عن خطاب الملك عبد الله وموسم قطاف الزيتون
المحامي زياد أبو زياد
المحامي زياد أبو زياد
بداية لا بد من كلمة حق تُقال قبل البدء بكتابة هذا المقال رغم أنها ليست جزءا منه.
استمعت كما استمع الكثيرون غيري الى الكلمة التي ألقاها جلالة الملك عبد الله الثاني امام الدورة السنوية 81 للجمعية العمومية للأمم المتحدة بحضور العشرات من قادة دول العالم ملوكاً ورؤساء والمئات من أعضاء الوفود التي رافقتهم والملايين في العالم الذين كانوا يتابعون أعمال الجمعية العمومية عبر شاشات التلفزة أو الشبكة العنكبوتية (streaming)، وأجد لزاماً علي أن أقول إن هذه الكلمة لم تكن محرد خطاب دبلوماسي تقليدي أو اجترار لشعارات وكلاشيهات سئم الناس سماعها وإنما كانت مرافعة قانونية جامعة مانعة تميزت بدقة المعلومة وحصافة الرأي وأحاطت بكل ما يمكن أن يقال في معرض فضح جرائم الاحتلال وتفنيد ادعاءاته الباطلة وأكاذيبه ومحاولاته تضليل الرأي العام العالمي والدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني.
لقد اتسم خطاب جلالته بدقة التوصيف وبلاغة التعبير والحجة الدامغة تماما، مع امتلاك ناصية اللغة والقدرة الفائقة على إيصال الفكرة للمستمعين باللغة والأسلوب الذي يفهمونه، دون تكلف او انفعال، صادق التعبير عن القناعات والمشاعر، تنبع كلماته من عمق الجرح الفلسطيني الأردني.
فشكراً لجلالته، كل الشكر والامتنان والعرفان بالجميل.
ورغم الشعور بأن ما قلته أعلاه لا يعبر عن كل ما يختلج في الصدر، أو يجول في الخاطر من مشاعر التقدير والامتنان لجلالته، إلا أني آمل ان يكون ما كتبته قد أوصل الرسالة.
وأنتقل إلى مقال اليوم.
نقف هذه الأيام على مشارف شهر تشرين أول وهو شهر قطاف الزيتون الذي يبدأ رسمياً في أواسط الشهر كما ذكرت وزارة الزراعة رغم ان البعض بدأ في ذلك.
هناك بعض حقول الزيتون التي أحاط بها جدار الفصل العنصري وحال دون وصول أصحابها إليها إلا بإذن من الحكم العسكري، وبالإمكان ان تقوم هيئة الشؤون المدنية بالعمل على ترتيب ذلك وفقاً للالتزامات المترتبة على الطرف الآخر رغم محاولاته التهرب والمماطلة. وهناك مناطق وخاصة في وسط وشمال الضفة الغربية يعيش أهلها طيلة العام على مردود ما يقطفونه من زيتون وزيت، فهو المصدر الرئيس لرزقهم وعيشهم طيلة العام، وهؤلاء هم موضوع هذا المقال.
فالمشكلة اليوم لا تنحصر في كيفية وصول أصحاب الحقول الى حقولهم داخل الجدار فهذه مسألة يمكن حلها كما أسلفنا، ولكن في كيفية وصول المزارعين إلى حقولهم بشكل عام أنى كانت بسبب الحواجز والعوائق وإرهاب المستوطنين الذين ازداد عددهم خلال السنوات الأخيرة، وأفلتت لهم حكومة نتنياهو- سموتريتش- بن غفير الرسن ووفرت لهم الحماية العسكرية أثناء اعتداءاتهم على الفلسطينيين العزل من السلاح، بل وشكلت منهم وحدات عسكرية خاصة هي بمثابة ميليشيا خاصة بالمستوطنات أفرادها من المستوطنين، من أبرزها وحدات ما يسمى نيتسح يهوده ووحدات هاجناه مرحابيت، يشاركون في الاعتداءات ضد أبناء شعبنا في القرى والبلدات الصغيرة.
وقد تزايدت هذه الاعتداءات وخاصة في عهد الحكومة الحالية في السنوات الأربع الأخيرة حيث أوكلت أمر الإدارة في الضفة للعنصري المتطرف بتسلئيل سموتريتش وأمر الشرطة للكهاني إيتمار بن غفير، فتمت إقامة اكثر من مئة بؤرة استيطانية جديدة وانتشار ما يسمونه بالاستيطان الرعوي حيث يقوم زعران المستوطنين بالاعتداء على الناس والاستيلاء على البيوت والأراضي ومداهمة الحقول ونهب المحاصيل والمواشي تحت تهديد السلاح وحماية الجيش.
