التسلق السياسي على أبواب الفصائل… خلل في معايير الاختيار يهدد بنية العمل العام
إعداد: المحامي علي أبو حبلة
التسلق السياسي على أبواب الفصائل… خلل في معايير الاختيار يهدد بنية العمل العام
إعداد: المحامي علي أبو حبلة
تشهد الساحة الفلسطينية اليوم ظاهرة متنامية تتمثل في سعي فئات واسعة للاقتراب من القوى والفصائل السياسية بهدف الحصول على مقعد انتخابي أو موقع تمثيلي، لا عبر الكفاءة والجدارة، بل عبر شبكات العلاقات الشخصية والولاءات الفئوية. وقد اتسعت هذه الظاهرة بالتزامن مع التحضير للانتخابات البلدية، في لحظة يتطلب فيها العمل العام أعلى درجات المهنية والشفافية والمسؤولية.
اختلال المعايير وتراجع الأداء المؤسسي
المشكلة لا تكمن في الترشح بحد ذاته، فهو حق قانوني ودستوري، بل في معايير الترشيح والاختيار، والتي انزلقت في كثير من الحالات نحو مفاهيم “الفرصة” و”الغنيمة” بدلاً من “المسؤولية” و”التكليف”. هذا الانزياح يرتب آثاراً خطيرة، أبرزها:
تقييد وتهميش الكفاءات والخبرات التي يحتاجها العمل التنفيذي والخدماتي.
تقويض الثقة العامة بالمؤسسات وإضعاف الفصائل السياسية أمام جمهورها.
إرباك الإدارة المحلية وتحويل البلديات إلى ساحات تنازع مصالح لا إلى مراكز تنمية.
بلديةٌ بلا كفاءات = خدمات ضعيفة، وبلديةٌ محكومة بالولاءات = فوضى إدارية وضعف تخطيطي وانعدام رؤية مستقبلية.
المعايير الدولية وتجارب الإدارة المحلية الناجحة
تُظهر تجارب الإدارة المحلية في الدول الديمقراطية أن البلديات ليست ساحة ثانوية، بل تعد جزءاً أساسياً من بنية الدولة ومنظومتها التنموية. وتُبرز نماذج مثل ألمانيا وكندا وفنلندا وهولندا ثلاثة مرتكزات رئيسية تفسّر نجاحها:
الجدارة والكفاءة المهنية قبل الانتماء السياسي
حيث يخضع المرشح لتقييم موضوعي يتعلق بالخبرة، المؤهلات، السجل المهني، والقدرة على تنفيذ برامج واقعية.
المحاسبة والرقابة المؤسسية والشعبية
فالانتخاب ليس تفويضاً مطلقاً، بل عقداً مشروطاً بالأداء، وتُخضعه تقارير سنوية وموازنات شفافة ومراجعة رسمية ومجتمعية.
قواعد صارمة لمنع تضارب المصالح
تشمل الفصل بين المصالح الخاصة والعامة، ومنع التوظيف السياسي للعلاقات الشخصية، وحماية المجال العام من النفوذ المالي والعائلي والحزبي الضيق.
هذه المبادئ ليست رفاهية سياسية بل عنصر حاسم في تحقيق تنمية محلية مستدامة، وتحسين جودة الحياة والخدمات والبنية التحتية.
المشهد الفلسطيني وضرورة الإصلاح
وفق قانون الهيئات المحلية الفلسطيني، تُصنف البلديات كمؤسسات خدماتية وتنموية، مسؤولة عن التخطيط العمراني، إدارة الموارد، البنية التحتية، البيئة، والحاضنة الاستثمارية المحلية. وكلما فُرِّغت هذه المؤسسات من مضمونها المهني لصالح الحسابات الفئوية، تضررت المصلحة الوطنية من بوابة الخدمات والتنمية والاستقرار الاجتماعي.
وعليه، فإن حماية العمل البلدي تتطلب:
إعادة ضبط معايير الاختيار والترشيح داخل القوى السياسية
اعتماد منهجية البرنامج قبل الشخص
تفعيل الرقابة الداخلية والخارجية
إدماج الخبرات التخصصية في العمل التنفيذي
تعزيز الشفافية والمساءلة
تحييد المصالح العائلية والمحسوبية عن القرار البلدي
هذه الخطوات ليست سياسية فقط، بل قانونية وتنموية وإدارية في آن واحد.
المسؤولية الأخلاقية والسياسية
الأصل في العمل العام أنه تكليف ومسؤولية، لا منبر للظهور أو رافعة للمصالح. وقد عبّر الرسول ﷺ عن جوهر ذلك أخلاقياً بقوله:
«كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته»
وهو مبدأ يتقاطع مع الفلسفة الحديثة للحكم الرشيد القائمة على المساءلة والشفافية وتضارب المصالح والحق العام.
خاتمة
إن تعافي المشهد السياسي الفلسطيني يبدأ من تصويب البنى الصغيرة التي تبدو ثانوية للبعض لكنها أساسية لبناء دولة حديثة قادرة على إدارة ذاتها. وإن إنهاء ظاهرة التسلق السياسي على أبواب الفصائل لا يحمي فقط العملية الانتخابية، بل يحمي الفصائل نفسها من التآكل والترهل، ويحفظ المجال العام من الفوضى، ويعيد الاعتبار للعمل البلدي باعتباره ركيزة للتنمية الوطنية لا غنيمة سياسية.
فالوطن لا يتسع للمتسلقين حين تُفرض الكفاءة، ولا يتعافى حين تُغلَّب المصالح. والاختيار الرشيد هو الخيار الوحيد القادر على حماية المصلحة العامة وبناء مستقبل قابل للحياة.



