"الانتخابات المحلية كاختبار للشرعية والتمثيل السياسي: قراءة في التداعيات القانونية والمستقبلية"

بقلم المحامي علي أبـو حبلة

يناير 28, 2026 - 10:28
"الانتخابات المحلية كاختبار للشرعية والتمثيل السياسي: قراءة في التداعيات القانونية والمستقبلية"

"الانتخابات المحلية كاختبار للشرعية والتمثيل السياسي: قراءة في التداعيات القانونية والمستقبلية"
بقلم المحامي علي أبـو حبلة
يشكّل القرار الأخير المتعلق بتنظيم انتخابات المجالس البلدية والمحلية محطة سياسية وقانونية فارقة في سياق الحالة الفلسطينية، حيث يُعاد تفعيل الإطار الانتخابي للمجالس المحلية في لحظة شديدة الحساسية داخلياً وإقليمياً ودولياً. فالسياق العام لا يمكن عزله عن صراع الشرعية والتمثيل السياسي، وعن محاولات تدوير مركز القرار وتفكيك الحالة الوطنية عبر إعادة إنتاج أنماط اللامركزية وتعويم البدائل المحلية كمساحات نفوذ موازية قد تتجاوز البنية التمثيلية الجامعة.
ذلك أن السؤال الأبرز الذي يفرض نفسه اليوم لا يتصل بآليات الانتخابات وإجراءاتها فحسب، بل بما إذا كانت العملية ستُفضي إلى إضفاء طابع سياسي على انتخابات المجالس البلدية والمحلية، بما يجعلها أقرب إلى انتخابات نفوذ وتمثيل بديل أو موازٍ، يعيد تعريف علاقة المركز بالمحيط، ويضعف وحدانية التمثيل السياسي الفلسطيني في لحظة تاريخية تتسم بضغط إقليمي ودولي غير مسبوق على بنية القرار الفلسطيني.
سياق تاريخي وتحذير مبكر: انتخابات 1976 نموذجاً
ليست هذه المرة الأولى التي تُختبر فيها البلديات كمساحة سياسية. ففي انتخابات المجالس البلدية عام 1976 خاضت الجبهة الوطنية الفلسطينية الانتخابات تحت شعار "منظمة التحرير الفلسطينية ممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني"، في مواجهة مباشرة لمحاولات الاحتلال الإسرائيلي آنذاك تكريس مشروع اللامركزية وحكم البلديات كمدخل للانقضاض على وحدانية التمثيل الفلسطيني وتجاوز منظمة التحرير. وقد شكّلت نتائج 1976 رداً عملياً على هذا المشروع ومراكمة سياسية في سياق تثبيت التعبير الوطني الموحد، وهو درس تاريخي يظل حاضرًا اليوم بقوته ومعناه.
المعادلة الجديدة: بين الحكم المحلي والدور السياسي
إن إعادة فتح ملف الانتخابات البلدية في الظروف الراهنة يطرح جملة من الأسئلة حول ما إذا كان المطلوب تعزيز وظيفة الحكم المحلي بوصفه أداة تنموية خدمية، أم تحريكه نحو وظيفة سياسية بديلة يمكن توظيفها في صراع الشرعية أو توزيع مراكز النفوذ. وتشير المؤشرات الحالية إلى إمكان دفع هذا المسار ليتحول إلى منصة سياسية جزئية أو انتقالية في ظل الانقسام السياسي وإغلاق الأفق أمام الانتخابات العامة للمجلس التشريعي والرئاسة والمجلس الوطني.
وهذا ما يدفع بعض القانونيين والسياسيين إلى التساؤل حول ما إذا كانت العملية تحمل بذور تكريس اللامركزية السياسية، بما قد يؤدي إلى إعادة تعريف طبيعة السلطة الفلسطينية نفسها، أو إعادة تدوير فكرة “الإدارة المحلية” خارج إطار النظام السياسي المركزي كخطوة متقدمة نحو مقاربة الكونفدراليات أو الحكم الذاتي المجزأ على أسس جغرافية.
