ندوة حوارية بعنوان "قراءة في استراتيجية الأمن القومي الأمريكي 2025"
نظم معهد فلسطين لأبحاث الأمن القومي يوم الثلاثاء الموافق 14 يناير 2026 ندوة حوارية بعنوان "قراءة في استراتيجية الأمن القومي الأمريكي 2025". تضمنت الندوة مشاركة البروفيسور عوض سليمية، الباحث في العلاقات الدولية ومدير وحدة الأبحاث والدراسات الدولية في المعهد، والدكتور حسين الديك، أستاذ العلاقات الدولية والخبير في الشأن الأمريكي.
افتتح الندوة اللواء حابس الشروف، المدير العام للمعهد، حيث رحب بالحضور من نخبة الباحثين والأكاديميين، مشددًا على أهمية تعزيز النقاشات العلمية لفهم أبعاد السياسة الخارجية للإدارة الأمريكية وتأثيراتها على الأمن القومي الفلسطيني والعربي.
واشار سليمية الى ان وثيقة الامن القومي الامريكي الجديدة 2025 لم تكن استراتيجية تقليدية، كما كانت خلال فترة الادارات الامريكية السابقة، بل عكست في مجملها تصورات وافكار الرئيس على قاعدة "أمريكا أولاً". وحددت ثلاثة أسئلة أساسية:
1. ماذا تريد الولايات المتحدة؟
2. ما هي الوسائل التي تمتلكها؟
3. وكيف يمكن ربط الأهداف والوسائل بشكل متسق؟
واشار سليمية الى ان الوثيقة الجديدة تضمنت مجموعة من النقاط البارزة التي تعكس رؤية الرئيس ترامب خلال فترة ولايته الحالية، اهمها:
1. تخلت النسخة الجديدة عن المزاعم الأيديولوجية للنظام الدولي الليبرالي وسيادة القانون والتعددية. التي صممتها واشنطن بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، نحو تبني الإمبريالية التبادلية ذات الطابع الترامبي الخاص، الى جانب مركزية المصالح الاقتصادية لضمان بقاء أمريكا أولاً واستمرار قيادتها للعالم الاحادي القطب). بالتزامن اظهرت الوثيقة التمسك بعقيدة "القوة بإعتبارها أفضل رادع". يمكن اللجوء اليه عند الحاجة.
بعبارة اخرى، تظهر الاستراتيجية إلى أنه وفي سعيها لتحقيق الاهداف، فإن إدارة ترامب تحتفظ بالحق في فعل ما تشاء وإنها ستفعل كل ما يخدم مصالحها بعيداً عن مبادئ القانون الدولي والعلاقات الدولية السائدة بين الدول، ومبدأ سيادة الدول.
2. مبدأ "تحويل الأعباء وليس تقاسم الاعباء"، وتقليل الانخراط الامريكي المباشر في الصراعات الاقليمية. بعبارة اخرى، تدفع واشنطن بالشركاء الإقليميين، بمن فيهم إسرائيل والحلفاء في المنطقة، لتحمل مسؤولية أكبر في إدارة أمنهم الإقليمي. مما يسمح لواشنطن بتوجيه مواردها نحو تحديات استراتيجية أخرى.
3. التحول الجذري من الاعتماد على القوة العسكرية الخام والقناعة الأيديولوجية نحو تركيز السياسة الاقتصادية. وان المنافسة المستقبلية ستتركز حول الهيمنة على مصادر انتاج الطاقة والقدرة الصناعية والتكنولوجية وإمكانات الابتكار.
في محور الشرق الاوسط والصراع الاسرائيلي الفلسطيني، يقول سليمية ان المنطقة لم تعد اولوية كما كانت عليها خلال العقود الماضية وفقاً للاستراتيجية الجديدة. لعدة أسباب أوردتها الوثيقة:
1. أن المنطقة لم تعد المصدر الأساسي للطاقة، فالولايات المتحدة أصبحت مُصدراً للنفط والغاز، ولديها مصادر طاقة جديدة نووية وتقليدية ستؤمن لها احتياجاتها ذاتياً، وليس من الشرق الأوسط حصراً كما كان سائداً قبل عقود. هذا يعني ان نفط المنطقة لم يعد يشكل أهمية طارئة لواشنطن.
2. إن الشرق الأوسط لم يعد ساحة للصراع بين القوى العظمى -كما كان ايام الحرب الباردة، ربما يكون حالياً محل تنافس بين قوى متوسطة اقليمية، وهو مستوى أقل من أن يهدد هيمنة أمريكا الأكثر تفوقاً في المنطقة.
3. إن المنطقة كانت سابقاً بؤرة صراعات تهدد بالامتداد إلى بقية دول العالم وحتى إلى الأراضي الأمريكية- احداث 11 سبتمبر على سبيل المثال، مع اعتراف الوثيقة باستمرار وجود حالة عدم الاستقرار في منطقة الشرق الاوسط، ولكنه بات أقل مما توحي به وسائل الاعلام، والفضل وفقاً للوثيقة لحالة الضعف التي باتت عليها إيران بعد الهجوم الامريكي على منشآتها النووية، في حزيران يونيو 2025، والتي أدت إلى تراجع كبير في قدراتها النووية والصاروخية.
