حين يخلط البعض بين الطيبة والضعف: الحرية لا تُشترى والمواقف لا تُباع
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
حين يخلط البعض بين الطيبة والضعف: الحرية لا تُشترى والمواقف لا تُباع
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
ثمة أشخاص يخطئون في قراءة الآخرين، فيظنون أن الطيبة ضعف، وأن الهدوء عجز، وأن الاحترام دليل خضوع، وأن من يتعامل معهم بأخلاق وصدق لا بد أن يكون تابعاً لهم أو منتظراً منفعة منهم. وهنا تبدأ المشكلة؛ حين يقيس الإنسان الآخرين على مقاس مصالحه، ويعتقد أن لكل موقف ثمناً، وأن كل علاقة يمكن أن تتحول إلى وسيلة لتحقيق مكسب أو نفوذ.
لكن الحياة، بما تحمله من تجارب ومواقف واختبارات، تكشف معادن الناس، وتثبت أن المظاهر لا تصنع حقيقة الإنسان، وأن الطيبة لا تعني التنازل عن الكرامة، وأن التسامح لا يعني قبول الإهانة، وأن احترام الآخرين لا يلغي حق الإنسان في الاستقلال بقراره وموقفه.
فالحرية ليست شعاراً يُرفع، بل موقف يُثبت، والمبدأ ليس كلاماً يُقال، بل التزام تظهر حقيقته حين تتعارض القناعة مع المصلحة.
بين الحرية والتبعية
ليست المشكلة في أن يختلف الناس، ولا في أن تتباين آراؤهم ومصالحهم، وإنما في أن يعتقد بعضهم أن الاختلاف خيانة، وأن الاستقلال في الرأي خروج عن الطاعة، وأن من لا يقف في صفه لا بد أن يكون في صف خصومه.
هذه عقلية لا تؤمن بالشراكة بين أصحاب المواقف، بل تبحث عن الأتباع؛ ولا تحترم استقلال الإنسان، بل تحاول إخضاعه لمنطق المنفعة والولاء الشخصي.
والحقيقة أن الإنسان الحر لا يحتاج إلى أن يكون خصماً لأحد حتى يثبت استقلاله، كما أنه لا يحتاج إلى أن يكون تابعاً لأحد حتى يحظى بالاحترام. يستطيع أن يتفق معك حين يقتنع، وأن يختلف معك حين يرى أن الحق في غير ما تقول، من دون أن يبيع قناعته أو يتخلى عن كرامته.
وهنا تبرز قيمة الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط، الذي ربط الكرامة الإنسانية بالاستقلال الأخلاقي، ورفض أن يُعامل الإنسان باعتباره مجرد وسيلة لتحقيق غايات الآخرين. فكرامة الإنسان، في هذا التصور الفلسفي، ليست سلعة تخضع للعرض والطلب، ولا امتيازاً يمنحه أصحاب النفوذ لمن يرضون عنه. إنها قيمة أصيلة تستوجب احترام الإنسان وإرادته الحرة.
ومن هنا، فإن من يظن أن المال أو المنصب أو المصلحة قادر على شراء المواقف، لا يسيء تقدير الآخرين فحسب، بل يكشف أيضاً عن فهم قاصر لمعنى الكرامة الإنسانية.
الطيبة ليست ضعفاً، والصمت ليس اعترافاً
كثيراً ما يسيء البعض فهم الإنسان الهادئ، فيظنون أن صمته عجز عن المواجهة، وأن تسامحه خوف، وأن منحه الفرص المتكررة دليل على أنه لا يستطيع الاستغناء عنهم.
لكن ليس كل صمت ضعفاً، وليس كل تسامح تنازلاً، وليس كل ابتعاد هزيمة. فقد يصمت الإنسان لأنه أكبر من الدخول في جدال عقيم، وقد يسامح لأنه يترفع عن الإساءة، وقد يبتعد لأنه أدرك أن استمرار العلاقة لم يعد يضيف إلى حياته سوى الاستنزاف وخيبة الأمل.
وقد علّمنا الفيلسوف الرواقي إبكتيتوس أن جوهر الحرية يكمن في قدرة الإنسان على ضبط أحكامه وإرادته، وألا يجعل قيمته رهناً بما يملكه الآخرون أو بما يقولونه عنه. فالإنسان الذي يترك للآخرين سلطة تحديد قناعاته يفقد جزءاً من استقلاله، أما من يعرف حدوده ومبادئه، فيستطيع أن يحافظ على اتزانه حتى في أصعب الظروف.
ولذلك، لا ينبغي أن يُفهم حسن التعامل باعتباره ضعفاً، ولا أن تُفسر الأخلاق على أنها تنازل عن الحقوق. فالإنسان الذي يختار الاحترام قادر أيضاً على وضع الحدود، والذي يمنح الثقة يستطيع سحبها حين تتكرر الإساءة، والذي يفتح أبواب التسامح ليس ملزماً بأن يتركها مفتوحة إلى الأبد.