التداعيات القانونية والسياسية
قانونياً، لا تُعدّ الانتخابات المحلية مدخلاً مشروعاً لإعادة ترتيب التمثيل الوطني، غير أن السياسة كثيراً ما تتجاوز القانون باتجاه خلق وقائع جديدة، خاصة حين تتقاطع الضغوط الدولية مع مصالح داخلية تبحث عن إعادة تعريف الدور السياسي للسلطة أو عن مسارب شرعية بديلة في غياب انتخابات عامة. والخشية الكبرى هنا من انتقال الوظيفة البلدية من حيز الخدمة والإدارة إلى حيز السياسة والتنافس على دوائر النفوذ والتفويض الشعبي الجزئي.
التجارب المقارنة: الفرصة والمخاطر
تُظهر تجارب دول متعددة أن الانتخابات المحلية قد تتحول إلى منافذ لإعادة إنتاج النظام السياسي أو تفكيكه. ففي تركيا تحولت البلديات الكبرى مثل إسطنبول وأنقرة إلى قاعدة سياسية معارضة أدت لاحقاً إلى تغيير موازين القوة على المستوى الوطني. وفي تونس شكّلت اللامركزية بعد الثورة مدخلاً لتعزيز التعددية لكنها في الوقت نفسه عمّقت التشتت السياسي. بينما نجحت تجارب أوروبا الغربية في ضبط العلاقة بين البلديات والدولة عبر أنظمة تراتبية واضحة تمنع تضارب الشرعية وتضمن التكامل الوظيفي.
السيناريوهات المستقبلية والمخاطر المحتملة
يمكن تقدير جملة من السيناريوهات في ضوء المعطيات الحالية:
سيناريو التكامل: تجري الانتخابات ضمن وظيفتها الخدمية والتنموية دون انزياح سياسي، وهو السيناريو الأكثر صلابة للدولة الفلسطينية ومؤسساتها.
سيناريو التسييس: تتحول الانتخابات إلى منصة تنافس سياسي على خلفية غياب الانتخابات العامة، بما يؤدي إلى إعادة إنتاج انقسام نفوذ داخل السلطة والمجتمع.
سيناريو اللامركزية المتقدمة: تنتج الانتخابات مجالس قوية نسبياً تكرّس واقعاً لامركزياً وتعيد تعريف دور المركز، ما قد يُقرأ دولياً كمسار بديل للتمثيل الموحد.
سيناريو التدويل غير المباشر: قد يُستخدم المسار البلدي كأداة لفرض ترتيبات دولية أو إقليمية على شكل الإدارة والحكم في الضفة والقطاع تحت شعار تحسين الخدمات أو خفض الاحتكاك الأمني.
خلاصة الموقف
إن الخشية لا تتعلق بالانتخابات بحد ذاتها، فهي حق وضرورة، بل بالسياق وبالوظيفة المستقبلية التي قد يعاد تحميلها بها. والسؤال الأعمق: هل ستكون الانتخابات المحلية جسرًا لتعزيز وحدة التمثيل الفلسطيني وبناء مؤسسات أكثر فاعلية، أم منفذًا لإعادة هندسة التمثيل السياسي وتجزئته تحت عناوين الحكم المحلي واللامركزية؟
في لحظة سياسية تتجاوز حدود الجغرافيا الفلسطينية إلى ساحات غزة والضفة وجنين والقدس والشتات، يصبح الحذر من إعادة إنتاج تجربة 1976 معكوسة في الاتجاه أمراً جوهرياً. فكما كانت انتخابات ذلك العام تثبيتاً لوحدانية التمثيل، فإن إعادة توظيف البلديات اليوم قد يؤدي إن لم تُضبط أطره إلى نتائج معاكسة تماماً.
المحامي علي أبو حبلة
رئيس تحرير صحيفة “صوت العروبة”