إعادة تعريف الانتخابات المحلية ضرورة وطنية
إعادة تعريف الانتخابات المحلية ضرورة وطنية
انتخابات الهيئات المحلية ضرورة… في موعدها
محمد قاروط أبو رحمه
قرأتُ بتمعّن ما كتبه الأخ حسن أبو العيلة، والأخ د. عدنان ملحم، حول الدعوة إلى إلغاء أو تأجيل انتخابات الهيئات المحلية، على خلفية قرارات الاحتلال المتعلقة بالاستيطان، وهدم الأبنية، ومصادرة بعض صلاحيات الهيئات المحلية. وقد وجدتُ أن ما يطرحه الكاتبان نابع من إدراك عميق لخطورة ما يجري.
نحن أمام قرارات هدم وضم، ونقلٍ للصلاحيات، وتفريغٍ ممنهج للاتفاقيات الموقعة، وتفكيكٍ متدرج لفكرة الدولة الفلسطينية ومشروعها السياسي. هذا توصيف دقيق لواقع لا يحتمل الإنكار أو التخفيف. والسؤال الذي يطرحه النصان: «هل سنكتفي بالشجب والإدانة؟» هو سؤال في مكانه تمامًا، لأن ما يجري يتجاوز قدرة الخطاب التقليدي وأدواته البالية.
لكن الإشكالية، برأيي، لا تكمن فقط في وجود الانتخابات من عدمها، بل في كيف نفهمها، ولماذا نجريها، وبأي مضمون سياسي ووطني.
إن الذهاب إلى انتخابات هيئات محلية بصيغتها الحالية، كإجراء إداري روتيني، منفصل عن السياق الوطني، ومحكوم بمنطق الوجاهات والمحسوبيات، هو فعل فارغ، بل وقد يكون ضارًا. في هذا المعنى، فإن النقد الذي يطرحه النصان نقدٌ محقّ. غير أن تعليق الانتخابات واستبدالها بلجان مُعيّنة، حتى لو كانت مهنية ووطنية، يحمل أخطارًا لا تقل خطورة، ما لم يُقترن بتحوّل سياسي شامل، وآليات مساءلة واضحة، وإلا سنكون بصدد إعادة إنتاج الأزمة بأدوات مختلفة.
البديل الحقيقي لا يكمن في إلغاء الانتخابات، بل في إعادة تعريفها.
من الضروري إعادة تعريف انتخابات الهيئات المحلية بوصفها أحد أشكال النضال الوطني، لا مجرد إجراء روتيني. حينها، لا تكون صناديق الاقتراع ترفًا إداريًا في زمن الضم والتهجير، بل ساحة اشتباك سياسي منظم، وأداة لإعادة بناء المجتمع من الأسفل، لا تفكيكه.
بهذا الفهم:
• يتحول المجلس المحلي من هيئة خدماتية محايدة إلى فاعل نضالي يدير معركة الأرض والبقاء، إلى جانب دوره الخدماتي.
• ويتحول المرشح من وجيه محلي، أو ممثل عائلة أو فصيل، إلى صاحب مسؤولية وطنية عامة، يُسأل عن موقفه من الهدم، والترخيص، وتوسيع النفوذ البلدي، وحماية الأراضي، لا فقط عن تعبيد شارع أو توظيف عامل.
• وتصبح الانتخابات أداة فرز وطني: من هو الأقدر على الصمود والمواجهة، لا من هو الأقدر على الحشد العائلي.
أما الأسئلة الجوهرية التي طُرحت حول ترخيص الأبنية غير المرخصة، وتوسيع حدود الهيئات المحلية، وضم الأراضي الحكومية، وابتكار وسائل مواجهة قانونية وسياسية، فهي ليست بدائل عن الانتخابات، بل برنامج عمل يجب أن يُفرَض على من يخوضها. انتخابات بلا برنامج وطني مقاوم هي عبء، أما انتخابات ببرنامج واضح للصمود فهي ضرورة.
نحن فعلًا في لحظة لا تحتمل إدارة اعتيادية للأزمة، ولا وهم «الاستقرار الإداري». لكن الخروج من حالة الهشاشة لا يكون بتعليق السياسة، بل بإعادة تسييسها على أسس نضالية، وإجبار كل المستويات – الرسمية، والمحلية، والفصائلية – على مغادرة منطقة الراحة.
السؤال الحقيقي ليس:
هل نُجري انتخابات أم لا؟
بل:
هل نملك الشجاعة لتحويل كل أداة متاحة، بما فيها الانتخابات، إلى أداة مواجهة؟
في زمن الضم والتهجير، صناديق الاقتراع ليست أولوية إذا كانت فارغة المعنى، لكنها قد تكون ضرورة إذا تحولت إلى فعل مقاومة منظم، وإلى بداية استعادة المجتمع لقدرته على الفعل، بدل الاكتفاء بسؤال: كيف ننجو؟
فالنجاة لا تكون بالانسحاب، بل بإعادة بناء أدوات الصراع… من القاعدة إلى القمة.