والمعلومات المتوفرة لدي تقول بأن المستوطنين يتأهبون لنهب محاصيل الزيتون، ومصادر إسرائيلية تتحدث عن محاولة السلطات العسكرية التأهب لمواجهة ما يمكن أن يقوم به المستوطنون، ولكنها تتحدث أيضاً عن ان المستوى السياسي يقيد أيدي العسكر ويمنع أية إجراءات ضد المستوطنين تعاطفا معهم لأنه منهم من جهة، ولاعتبارات تتعلق بالانتخابات الإسرائيلية التي على الأبواب من جهة أخرى، وتعيد هذه المصادر للأذهان ان وزير الحرب الإسرائيلي الحالي يسرائيل كاتس أصدر أمراً فور استلامه المنصب الوزاري بمنع رئيس الأركان وقائد المنطقة الوسطى من إصدار أية أوامر إدارية ضد المستوطنين سواء أوامر اعتقال اداري او أوامر بمنع نشطاء المتطرفين من دخول الضفة.
والسؤال اليوم وعشية موسم قطاف الزيتون هو: من سيحمي المزارعين اثناء قطفهم الزيتون ومن سيقف الى جانبهم لردع المستوطنين وصد اعتداءاتهم؟
هناك متطوعون أجانب ومتطوعون إسرائيليون يأتون للوقوف إلى جانب المزارعين الفلسطينيين لمساعدتهم ضد إرهاب المستوطنين، ولكن هؤلاء المتطوعين يأتون بأعداد قليلة وكثيراً ما يتعرضون هم أنفسهم الى الضرب والتنكيل من قبل المستوطنين ووحدات الجيش باعتبارهم خونة!.. ومع الترحيب بهؤلاء المتطوعين سواء كانوا من الأجانب أو الإسرائيليين المنتمين إلى جماعات السلام، إلا أن الوضع يحتاج إلى جهد كبير وشامل ومنظم للعمل جنباً إلى جنب مع هؤلاء المتطوعين لتمكين المزارعين من جني ثمار الزيتون ومنع سرقة هذه المحاصيل. ومن أجل ذلك فإن لدي بعض المقترحات آمل أن تؤخذ بعين الاعتبار.
ومن هذه المقترحات تفعيل وتوسيع نطاق ساعات العمل التطوعي المطلوبة من طلاب بعض الجامعات، بحيث يتم اتخاذ قرار رسمي بتعطيل الجامعات والمعاهد والصفوف العليا في المدارس الثانوية لمدة أسبوع وتكليف كل طالب بساعات عمل تطوعي معينة كشرط شروط متطلبات التخرج، بأن يشارك في مساعدة المزارعين في قطف ثمار الزيتون، وأن يتم ذلك من خلال آليات تضعها الجامعات والمعاهد والمدارس الثانوية لتنظيم مجموعات المتطوعين وتوزيعها على المناطق حسب الحاجة ومراقبة أدائها وضمان ان تتم بفعالية وجدية توفر أيدٍ إضافية للمزارعين في جمع ثمار الزيتون ومنع المستوطنين من محاولة الاستيلاء عليها بعد عناء قطافها وجمعها.
السماح لبضعة آلاف من رجال الأجهزة الأمنية وموظفي هيئة مقاومة الجدار والاستيطان بالتوجه بلباس مدني وبدون سلاح إلى مناطق الاحتكاك ومساعدة المزارعين في قطف الزيتون والتصدي بالوسائل السلمية لأية اعتداءات يمكن أن تقع ضد المزارعين.
دعوة الصحفيين ومنظمات المجتع المدني وخاصة العاملة في مجال حقوق الإنسان إلى إرسال مندوبين عنها للمشاركة في قطف الزيتون، وبنفس الوقت توثيق أية اعتداءات بالصوت والصورة لفضح الممارسات الاستيطانية والإرهاب الذي يقوم به المستوطنون.
هذه مجرد اقتراحات، وقد تكون لدى غيري مقترحات مكملة أو بديلة، والمهم أن يتم توفير الأيدي لمساعدة المزارعين في القطاف وحماية هذه الأيدي من اعتداءات المستوطنين.
abuzayyadz@gmail.com



