أبو فلاح في مواجهة المستوطنين.. تكتب ما تعجز عنه كل الشعارات
وليد العوض
أبو فلاح في مواجهة المستوطنين.. تكتب ما تعجز عنه كل الشعارات
كتب: وليد العوض
طالما حدّثني جاري العزيز عدلي نزال عن قريته أبو فلاح، تلك القرية الوادعة، عن زيتونها وجبالها وطيبة أهلها النشامى، عن حكايات الأرض والناس، وعن ذلك الانتماء العميق الذي يربط الإنسان الفلسطيني بقريته مهما ابتعد عنها. كنت أستمع إليه فأشعر أنني أعرف أبو فلاح، وأرى زيتونها وأهلها، رغم أنني لم أزرها.
ومنذ صباح اليوم الجمعة، لم تعد أبو فلاح مجرد حكاية جميلة يرويها جاري، بل أصبحت عنواناً جديداً للصمود في مواجهة هجمات عصابات المستوطنين، الذين يواصلون اعتداءاتهم على القرى الفلسطينية في محاولة لاقتلاع أهلها من أرضهم.
لكن الريف الفلسطيني لم يتأخر عن تلبية النداء، فقد هبّ أبناء القرى المجاورة في فزعة شعبية أصيلة، أعادت إلى الذاكرة أجمل ما في ريفنا الفلسطيني من نخوة وعونة وتكافل وروح مقاومة. ألف تحية لهؤلاء الشجعان الذين لم يتركوا أبو فلاح وحدها، وأثبتوا أن التضامن الشعبي ليس شعاراً، بل فعل يتجسد ساعة الخطر.
وفي الوقت الذي تنشغل فيه القوى السياسية بصياغة الشعارات الكبرى، يكتب أهالي أبو فلاح، ومعهم أبناء القرى المجاورة، أنشودة البقاء والتشبث بالأرض، ويقدمون درساً بليغاً في المعنى الحقيقي للصمود. فهذا البقاء ليس مجرد موقف عاطفي، بل هو الترجمة العملية لمواجهة حرب الإبادة والتطهير العرقي والاستيطان ومخططات الضم. وهنا تكمن المفارقة المؤلمة: من يواجهون الخطر بأجسادهم وإرادتهم يسبقون بالفعل أولئك الذين لا يزالون يتجادلون حول صياغة المواقف والشعارات.
غير أن الفزعة، مهما عظمت، لا تكفي، والعونة مهما اتسعت لا تستطيع وحدها مواجهة عدوان استيطاني منظم، مسلح ومحمي من جيش الاحتلال وحكومته.
فما يجري في أبو فلاح ليس حادثاً معزولاً، بل جزء من حرب مفتوحة على الريف الفلسطيني، تستهدف الأرض والزيتون والبيوت، وتسعى إلى تهجير السكان وفرض وقائع استيطانية جديدة بالقوة والإرهاب.
وهنا لا بد من قول الحقيقة دون مواربة: لا يجوز أن يُترك أهل القرى وحدهم في مواجهة هذا العدوان، ولا أن تتحول شجاعتهم وفزعة جيرانهم إلى ذريعة لإعفاء أحد من مسؤولياته.
المسؤولية تبدأ من القيادة والحكومة والأجهزة المختصة، ولا تنتهي عند الفصائل والقوى السياسية والمؤسسات الوطنية والمجتمعية. والمطلوب ليس المزيد من بيانات الإدانة، بل خطة وطنية عاجلة ومنظمة لحماية القرى المهددة، وتعزيز صمود سكانها، وتوفير الإسناد الدائم لهم، وتحويل التضامن الشعبي إلى فعل وطني متواصل.
فالعدوان يكبر ويتسع، وما تتعرض له أبو فلاح اليوم قد تتعرض له غداً قرى أخرى. ولا يجوز أن نبقى أسرى ردود الفعل، ننتظر الاعتداء التالي لنطلق الفزعة التالية.
ألف تحية لأهل أبو فلاح، وللنشامى الذين هبّوا لنجدتها. لكن حماية الأرض والناس مسؤولية وطنية لا تسقط عن أحد.
وأعود إلى جاري العزيز عدلي نزال، لأقول له: ستبقى أبو فلاح كما حدثتني عنها، قرية الزيتون والجبل والناس الطيبين، عصية على الاقتلاع، ما دام في هذا الشعب من يهبّ لنجدتها، ومن يتمسك بأرضه ولا يساوم عليها.
لكن من حق أبو فلاح، وكل قرية فلسطينية، ألا تُترك وحدها تنتظر الفزعة كلما داهمها المستوطنون. فالأرض التي يحميها أهلها بأجسادهم تستحق من قيادتهم وقواهم السياسية أن تحميها بالأفعال، لا بالشعارات. غزة 16-10-2026



