سيادة المهارات في عصر المعرفة
محمد قاروط أبو رحمه
سيادة المهارات في عصر المعرفة
محمد قاروط أبو رحمه
(الملخص: في ميزان الواقع، فعلٌ واحدٌ ماهر يزن ألف معلومة مخزنة.)
استراتيجية البقاء والنجاح: أولوية المهارة على المعرفة
في عصر الانفجار المعرفي، لم يعد التحدي في "الوصول" إلى المعلومة، بل في "القدرة" على استخدامها. إن الانتقال من عصر المعلومات إلى عصر المهارات يفرض علينا إعادة ترتيب أولوياتنا الذهنية والعملية وفق المحاور العشرة التالية:
أولا المهارة هي "التطبيق" والمعرفة هي "التخزين":
المعرفة هي المادة الخام التي نكدسها في عقولنا، لكنها تظل طاقة ساكنة ما لم تحركها المهارة. المهارة هي الفعل الذي يحول "النظري" إلى "واقعي"، وهي التي تمنح المعرفة قيمتها العملية والإنسانية؛ فالعالم لا يدفع لك مقابل ما تعرفه، بل مقابل ما تستطيع فعله.
ثانيا الذكاء الاجتماعي والعاطفي: لغة التعامل مع البشر:
بينما تمنحك المعرفة "الذكاء المنطقي"، تمنحك المهارة "الذكاء العاطفي". في الحياة، نحن لا نتعامل مع آلات، بل مع بشر يتأثرون بمهارتنا في الاستماع، والتعاطف، وإدارة الانفعالات. هذه المهارات هي التي تبني العلاقات المستدامة، وهي مهارات لا يمكن اكتسابها بمجرد القراءة، بل بالممارسة المستمرة.
ثالثا السرعة والقدرة على التكيف مع المتغيرات:
المعرفة لها تاريخ صلاحية قصير جداً. المهارة الحقيقية تكمن في "المرونة الذهنية" والقدرة على التخلي عن معرفة قديمة لتعلم أخرى حديثة. المهارة هي المحرك الذي يسمح لك بتغيير مسارك بسرعة حين تتبدل الظروف المحيطة.
رابعا التعلم عمل استثمار الجهد الذهني:
يجب أن ندرك أن "التعلم" ليس ترفاً أو وقت فراغ، بل هو "عمل" حقيقي يتطلب انضباطاً، وتركيزاً، وطاقة. إن الشخص الذي يتعلم بجدية هو شخص يمارس وظيفة بناء ذاته، وهو عمل يتطلب التزاماً لا يقل عن الالتزام بالدوام الرسمي.
خامسا العمل تعلم الميدان هو المعلم الأول:
العمل ليس مجرد مكان لتنفيذ المهام، بل هو "جامعة مفتوحة". إن أعمق أنواع التعلم هي التي تحدث أثناء مواجهة المشكلات الحقيقية في بيئة العمل. الخبرة المهنية هي المعرفة وقد تم اختبارها وتنقيتها بمرور الزمن والممارسة.
سادسا المهارات جسر العبور للآخرين والحياة:
المهارة هي الأداة التي نترجم بها ذواتنا للعالم. هي الجسر الذي يربط أفكارنا الداخلية بالنتائج الخارجية. سواء كنت تفاوض او تدرب او تعلم، أو تربي طفلاً، أو تقود فريقاً؛ فإن مهارتك هي التي تحدد مدى قوة هذا الجسر ومدى قدرته على إيصالك لأهدافك.
سابعا المعرفة هي الخارطة والمهارة هي القدرة على السير:
تخيل الحياة كطريق طويل؛ المعرفة هي "الخارطة" التي توضح لك الاتجاهات والمعالم، لكن الخارطة لن تمشي بدلاً منك. المهارة هي "القدرة على المشي" والركض وتجاوز الحفر. الخارطة (المعرفة) تعطيك الاتجاه، والمهارة (الفعل) هي التي توصلك إلى الوجهة.
ثامنا مهارة "حل المشكلات" كأداة بقاء:
المعرفة تخبرك "ماهية" المشكلة، لكن المهارة هي التي تبتكر "الحل". في عالم مليء بالتعقيدات، تُعتبر مهارة التفكير النقدي وحل المشكلات أهم بكثير من حفظ الحلول الجاهزة؛ لأن المشكلات الجديدة تتطلب حلولاً لم تُكتب في الكتب بعد.
تاسعا المهارة تبني الثقة بالنفس أكثر من المعلومات:
المعرفة الزائدة بلا مهارة قد تؤدي إلى "شلل التحليل" والقلق. أما المهارة، فتمنحك ثقة نابعة من "الإنجاز". عندما تشعر أنك "تستطيع" الفعل، تنمو ثقتك بنفسك وبقدرتك على مواجهة الحياة، وهو شعور لا تمنحه المعلومات النظرية وحدها.
عاشرا وحدة الطريق والحياة السعي المستمر:
المحور الأخير هو إدراك أن "الطريق هو الحياة". لا يوجد خط نهاية للتعلم أو العمل أو اكتساب المهارات. إن الاستمرار في صقل المهارات هو المعنى الحقيقي للحياة النشطة. نحن نعيش بقدر ما نتحرك، ونتحرك بقدر ما نملك من مهارات تعيننا على السير في هذا الطريق المتجدد.
الختام
اجعل معرفتك خادمة لمهارتك، ولا تجعل مهاراتك تتعطل بسبب الغرق في بحر المعلومات. ففي ميزان الواقع، فعلٌ واحدٌ ماهر يزن ألف معلومة مخزنة.





