مقالات لم يكتبها بشر

د. صبري صيدم

سبتمبر 27, 2026 - 09:02
مقالات لم يكتبها بشر

د. صبري صيدم


بدأت الدورة الجديدة للجمعية العامة للأمم المتحدة قبل أيام، ومعها بدأ سيلٌ من كلمات رؤساء الوفود المعتاد، ليغطوا مجتمعين ما لحق بالعالم من أزماتٍ وحروب، شجونٍ وهموم، وقائمة لا تنتهي من الوعود الكثيرة التي لطالما تتكرر حتى تكاد تبدو كأنها كُتبت بقالب واحد ونمط واحد ونسق واحد. لكن هذا العام تبدو تلك الكلمات مختلفة، إذ يطل سؤال جديد من خلف الميكروفونات: هل ما نسمعه ما زال من صناعة البشر وحدهم أم أنه نتاج الذكاء الاصطناعي أيضاً؟
تقول تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي استخدمناها لغرض عرض نصوص الكلمات عليها استعداداً لهذا المقال، مايلي: تكشف قراءة عينة من كلمات بنيامين نتنياهو ودونالد ترمب وإيمانويل ماكرون عن حضور واضح لأساليب باتت مألوفة في النصوص التي تنتجها أدوات الذكاء الاصطناعي؛ جمل مصقولة، انتقالات محسوبة، تكرار مدروس، وعبارات عامة يمكن أن تنتقل من خطاب إلى آخر دون أن يشعر المستمع كثيراً بالفارق.
فمثلاً تظهر في خطاب ترمب -على وجه الخصوص- قدرة لافتة على تكرار الأفكار وصياغتها في جمل قصيرة ومباشرة، فيما يتنقل الخطاب بسرعة بين ملفات متعددة، من الحروب إلى الاقتصاد ثم إلى التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وهكذا. ويبدو المشهد أحياناً وكأن الكلمات صُممت لتلتقطها الكاميرا قبل أن يستوعبها جمهور القاعة.
أما رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو فإن كلمته إنما تقدم نموذجاً مختلفاً، إذ تمزج بين السرد التاريخي والسياسي، وتستدعي أحداثاً وشخصيات وروايات متداخلة، قبل أن تعود إلى الرسالة السياسية المباشرة. ويجعل هذا التركيب من الصعب تحديد أين ينتهي عمل كاتب الخطاب وأين يمكن أن تبدأ مساهمة الآلة.
أما خطاب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون فإن كلمته قد بنيت على أُسس أكثر هدوءاً وانتظاماً، فتتوالى الأفكار ضمن مسار احتجاجي واضح، وتظهر العبارات الـمَصوغة بعناية، خصوصاً عند الحديث عن مستقبل التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ودور العالم في وضع قواعده.
ولا يعني ذلك، بطبيعة الحال، أن أيّاً من هؤلاء القادة قد استخدم الذكاء الاصطناعي لكتابة خطابه. فلا تستطيع القراءة اللغوية وحدها إثبات ذلك، كما أن تشابه النص مع مخرجات الذكاء الاصطناعي لا يعني بالضرورة أنه كُتب بواسطته.
لكن بعض التشابه إنما يطرح سؤالاً أكبر من الخطابات الثلاثة: ماذا يحدث عندما تصبح الآلة قادرة على كتابة خطاب سياسي كامل، ثم إعادة صياغته وفق شخصية المتحدث ونبرته وأسلوبه وتاريخه ومصالحه؟
يتغير عندها معنى الكتابة السياسية نفسها، فالمشكلة لن تكون في أن يكتب الذكاء الاصطناعي خطاباً ما، وإنما في أن يصبح قادراً على إنتاج خطاب يبدو بشرياً إلى درجة يصعب معها معرفة صاحبه الحقيقي.
ويصبح السؤال في الأمم المتحدة، وربما في البرلمانات والحملات الانتخابية والمؤتمرات لاحقاً، ليس فقط: ماذا قال القائد؟ فحسب، بل: كيف كتبه؟
أما السؤال الأهم فما يلبث أن يصبح السؤال الأكثر إزعاجاً مفاده: هل قال المتحدث فعلاً ما قاله… أم قالت الآلة ما أراد أن يُقال؟ وهل كُتبت المقالات بيد البشر وفق تسلسل صياغة الكتابات الرسمية لرؤساء الدول؟ أم أن جيش البشر الذين سخروا لهذا الغرض قد أطيح بهم واستبدلوا  بالذكاء الاصطناعي؟ أم أن  الكلمات باتت نتاج مزيج يجمع التقليد بالحداثة  وما ولد عنها من تكنولوجيا وتطبيقات وتقنيات العصر... للحديث بقية.

s.saidam@gmail.com