لا تجعلوا الناس نسخة من مصالحكم
من أخطر ما يصيب العلاقات الإنسانية أن تتحول إلى حسابات منفعة، فيصبح السؤال عن الإنسان مرتبطاً بما يستطيع تقديمه، لا بما يحمله من قيم ومبادئ. وعندما تتوقف المنفعة، يتراجع الاهتمام، وحين يختلف الموقف، تتبدل الأحكام، وكأن العلاقة لم تكن يوماً قائمة على الاحترام، بل على مصلحة مؤقتة.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية أفكار الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه حول استقلال الفرد عن أحكام الجماعة والضغط الاجتماعي. ويمكن أن نستخلص من جانب من تفكيره أن الإنسان لا ينبغي أن يتنازل عن مسؤوليته في بناء قناعاته لمجرد إرضاء الآخرين أو الحصول على قبولهم.
فالاستقلال لا يعني التعالي على الناس، ولا ادعاء امتلاك الحقيقة وحده، بل يعني أن يكون للإنسان رأي يعبّر عنه، وضمير يحاسبه، ومبادئ يرجع إليها عندما تتعارض الضغوط مع قناعاته.
أما الأديب الروسي فيودور دوستويفسكي، فقد غاص في أعماق النفس البشرية، وكشف في أعماله عن صراعات الضمير والذنب والكرامة، وعن قدرة الإنسان على خداع نفسه قبل أن يخدع الآخرين. ومن هذا المنظور، فإن أخطر الخسارات ليست دائماً خسارة علاقة أو مكانة، بل خسارة احترام الإنسان لنفسه عندما يتخلى عن مبادئه من أجل رضا عابر أو منفعة مؤقتة.
فما قيمة أن تكسب الآخرين وتخسر نفسك؟ وما جدوى أن تحظى بالقبول إذا كان ثمنه أن تتنازل عن قناعاتك؟
حين يدركون الحقيقة، قد يكون الأوان قد فات
تأتي بعض الدروس متأخرة؛ حين يكتشف من أساء فهمك أن طيبتك لم تكن ضعفاً، وأن احترامك لم يكن تبعية، وأن صبرك لم يكن عجزاً عن اتخاذ القرار. يكتشف عندها أنك لم تكن تبحث عن رضاه، ولم تكن تنتظر منه مكسباً، ولم تكن مستعداً لمقايضة مبادئك بموقع أو منفعة.
لكن اكتشاف الحقيقة لا يعني بالضرورة أن الفرصة ستعود كما كانت. فالثقة إذا تصدعت تحتاج إلى ما هو أكثر من الاعتذار، والعلاقات إذا استُنزفت قد لا تعود إلى سابق عهدها، حتى لو زالت أسباب الخلاف.
وهنا لا يكون الابتعاد انتقاماً، ولا يكون الصمت مؤامرة، ولا يكون رفض العودة رغبة في العقاب؛ بل قد يكون قراراً ناضجاً يحفظ للإنسان كرامته ويجنبه تكرار التجربة ذاتها.
ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي ألا يتحول الاعتزاز بالنفس إلى غرور، وألا تصبح القناعة بالمبدأ ذريعة لرفض الاعتراف بالخطأ. فالإنسان الحر يراجع نفسه، ويقبل النقد الصادق، ويعتذر حين يخطئ، لكنه لا يقبل أن يُشترى أو يُستغل أو يُفرض عليه موقف لا يؤمن به.
كلمة أخيرة
لقد علّمتنا تجارب الحياة أن قيمة الإنسان لا تُقاس بعدد من يصفقون له، ولا بمقدار ما يملك من مال أو نفوذ، ولا بقدرته على إرضاء أصحاب المصالح. إنما تُقاس، في جانب أساسي منها، بقدرته على الحفاظ على نزاهته واستقلاله، وعلى التمسك بمبادئه حين يصبح التخلي عنها الطريق الأسهل.
لذلك، لا تخلطوا بين الطيبة والضعف، ولا بين الاحترام والتبعية، ولا بين الاختلاف والعداء. ولا تفترضوا أن كل إنسان يمكن استمالته بمنفعة، أو إخضاعه بضغط، أو استرضاؤه بوعد.
أنا لا أبيع مواقفي، ولا أساوم على مبادئي، ولا أقف مع هذا طمعاً، ولا مع ذاك مصلحةً. أتعامل باحترام، وأمنح الثقة بصدق، لكنني أحتفظ بحقي في أن أقول لا، وأن أختلف، وأن أنسحب حين يصبح البقاء انتقاصاً من كرامتي.
فالحرية أن تختار موقفك بوعي، والكرامة أن تتحمل مسؤولية اختيارك، والنضج أن تعرف متى تتمسك بالعلاقة ومتى تتركها تمضي بسلام.
أما من يكتشف متأخراً أنه أساء فهمك، وأنك لم تكن تابعاً له ولا باحثاً عن مصلحة عنده، فقد يدرك الحقيقة، لكنه لا يملك أن يفرض عليك إعادة ما انتهى.
فالناس لا تُعرف بما تقوله عن نفسها، بل بما تثبته مواقفها؛ والمبادئ التي تُباع عند أول اختبار لم تكن مبادئ راسخة، والحرية التي تُقايَض بمنفعة ليست حرية، والكرامة التي تنتظر اعتراف الآخرين بها تظل رهينة أحكامهم.
.



