حين يزدحم المكان بالغائبين

محمد قاروط أبو رحمه

مارس 31, 2026 - 12:06
حين يزدحم المكان بالغائبين

حين يزدحم المكان بالغائبين

محمد قاروط أبو رحمه 
يقولون إن الأماكن تُعرف بأبعادها، بطول جدرانها وارتفاع سقفها، لكن الحقيقة أن الأماكن تُقاس بالذين مرّوا من هنا وتركوا خلفهم فراغاً لا يملؤه سواهم. في لحظة ما، قد تجلس في غرفة هادئة، لا صوت فيها ولا حركة، ومع ذلك تشعر بـ صخب الذكريات؛ هنا يزدحم المكان بالغائبين.
الغياب ليس مجرد "عدم وجود"، بل هو حضور من نوع آخر، حضور يطغى على الموجودين أحياناً. هو ذلك الكرسي الذي لا يزال يحتفظ بملامح جلسة شخص نحبه، ورائحة القهوة التي تذكرنا بحديث لم يكتمل، والطريق الذي لا نمشي فيه إلا ونحن نتلفت حولنا، وكأننا ننتظر طيفاً قد يظهر من خلف المنعطف.
في هذا النوع من الزحام، لا نحتاج إلى مساحة للحركة، بل نحتاج إلى اتساع في القلب لنحتمل كل هذا الحنين. نحن لا نسكن البيوت، بل نسكن التفاصيل التي جمعتنا بمن نحب، وحين يرحلون، تصبح تلك التفاصيل هي "الزحام" الذي يملأ صمتنا.
إن أصعب أشكال الغربة ليست أن تكون في بلد غريب، بل أن تكون في مكانك المعتاد، محاطاً بكل أشيائك، لكنك تشعر بـ وطأة الفقد لأن الوجوه التي كانت تمنح المكان معناه قد غابت، وتركت لك "زحاماً" من الشوق والأسئلة المعلقة