربية واستدراج الفلسطينيين إلى مواجهة مسلحة، بما يسمح، وفق هذا التصور، بإعادة تقديم الصراع على أنه مواجهة بين سكان يهود وفلسطينيين، بدلاً من كونه صراعاً ناجماً عن استمرار الاحتلال، وهو ما اعتبره محاولة لتغيير صورة الصراع وطبيعته أمام الرأي العام.
ويعتقد سويلم أن التطورات الجارية تسير وفق مخطط منهجي أُعد مسبقاً، مرجحاً أن تشهد المرحلة المقبلة تصعيداً أكبر، في ظل اعتقاد المستوطنين أن الظروف الحالية تمثل فرصة مواتية لدفع الصراع إلى مستويات أكثر خطورة.

دعم رسمي لعنف المستوطنين

وفي ما يتعلق بإمكانية ترجمة هذه التصريحات إلى خطوات عملية، يوضح سويلم أن الحكومة والائتلاف الحاكم يقدمان دعماً واضحاً للمستوطنين ولممارساتهم، معتبراً أن الائتلاف يشكل المحرك الأساسي لهذه السياسات، الأمر الذي يجعل حدوث تغيير جوهري في المدى القريب أمراً غير مرجح.
ويتوقع سويلم أن تشهد الحملة الانتخابية الإسرائيلية مزيداً من المواقف المعارضة لعنف المستوطنين، وإن لم تكن حاسمة، بما يعكس وجود تباين داخل المجتمع الإسرائيلي بين من يؤيدون الاستيطان وسلوك المستوطنين، وبين من يرون في هذه الممارسات خطراً على وحدة المجتمع الإسرائيلي، وتماسك مؤسساته، وصورة إسرائيل التي وصفها بأنها تعيش حالة تراجع كبيرة على المستوى الدولي.

حالة الاحتقان بذروتها

يؤكد الكاتب والمحلل السياسي والمختص بالشأن الإسرائيلي هاني أبو السباع أن التطورات الأخيرة في الضفة الغربية، ولا سيما أحداث قرية تل شمال الضفة، أوصلت حالة الاحتقان إلى ذروتها، بعدما هاجم مستوطنون مزارعين فلسطينيين، قبل أن يتمكن فلسطيني، وفق الرواية التي تم عرضها، من السيطرة على سلاح أحد المستوطنين واستخدامه، ما أدى إلى مقتل مستوطنين اثنين واستشهاد المنفذ وثلاثة آخرين، وهو حدث أثار جدلاً واسعاً في الإعلام الإسرائيلي ودفع أصواتاً من اليمين واليسار للمطالبة بتشديد الإجراءات الأمنية واتهام الجيش بالتقصير في فرض الأمن بالضفة الغربية.
ويوضح أن الخطاب الإسرائيلي تبنى في البداية رواية المستوطنين بأنهم كانوا في نزهة، إلا أن نشر مقاطع مصورة للواقعة، إضافة إلى تغطية وسائل إعلام غربية، أظهر أن إطلاق النار والاعتداء بدأ من جانب المستوطنين، الأمر الذي دفع عدداً من الأصوات الإسرائيلية إلى التراجع عن مواقفها، كما عزز ما أعلنه الصحفي الإسرائيلي ألون بن دافيد بأن المستوطنين هم من توجهوا إلى قرية تل، وليس الفلسطينيون من بادروا بمهاجمتهم، رغم وجود دعوات إسرائيلية سبقت ذلك طالبت بمحو القرية.
ويؤكد أبو السباع أن الضفة الغربية تشهد تصاعداً متواصلاً في اعتداءات المستوطنين، والتي أدت لمقتل عشرات الفلسطينيين نتيجة تلك الاعتداءات، وأن الانتشار الواسع للمستوطنين المسلحين، في ظل انشغال الجيش الإسرائيلي على عدة جبهات، جعلهم أكثر عرضة للاستهداف.
ويعتبر أبو السباع أن فوضى السلاح والاعتداءات المتكررة دفعت الفلسطينيين إلى محاولة حماية أنفسهم وممتلكاتهم، وهو ما انعكس أيضاً في دعوة السلطة الفلسطينية إلى تشكيل لجان حراسة لحماية القرى ومناطق الاحتكاك.

