هل يتحول الممثل السامي لغزة من ممثل تنسيقي إلى ممثل وصاية أميركية طويلة الأمد؟
أبو شريف رباح
هل يتحول الممثل السامي لغزة من ممثل تنسيقي إلى ممثل وصاية أميركية طويلة الأمد؟
أبو شريف رباح
17\1\2026
لم يكن الإعلان عن ما يسمّى "مجلس السلام لغزة" حدثا إداريا عابرا بل علامة استفهام سياسية كبرى حول مستقبل قطاع غزة وطبيعة الجهة التي ستتولى إدارته في مرحلة ما بعد الحرب، فتركيبة المجلس والأسماء التي تقوده والغياب الكامل لأي تمثيل رسمي فلسطيني أو عربي تطرح سؤالا هل نحن أمام آلية تنسيق دولي مؤقتة أم نحن أمام نموذج وصاية سياسية وأمنية جديدة بغطاء دولي تقوده الولايات المتحدة؟
يترأس "مجلس السلام" لغزة الرئيس الأميركي دونالد ترامب ويضم في عضويته وزير الخارجية ماركو روبيو، والمبعوثين الأمريكيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، إلى جانب رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير ورجل الأعمال مارك روان ورئيس البنك الدولي أجاي بانغا و روبرت غابرييل، واللافت أن هذا المجلس الذي يفترض به إدارة أكثر القضايا حساسية في المنطقة خلا تماما من أي طرف رسمي فلسطيني أو عربي لا تمثيلًا ولا شراكة ولا حتى بصفة مراقب.
هذا الغياب لا يمكن اعتباره تفصيلا بل مؤشر سياسي خطير يعيد إلى الأذهان نماذج تاريخية أُديرت فيها الأراضي والشعوب بقرارات فوقية تحت عناوين “الاستقرار وإعادة الإعمار” دون الاعتراف بإرادة أصحاب الأرض، والأمر لا يتوقف عند البنية السياسية للمجلس بل يمتد إلى الجانب الأمني والعسكري، فما يعرف "بقوة الاستقرار الدولية" تم تعيين الجنرال جاسبر جيفيرز قائدا لها مع تعيين أريه لايتستون وجوش غرينباوم مستشارين رفيعي المستوى للمجلس في حين أُسند منصب الممثل السامي لغزة إلى نيكولاي ملادينوف، مرة أخرى تبدو الصورة مكتملة فلا وجود لعناصر فلسطينية في القوة العسكرية ولا تمثيل عربي في قيادتها أو مستشاريها ما يجعل هذه القوة أقرب إلى ذراع أمنية تنفيذية لمجلس خارجي لا إلى قوة دولية محايدة لحفظ السلام.
من الناحية النظرية يقدم منصب الممثل السامي لغزة على أنه دور تنسيقي وإشرافي خلال مرحلة انتقالية لكن التجربة التاريخية لا سيما تجربة الانتداب البريطاني تجعل من هذا المصطلح محملا بدلالات ثقيلة فحين يمتلك الممثل السامي نفوذا سياسيا وأمنيا واقتصاديا ويعمل في ظل مجلس غير منتخب ولا ممثل للشعب فإن الخط الفاصل بين “التنسيق” والوصاية الفعلية يصبح شديد الهشاشة، ومع وجود مجلس سلام يهيمن عليه القرار الأميركي وقوة عسكرية بلا شركاء محليين يصبح السؤال منطقيا؛ هل سيكون الممثل السامي مجرد ناقل للسياسات أم الحاكم الفعلي لقطاع غزة باسم المجتمع الدولي؟ وأين يقف الدور الفلسطيني؟ في ظل هذه المعادلة يبرز تساؤل لا يقل أهمية، ما هو الدور الحقيقي لعلي شعث رئيس اللجنة الوطنية لإدارة غزة؟ وهل ستكون اللجنة الوطنية شريكا في القرار أم مجرد واجهة محلية تستدعى عند الحاجة لتوفير غطاء شكلي للقرارات المتخذة سلفا؟
إن وجود لجنة وطنية بلا صلاحيات حقيقية في مقابل مجلس دولي يمتلك المال والسلاح والقرار ينذر بتحويل الدور الفلسطيني إلى دور إداري محدود منفصل عن السيادة السياسية ومحصور في تسيير الشؤون اليومية تحت سقف مرسوم خارجيا، والخلاصة إن الخطر لا يكمن فقط في الأشخاص أو الأسماء بل في النموذج السياسي الذي يجري بناؤه لغزة، نموذج يدار من الخارج ويفرض من الأعلى ويسوق باعتباره طريقا للسلام والاستقرار، فيما هو في جوهره قابل للتحول إلى وصاية أميركية طويلة الأمد تفرغ أي إدارة فلسطينية من مضمونها الحقيقي، من هنا فإن معركة الفلسطينيين اليوم ليست فقط مع الاحتلال المباشر بل مع كل صيغة سياسية جديدة تحاول إعادة إنتاج السيطرة بأدوات مختلفة وأسماء أكثر نعومة لكن بنتيجة واحدة، تغييب الإرادة الوطنية عن تقرير مصير غزة ومستقبلها.





