بين قرع طبول الحرب وفضائح إبستين: ترمب وخيار شمشون!

المستشار د. أحمد يوسف

فبراير 9, 2026 - 09:27
بين قرع طبول الحرب وفضائح إبستين: ترمب وخيار شمشون!

المستشار د. أحمد يوسف

في لحظةٍ عالميةٍ مشحونةٍ بالاضطراب، يعود دونالد ترمب إلى واجهة المشهد السياسي الدولي وهو يقرع طبول الحرب بيد، ويصارع ارتدادات فضائح إبستين باليد الأخرى. هذا التزامن ليس تفصيلاً عابرًا، بل يكشف عن نمطٍ مألوف في السلوك السياسي الأمريكي حين تتقاطع الأزمات الداخلية مع حسابات القوة في الخارج: الهروب إلى الأمام، ورفع منسوب التهديد، واستدعاء خطاب "الخطر الوجودي" لتوحيد الصفوف وصرف الأنظار.
فضائح جيفري إبستين، بما تحمله من دلالات أخلاقية وقانونية، لم تفضح شخصًا أو شبكةً فحسب، بل عرّت منظومةً كاملة من النفوذ والابتزاز وتداخل المال بالسياسة والإعلام. وهي فضائح، مهما حاولت الدوائر النافذة احتواءها، تبقى قادرة على تقويض الثقة العامة وإرباك الحملات الانتخابية. هنا، يجد ترمب نفسه – كما في محطات سابقة – أمام خيارٍ كلاسيكي: تصعيد خارجي يعيد ترتيب الأولويات في الداخل، ويستدعي لغة "الأمن القومي" بوصفها مظلةً تبريرية واسعة.
في هذا السياق، يطفو إلى السطح ما يمكن تسميته بـ"خيار شمشون"؛ أي التهديد بالذهاب إلى أقصى مدى، حتى لو ترتب على ذلك تحطيم السقف على الجميع. ليس المقصود بالضرورة حربًا شاملة وفورية، بل خلق بيئة توتر قصوى: تلويح بضربات استباقية، تسخين جبهات بالوكالة، وتغذية خطاب الردع المطلق. هذا الخيار، وإن بدا للبعض مقامرةً خطرة، إلا أنه يُستخدم سياسيًا كأداة ضغط داخلية وخارجية في آنٍ معًا.
ترمب، الذي قدّم نفسه دومًا بوصفه "صانع صفقات" لا "مُشعل حروب"، يجد اليوم صعوبة في التوفيق بين الصورة والشروط. فحسابات اللوبيات المتشددة، وعلى رأسها اليمين الصهيوني المتطرف، تدفع باتجاه تصعيد محسوب يفرض وقائع جديدة في الإقليم، ويختبر حدود الردع مع الخصوم، ولا سيما إيران ومحورها. وفي المقابل، يراهن ترمب على أن التهديد وحده – لا الفعل – قد يحقق مكاسب انتخابية دون الانزلاق إلى مستنقع لا تُحمد عقباه.
غير أن الشرق الأوسط ليس مسرحًا بلا فاعلين. فكل تصعيدٍ لفظي أو عسكري محدود يفتح الباب أمام تفاعلات متسلسلة، قد تبدأ بضربةٍ محسوبة وتنتهي بحريقٍ واسع. التجربة تُظهر أن "الحروب الصغيرة" نادرًا ما تبقى صغيرة، وأن إدارة الأزمات عبر حافة الهاوية تحمل في طياتها مخاطر سوء التقدير، خاصة حين تتشابك الاعتبارات الانتخابية مع حسابات الردع.
في الخلفية، تقف أوروبا مرتبكة، والصين وروسيا تراقبان وتستثمران، والعالم النامي يدفع ثمنًا اقتصاديًا فادحًا لأي اضطراب جديد في أسواق الطاقة والتجارة. أما فلسطين، فتبقى ساحة اختبارٍ دائمة لهذا المنطق؛ حيث يُستدعى التصعيد الإقليمي لتكريس وقائع الاحتلال، وتغذية خطاب القوة، وتهميش المسار السياسي، بينما يُترك المدنيون يدفعون الثمن.
السؤال الجوهري إذن: هل يقود ترمب العالم إلى شفا "خيار شمشون" فعلًا، أم أنه يستخدمه كورقة تفاوض قصوى؟ المؤشرات تقول إن الرجل يجيد اللعب على الحافة، لكنه لا يضمن دائمًا التحكم في النتائج. فالتاريخ الحديث مليء بأمثلة قادة ظنّوا أن التصعيد سيبقى تحت السيطرة، فإذا به ينفلت من بين أيديهم.
في المحصلة، يبدو أن العالم أمام مفترق حساس: إما أن تُكبح نزعة الهروب إلى الأمام عبر توازنات دولية عاقلة وضغوط داخلية أخلاقية وقانونية، وإما أن يستمر منطق التهديد والتلويح بالقوة كستارٍ لفضائح الداخل وأزماته. وبين هذا وذاك، يبقى الشرق الأوسط – وفلسطين في القلب منه – أول المتضررين من لعبةٍ لا تعترف إلا بالخسائر، ولا تُجيد إلا قرع طبول الحرب.