واشار سليمية الى ان الوثيقة الجديدة حددت "امن اسرائيل" كأولوية قصوى للسياسة الخارجية الامريكية في المنطقة، هذا يعني ان ادارة الرئيس ترامب تعيد التأكيد من جديد على العلاقة الخاصة القائمة بين الولايات المتحدة واسرائيل بعيداً عن بعض التوترات التي تسود العلاقة احياينا بين ترامب ونتنياهو؛ هذه العلاقة التاريخية تعبر من اقوى العلاقات الدولية تماسكاً بين أي دولتين في العالم بإعتبارها علاقة بين مؤسسات لها اهداف متشابهة وليس علاقة اشخاص. على هذا النحو أرسل ترامب رسالة واضحة للقاعدة الانتخابية الداعمة لاسرائيل داخل الولايات المتحدة، للحصول على الدعم المالي وبطاقات الانتخاب للتجديد النصفي للكونجرس نهاية هذا العام 2026 لصالح الحزب الجمهوري وتيار "امريكا عظيمة مرة اخرى" MAGA. مؤكداً ان ترامب عاد من جديد الى سياسة إدارة الصراع بدلاً من حله، وهي السياسة الامريكية التقليدية لجميع الرؤساء الامريكيون السابقون والذين يتبنون مبدأ حل الدولتين في الاعلانات فقط؛ بينما على الارض يقدمون كل اشكال الدعم والحماية الدولية لاسرائيل لاستمرار احتلالها لأراضي دولة فلسطين.
وخلص الباحث الى ان استراتيجية الامن القومي الامريكي الجديدة، تجاهلت تماماً حل الدولتين لانهاء الصراع الاسرائيلي الفلسطيني؛ واتجهت نحو ترسيخ افكار الحلول الاقتصادية والامنية بما يضمن دمج اسرائيل في المحيط العربي وفقا لمخططات التطبيع وما يسمى السلام الابراهيمي؛ بعيداً عن الاعتراف بحقوق الشعب العربي الفلسطيني في انهاء الاحتلال واقامة دولته المستقلة.
من ناحية اخرى، سلط الاستاذ حسين الديك في مشاركته على الاستراتيجية الامريكية الجديدة تجاه نصف الكرة الغربي، معتبراً ان هذه الوثيقة يمكن وصفها بانها "التعبير الأكثر وضوحًا عن العقلية الامريكية الاستعمارية والاستعلائية"، وكيفية نظرتها للعالم ومناطق الصراع، خاصة في نصف الكرة الغربي، الذي يشكل الحديقة الخلفية للولايات المتحدة الامريكية، من وجهة نزر واشنطن. بعبارة اخرى يقول الباحث، ان استراتيجية ترامب تعكس بوضوح انتقال الولايات المتحدة من إدارة الأزمات إلى إدارة الفوضى، ومن البحث عن الحلول السياسية العادلة إلى تكريس موازين القوة بما يخدم هيمنة وتحقيق مصالحها الاستراتيجية على المدى القريب والمتوسط والبعيد ايضا.
واشار الديك الى مبدأ الرئيس جيمس مونرو لسنة 1823م الذي أعاد ترامب إحياءه من جديد؛ باعتباره أحد الركائز الأساسية في تطوّر السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأميركية في عهد ترامب؛ مذكراً ان هذا المبدأ ينص على:
1. رفض الاستعمار الأوروبي الجديد في القارة الأميركية.
2. اعتبار أي تدخل أوروبي في شؤون دول نصف الكرة الغربي عملًا عدائيًا تجاه الولايات المتحدة.
3. التزام الولايات المتحدة بعدم التدخل في الشؤون الداخلية أو النزاعات الأوروبية.
ويضيف الباحث ان ترامب لخّص المبدأ في مقولة غير رسمية شهيرة: «أميركا للأميركيين».
في سياق هذا التوجه الجديد، يرى الديك أن مبدأ مونرو أسهم في حماية استقلال دول أميركا اللاتينية في مراحله الأولى، لكنه في المقابل؛ ادى الى
1. أضعاف مبدأ سيادة الدول
2. شكّل أساسًا ومبرراً لتدخلات أميركية متكررة في شؤون الدول اللاتينية، و
3. أسهم في خلق علاقة غير متكافئة بين الولايات المتحدة ودول الجنوب الأميركي.
ويضيف الخبير في الشأن الامريكي حسين الديك، ان سياسات ترامب في نصف الكرة الغربي تهدف بالأساس الى تقويض النفوذ الروسي الصيني، وعدم السماح لها بالاحتفاظ بنفوذ مؤثر في هذه البقعة الشاسعة من العالم. ولذلك بدأ بترجمة الاقوال الى افعال واستهلها باختطاف الرئيس الفنزويلي مادورو، ويهدد بمهاجمة كوبا ونيكاراغوا بالإضافة الى استمرار تهديداته لاحتلال جزيرة جرينلاند الدنماركية. في إعلان واضح للنوايا الهادفة الى الاستحواذ على الثروات الطبيعية لهذه الدول وخاصة النفط والغاز والموارد المعدنية النادرة التي تحتفظ بها هذه الدول. ويمارس سياسة الضغط القصوى على الانظمة اليسارية والاشتراكية في القارة اللاتينية لتغيير ايديولوجيتها واظهار التعاون مع واشنطن تحت تهديد القوة. الى جانب محاولاتها ايجاد نخب سياسية وقيادات شعبوية على راس الهرم اللاتيني لقبول الوضع الجديد الذي يخطط له ترامب.
في مداخلاتهم اشار عدد من الحضور في نهاية الجلسة إلى أن السياسة الخارجية لإدارة الرئيس ترامب لم تكن مفاجئة للشعب الفلسطيني، إذ إنها تواصل النهج التقليدي للإدارات الأمريكية المتعاقبة في الهيمنة وممارسة القوة، الى جانب استمرار دعم إسرائيل وتبني روايتها. وأكدوا على ضرورة استخدام كل أوراق الضغط المتاحة، سواء الفلسطينية أو العربية، للضغط على واشنطن لتغيير سياساتها التي تتجاهل الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني والشعوب العربية. وشددوا على أهمية توحيد الجهود الفلسطينية والعمل المشترك وعدم السماح بتمرير هذه السياسات التي تتعارض مع مبادئ القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية.