الضفة الغربية مادة للصراع السياسي

ويرى أبو السباع أن تصريحات زعيم حزب الديمقراطيين يائير غولان، التي حمّل فيها البؤر الاستيطانية المدعومة من الحكومة مسؤولية تحويل الضفة الغربية إلى "برميل بارود"، تندرج بالدرجة الأولى ضمن سياق انتخابي مع اقتراب انتخابات السابع والعشرين من أكتوبر/ تشرين الأول المقبل، إذ يسعى إلى مهاجمة حكومة بنيامين نتنياهو واستقطاب أصوات من معسكر المعارضة وبعض الناخبين العرب، في وقت تتهمه فيه أحزاب اليمين بتبني مواقف مناهضة للحكومة.
ويشير أبو السباع إلى أن المنافسة الانتخابية الإسرائيلية باتت تستخدم ما يجري في الضفة الغربية مادةً للصراع السياسي، معتبراً أن معاناة الفلسطينيين أصبحت محوراً للمزايدات بين الحكومة والمعارضة، في حين تواصل الحكومة الإسرائيلية دعم المشروع الاستيطاني وسياسات القمع في الضفة الغربية وقطاع غزة.

فقدان السيطرة على المجموعات الاستيطانية

ويلفت أبو السباع إلى أن قرار الجيش الإسرائيلي منع المستوطنين المسلحين من دخول بعض المناطق دون تنسيق يعكس فقدانه السيطرة على تلك المجموعات، فيما يشير نقل قوات من قطاع غزة إلى الضفة الغربية، وتشديد الإجراءات الأمنية وإعلان حالة الاستنفار، إلى إدراك المؤسسة العسكرية أن الضفة الغربية تتجه نحو موجة تصعيد قد تنفجر في أي لحظة، وهو ما عززه أيضاً إعلان رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أن إسرائيل لن تسمح، بحسب تعبيره، لـ"الإرهاب" برفع رأسه في الضفة الغربية.

انقسام عميق في الساحة الإسرائيلية

يوضح الباحث السياسي والأكاديمي د.أسامة عبد الله أن التصريحات التي أدلى بها يائير غولان، وسبقته إليها مواقف موشيه يعلون، بشأن أحداث قرية تل جنوب غرب نابلس والدعوات إلى التحقيق في اعتداءات المستوطنين وتفكيك ما وصف بـ"إرهاب المستوطنين"، لا يمكن فصلها عن الانقسام العميق الذي تشهده الساحة الإسرائيلية حول إدارة الصراع مع الفلسطينيين، خاصة بعد أحداث السابع من أكتوبر / تشرين الأول 2023، والحرب المستمرة على قطاع غزة، وما رافقها من تصعيد غير مسبوق في الضفة الغربية.

مواقف لا تتبنى الرواية الفلسطينية

ويوضح عبد الله أن هذه المواقف لا تعكس تبنياً للرواية الفلسطينية أو اعترافاً بالحقوق الوطنية الفلسطينية، وإنما تعبر عن تنامي القلق داخل المؤسستين السياسية والأمنية في إسرائيل من أن السياسات التي تنتهجها حكومة بنيامين نتنياهو، بالشراكة مع اليمين الديني المتطرف، تدفع إسرائيل نحو مواجهة مفتوحة يصعب احتواؤها.

تداعيات قد ترتد على إسرائيل

ويؤكد عبد الله أن وصف غولان للضفة الغربية بأنها "برميل بارود" يأتي بوصفه تحذيراً من التداعيات الأمنية التي قد ترتد على إسرائيل، وليس تعبيراً عن مقاربة إنسانية لمعاناة الفلسطينيين.

الخلاف على أسلوب إدارة الاحتلال

ويشير عبد الله إلى أن الخلاف داخل إسرائيل لا يتمحور حول إنهاء الاحتلال أو رفض الاستيطان، وإنما يتعلق بأسلوب إدارة الاحتلال. ويبيّن عبد الله أن تيار المعارضة يرى أن إطلاق يد المستوطنين، والتوسع في إقامة البؤر الاستيطانية، ومنح الجماعات المتطرفة غطاءً سياسياً وأمنياً، يؤدي إلى استنزاف الجيش الإسرائيلي، والإضرار بصورة إسرائيل دولياً، وزيادة احتمالات اندلاع انتفاضة جديدة أو اتساع دائرة المواجهة في الضفة الغربية، ولذلك فإن الدعوات إلى التحقيق ومحاسبة المستوطنين تستهدف احتواء تداعيات هذه السياسات، وليس مراجعة المشروع الاستيطاني بحد ذاته.

