الانتخابات البلدية الفلسطينية: بين تجاذبات الحاضر ورهانات المستقبل الوطني
بقلم المحامي علي أبو حبلة
الانتخابات البلدية الفلسطينية: بين تجاذبات الحاضر ورهانات المستقبل الوطني
بقلم المحامي علي أبو حبلة
لم تعد الانتخابات البلدية في الحالة الفلسطينية مجرد عملية تقنية أو ظرفية لتنظيم الشأن المحلي، بل غدت جزءاً من معادلة سياسية أشمل تتقاطع فيها مستويات الحكم والإدارة والعائلة والفصيل والمجتمع المدني. وفي ظل استمرار الانقسام منذ ما يزيد عن عقد ونصف، باتت كل انتخابات – مهما كان مستواها – محمَّلة بأبعاد وطنية وسيادية تتجاوز وظيفتها الأصلية بوصفها سلطة خدماتية قريبة من المواطن.
الخدمات بين السياسة والشرعية
إن البلديات والمجالس المحلية، بحكم موقعها المباشر في حياة السكان، تشكل أحد أعمدة الشرعية العملية للسلطة العامة. فالمواطن يقيس الدولة عبر قدرة السلطة المحلية على توفير الماء والكهرباء وتنظيم البناء والطرق والنظافة والخدمات الاجتماعية. هذا البعد يجعل من الانتخابات البلدية جزءاً من منظومة إنتاج الشرعية الوطنية، وليس مجرد ترف ديمقراطي أو شكلي.
لكن هذا التحول لم يرافقه بالضرورة ارتقاء في الوعي السياسي الوطني أو في معايير الاختيار، إذ لا تزال الاعتبارات العائلية والتنظيمية وأحياناً الشخصية تتقدم على معيار الكفاءة والنزاهة والمقدرة المهنية، رغم الأزمة المالية والإدارية التي تعاني منها غالبية البلديات، والتي تتفاقم تحت وطأة الاحتلال ومحدودية الموارد وضعف التخطيط.
الانقسام الفلسطيني: سياق لا يمكن إغفاله
تجري الانتخابات البلدية في بيئة سياسية مشطورة بين الضفة الغربية وقطاع غزة، ما يحوّل أي استحقاق انتخابي إلى اختبار إضافي للوحدة الوطنية. فإجراء الانتخابات في شطر دون آخر يعمّق الإحساس بالتجزئة ويؤسس لواقع مؤسسي مزدوج قد يستمر لسنوات. وتجارب السنوات الماضية تؤكد أن الانقسام لا يقف عند حدود السياسة العليا، بل ينساب إلى مفاصل المجتمع المحلي والعائلي والمهني.
إن استعادة وحدة النظام السياسي ليست شرطاً لنجاح الانتخابات فحسب، بل هي شرط لعودة الوظيفة الوطنية للبلديات باعتبارها جزءاً من بنية الدولة قيد التكوّن، لا سلطة محلية منعزلة.
بين الإدارة المحلية وبناء الدولة
تشير الخبرات الدولية المقارنة إلى أن بناء الدول الحديثة يبدأ غالباً من القاعدة – من البلديات ثم يرتفع نحو المؤسسات المركزية. فالبلديات في الدول الراسخة ليست جهاز جباية وإصدار رخص فقط، بل هي مؤسسة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، ومختبر للتوافقات السياسية، ومنصة لبناء قيادات محلية تتحول لاحقاً إلى نواة الطبقة السياسية الوطنية.
في فلسطين، لا يزال هذا الدور ناقصاً ومجتزأً بسبب الاحتلال والانقسام وضعف التشريعات وتراجع الثقة بالمؤسسات. ومع ذلك، يمثل هذا الاستحقاق فرصة لإعادة التفكير في دور الحكم المحلي كأداة استراتيجية للصمود والتنمية، لا كغرفة عمليات تنظيمية أو فئوية.
تجاذبات اللحظة: مخاطر ومكاسب
تتسم التحضيرات الحالية بتنافس عالٍ بين الفصائل الفلسطينية، وبخلافات داخل الفصيل الواحد، وبانقسامات عائلية قد تضر بالنسيج الاجتماعي. وفي المقابل، ظهرت تجارب مستقلة استطاعت أن تقدم نموذجاً عملياً ناجحاً في إدارة الموارد وتنفيذ المشاريع، ما فتح الباب أمام فكرة توسيع مساحة الكفاءات غير المؤطرة تنظيمياً في الإدارة المحلية.
لكن الشرط الأهم لنجاح هذه التجارب هو توفير بيئة سياسية وقانونية تحمي استقلالية البلديات وتمنع تسييس القرار المحلي وتحفظ حقوق المواطنين دون تمييز أو محاباة.
وماذا بعد؟ سؤال المستقبل
لا تتعلق المسألة بنتائج الانتخابات في حدّ ذاتها، بل بما سيليها. فالسؤال المركزي اليوم هو: هل يمكن للانتخابات البلدية أن تصبح جسراً نحو إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على قاعدة الشراكة والمساءلة والتوازن بين السلطات؟ أم أن الانتخابات ستُستخدم لإعادة تدوير نفس البنية التي عطّلت الاستحقاقات الوطنية الكبرى كالانتخابات التشريعية والرئاسية؟
إنّ الإجابة تتوقف على قدرة القوى السياسية على:
تحييد البلديات عن الانقسام
اختيار مرشحين على أساس الكفاءة
فتح المجال للمهنية والخبرة
إعادة الاعتبار للمجتمع المحلي كشريك لا كجمهور
تعزيز قيم الشفافية والمساءلة
ربط الحكم المحلي بمشروع التحرر الوطني
خاتمة: من المحلي إلى الوطني
الانتخابات البلدية ليست محطة عابرة؛ إنها مفصل ضمن مسار طويل لبناء الدولة الفلسطينية، وإحدى أدوات تعزيز الصمود في وجه الاحتلال وتحصين المجتمع في وجه الانقسام. والرهان اليوم ليس على صناديق الاقتراع وحدها، بل على قدرة الفلسطينيين في تحويل البلديات إلى مؤسسات وطنية، مهنية، جامعة، وفاعلة، تمثل قاعدة مستقبلية للدولة التي لا يزال الشعب الفلسطيني يناضل من أجل انتزاعها.



