في عيدهم العالمي.. عمال فلسطين بين قسوة الاحتلال وعجز الحماية وسقوط الضمير الدولي

مايو 1, 2026 - 13:02
مايو 1, 2026 - 13:03
في عيدهم العالمي.. عمال فلسطين بين قسوة الاحتلال وعجز الحماية وسقوط الضمير الدولي

في عيدهم العالمي.. عمال فلسطين بين قسوة الاحتلال وعجز الحماية وسقوط الضمير الدولي

بقلم المحامي علي أبو حبلة

يأتي الأول من أيار لعام 2026، بينما يحتفل العالم بعيد العمال، مستذكرًا نضالات الحركة العمالية من أجل العدالة الاجتماعية وكرامة الإنسان وحقه في العمل اللائق، يقف العامل الفلسطيني خارج مشهد الاحتفال، محاصرًا بين الاحتلال والبطالة والفقر، ومجردًا من أبسط الحقوق التي كفلتها الشرائع الدولية. ففي فلسطين، لم يعد يوم العمال مناسبة للاحتفاء بإنجازات الطبقة العاملة، بل تحول إلى يوم للمساءلة الوطنية والدولية حول المصير الذي آلت إليه شريحة كانت ولا تزال عماد الاقتصاد الفلسطيني.

لقد وصل العامل الفلسطيني إلى مرحلة غير مسبوقة من التهميش والمعاناة، بعدما أُغلقت أمامه أبواب الرزق، وتوقفت قطاعات واسعة عن العمل، وفقد مئات آلاف العمال مصادر دخلهم في الضفة الغربية وقطاع غزة. وتشير التقديرات إلى أن أكثر من 250 ألف عامل حُرموا من العمل داخل أراضي عام 1948 منذ أكتوبر 2023، فيما ارتفعت معدلات البطالة إلى مستويات كارثية، خاصة في قطاع غزة الذي تجاوزت فيه البطالة حدودًا غير مسبوقة، وسط انهيار شبه كامل للبنية الاقتصادية والإنتاجية.

لكن أكثر ما يختصر حجم المأساة، هو المشاهد الصادمة التي انتشرت لعمال فلسطينيين أُجبروا على التنقل داخل حاويات قمامة أو عبر وسائل نقل مهينة وخطرة لتهريبهم إلى داخل الكيان الإسرائيلي بحثًا عن لقمة العيش. هذه الصور ليست مجرد حوادث فردية، بل تعبير قاسٍ عن واقع أُجبر فيه العامل الفلسطيني على المخاطرة بكرامته وحياته من أجل إعالة أسرته. حين يُدفع الإنسان إلى الاختباء داخل حاوية نفايات كي يصل إلى عمله، فإن ذلك يكشف حجم الانسداد الاقتصادي، وعمق الإذلال الذي يفرضه الاحتلال على شعب بأكمله.

إن هذه المشاهد تمثل إدانة سياسية وأخلاقية وقانونية لسياسات الاحتلال الإسرائيلي، الذي استخدم العمل كأداة ابتزاز جماعي، فمنح التصاريح وسحبها وفق اعتبارات أمنية وسياسية، وفرض الإغلاقات والحواجز، وقيّد حرية الحركة، واحتجز الحقوق المالية، وعرّض العمال للإهانة والاعتقال وسوء المعاملة. كما أدت الحرب المدمرة على غزة إلى تحويل عشرات آلاف العمال إلى عاطلين عن العمل، بعد تدمير المصانع والورش والأسواق والبنية التحتية، لتتحول البطالة إلى كارثة إنسانية شاملة.

ومن الناحية القانونية، فإن ما يتعرض له العمال الفلسطينيون يشكل انتهاكًا واضحًا لاتفاقيات منظمة العمل الدولية، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، واتفاقيات جنيف التي تلزم قوة الاحتلال بحماية السكان الواقعين تحت الاحتلال وعدم حرمانهم من مقومات الحياة والعمل الكريم. كما أن استخدام الاقتصاد وسوق العمل أداة للعقاب الجماعي يتنافى مع المبادئ الأساسية للقانون الدولي الإنساني.

وفي مقابل هذه الكارثة، تبدو السلطة الفلسطينية والحكومة الفلسطينية عاجزتين عن توفير الحد الأدنى من الحماية الاجتماعية، بفعل أزمة مالية خانقة ومديونية متضخمة، واستمرار احتجاز أموال المقاصة، والعجز المتكرر عن صرف الرواتب كاملة أو في مواعيدها. وقد انعكس ذلك على غياب صناديق دعم فعالة للعمال العاطلين، وضعف البرامج التشغيلية، وتراجع شبكات الأمان الاجتماعي، في وقت كانت فيه الحاجة الوطنية تقتضي إعلان حالة طوارئ اقتصادية شاملة لحماية الفئات الأكثر تضررًا.

غير أن المسؤولية لا تقع على الداخل الفلسطيني وحده، بل تمتد إلى المنظمات العمالية العربية والدولية، ومنظمات حقوق الإنسان، والمؤسسات الدولية المعنية بالتنمية والعمل، التي أخفقت في الارتقاء إلى مستوى المأساة. فبيانات التضامن لم تعد كافية، بينما العامل الفلسطيني يفقد عمله وكرامته وأمنه الغذائي. المطلوب اليوم تحرك دولي حقيقي يشمل الضغط على الاحتلال لاحترام التزاماته، وإنشاء صناديق دعم عاجلة، وتوفير برامج تشغيل مؤقتة، وملاحقة الانتهاكات أمام المحاكم والمحافل الدولية.

إن القضية لم تعد قضية بطالة عابرة، بل قضية أمن اجتماعي ووطني. فحين يُدفع العامل إلى التهريب داخل حاوية قمامة، وحين تصبح لقمة الخبز مغامرة يومية، فإن المجتمع بأسره يكون أمام خطر التفكك واليأس والانفجار الاجتماعي. لذلك فإن حماية العمال ليست مطلبًا نقابيًا فحسب، بل ضرورة استراتيجية لصون الاستقرار الوطني وتعزيز الصمود الفلسطيني.

وفي عيد العمال العالمي، تبقى صورة العامل الفلسطيني المختبئ داخل حاوية نفايات بحثًا عن عمل، أقوى من كل الخطب والشعارات. إنها صورة تختصر مأساة شعب، وتكشف ازدواجية عالم يتغنى بحقوق الإنسان ويتجاهل عمال فلسطين. ومن هنا، فإن إنقاذ العامل الفلسطيني، وتمكينه من حقه في العمل الكريم، لم يعد خيارًا سياسيًا أو إنسانيًا فحسب، بل استحقاقًا قانونيًا وأخلاقيًا عاجلًا لا يحتمل التأجيل.