التعامل بحذر مع تلك التصريحات

ويرى عبد الله أنه، رغم أهمية هذه التصريحات من حيث دلالاتها السياسية، فإن التجربة مع الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة تستوجب التعامل معها بحذر، إذ سبق أن صدرت مواقف مشابهة انتقدت عنف المستوطنين أو حذرت من مخاطر التوسع الاستيطاني، لكنها لم تُترجم إلى إجراءات عملية تحد من الاستيطان أو تنهي الإفلات من المساءلة، بل استمر التوسع الاستيطاني واستمرت الحماية التي يحظى بها المستوطنون، بغض النظر عن هوية الحكومة.
ويؤكد أن هذه التصريحات تحمل أيضاً بعداً انتخابياً واضحاً في ظل الحديث عن انتخابات إسرائيلية مبكرة وإعادة تشكيل الخريطة الحزبية، إذ تحاول المعارضة تقديم نفسها باعتبارها أكثر قدرة على إدارة الملف الأمني وإعادة تحسين علاقات إسرائيل مع المجتمع الدولي، دون أن تقدم مشروعاً سياسياً مختلفاً يقوم على إنهاء الاحتلال أو الاعتراف بالحقوق الفلسطينية.
ويرى عبد الله أن أي تحول حقيقي لا يُقاس بالتصريحات، وإنما بوقف التوسع الاستيطاني، ومحاسبة مرتكبي اعتداءات المستوطنين، والالتزام بالقانون الدولي، وهي خطوات لا تزال بعيدة عن التبني الجاد داخل إسرائيل، ما يجعل تصريحات غولان ويعلون أقرب إلى تعبير عن أزمة داخلية وصراع على إدارة المرحلة المقبلة أكثر من كونها تحولاً جوهرياً في السياسة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين.

إعادة التموضع السياسي داخل إسرائيل

يؤكد الكاتب والمحلل السياسي فادي أبو بكر أن التصريحات الأخيرة التي أدلى بها يائير غولان، وسبقتها مواقف موشيه يعلون، بشأن عنف المستوطنين والأوضاع في الضفة الغربية، تندرج في إطار إعادة التموضع السياسي داخل إسرائيل أكثر من كونها مؤشراً على تحول حقيقي في موقف المعارضة الإسرائيلية من الاستيطان أو الاحتلال، معتبراً أنه من الضروري التمييز بين التأييد الواسع الذي يحظى به المشروع الاستيطاني داخل إسرائيل، وبين الانتقادات الموجهة إلى ممارسات بعض المستوطنين المتطرفين.
ويوضح أبو بكر أن غولان يسعى، من خلال هذه التصريحات، إلى تحميل حكومة بنيامين نتنياهو مسؤولية حالة الانفلات الأمني في الضفة الغربية، وإظهار نفسه وتياره السياسي باعتبارهما أكثر قدرة على فرض سيادة القانون حتى على المستوطنين، إلا أن ذلك لا يعكس تغييراً في جوهر الموقف من الاحتلال أو المشروع الاستيطاني، وإنما يعبر عن اختلاف في أسلوب إدارة هذا الملف، إذ يتركز الخلاف على كيفية ضبط الجماعات الاستيطانية المتطرفة ومنع انعكاس ممارساتها على صورة إسرائيل ومصالحها، وليس على إنهاء الاستيطان أو التراجع عنه.

منافسة واستقطاب سياسي داخلي

ويؤكد أبو بكر أن هذه التصريحات ترتبط، بالدرجة الأولى، بالمنافسة الانتخابية والاستقطاب السياسي الداخلي، حيث يحاول كل معسكر تحميل الآخر مسؤولية الأزمات الأمنية والسياسية والدبلوماسية التي تواجهها إسرائيل. ورأى أن نتنياهو يركز على البقاء في السلطة، حتى لو أدى ذلك إلى تعميق الانقسام الداخلي وتوسيع دائرة المواجهة، مع استمرار تحالفه مع أحزاب اليمين المتطرف، وفي مقدمتها حزب الصهيونية الدينية.

تحميل نتنياهو مسؤولية إخفاقات السابع من أكتوبر

ويشير أبو بكر إلى أن المعارضة، بما فيها غولان، لا تطرح برنامجاً سياسياً مختلفاً بصورة جوهرية، بل تركز على تحميل نتنياهو مسؤولية إخفاقات السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، وما ترتب عليها من تراجع في صورة إسرائيل الدولية، وتقدم نفسها بوصفها بديلاً أكثر كفاءة في إدارة الدولة، وليس بديلاً يحمل رؤية مغايرة تجاه القضية الفلسطينية.
ولا يتوقع أبو بكر أن تتحول هذه التصريحات إلى تغييرات جوهرية في سياسة إسرائيل تجاه الاستيطان، حتى في حال تبدل الحكومة، مرجحاً أن يقتصر الأمر على تشديد محدود في التعامل مع بعض البؤر الاستيطانية أو الجماعات المتطرفة، مثل "فتية التلال"، بهدف إعادة ضبط المشهد الأمني وتحسين صورة إسرائيل أمام المجتمع الدولي، وليس نتيجة مراجعة حقيقية لسياسات الاحتلال أو للمشروع الاستيطاني نفسه.