محمود عباس .. خطاب في مقام الوطن

بقلم: د. منى أبو حمدية

سبتمبر 25, 2026 - 14:27
سبتمبر 25, 2026 - 14:30
محمود عباس .. خطاب في مقام الوطن

"محمود عباس .. خطاب في مقام الوطن"

بقلم: د. منى أبو حمدية

أكاديمية وباحثة

من رام الله، خرج صوت فلسطين إلى قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة حاملاً ثقل مرحلة فلسطينية شديدة القسوة، ومحمّلاً العالم مسؤولية ما يجري على الأرض. جاء خطاب الرئيس محمود عباس في الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة بلغة هادئة في نبرتها، صارمة في دلالاتها، واضحة في رسائلها، تضع المأساة الفلسطينية في قلب المشهد الدولي، وتعيد التذكير بأن خلف الأرقام والقرارات والبيانات شعباً يتمسك بأرضه وحقه في الحرية والاستقلال.

كان واضحاً أن الخطاب يستند إلى حقيقة فلسطينية راسخة: الشعب الفلسطيني باقٍ على أرضه، والتهجير مرفوض، ومستقبل الفلسطينيين حق لهم وحدهم. ومن هنا جاءت العبارة التي اختزلت جانباً أساسياً من الخطاب: «لن نغادر وطننا، ولن نقبل بالتهجير، ولن نسمح لأحد أن يقرر مستقبلنا نيابة عنا». كلمات قليلة، تحمل تاريخاً طويلاً من الاقتلاع واللجوء والصمود، وتضع قضية البقاء على الأرض في صدارة أي نقاش سياسي حول مستقبل فلسطين.

فالتهجير في الوعي الفلسطيني يرتبط بالأرض والهوية والذاكرة والوجود. وكل محاولة لدفع الفلسطيني بعيداً عن أرضه تعني المساس بجوهر القضية الفلسطينية، ولذلك اكتسب هذا الموقف في خطاب الرئيس أهمية تتجاوز اللحظة السياسية الراهنة، ليؤكد أن الفلسطينيين متمسكون بحقهم في وطنهم، وأن أي تصور لمستقبل المنطقة يحتاج إلى التعامل مع هذه الحقيقة.

وفي الوقت ذاته، وضع الخطاب المجتمع الدولي أمام مسؤولياته. فالقانون الدولي الذي تستند إليه القرارات الدولية المتعلقة بالقضية الفلسطينية يحتاج إلى إرادة سياسية تحميه وتنفذه، والقرارات التي تتحدث عن الحقوق الفلسطينية تحتاج إلى إجراءات تحافظ على الأرض وتمنع تغيير واقعها بالقوة. ومن هنا جاء التركيز على الاحتلال والاستيطان والضم وإرهاب المستوطنين، وعلى ضرورة حماية الشعب الفلسطيني وأرضه، باعتبار ذلك مدخلاً أساسياً للحفاظ على فرص السلام.

وقد حمل الخطاب رسالة واضحة إلى القوى الدولية التي تتحدث عن السلام وحل الدولتين: حماية هذا الحل تبدأ من حماية مقوماته على الأرض. فالدولة الفلسطينية تحتاج إلى أرض، والأرض تحتاج إلى حماية، والشعب يحتاج إلى الأمن والحرية والقدرة على البقاء فوق أرضه. وكلما تغيرت الجغرافيا على الأرض، أصبحت مهمة الوصول إلى تسوية سياسية أكثر تعقيداً.

وفي هذا السياق، أعاد الرئيس محمود عباس التأكيد على التمسك بحل الدولتين، وعلى قيام دولة فلسطينية ديمقراطية، بما يحقق الأمن والسلام لشعوب المنطقة. وهي رسالة تؤكد أن المسار الفلسطيني المطروح يستند إلى إطار سياسي وقانوني معروف دولياً، مع التشديد على ضرورة الانتقال من إدارة الصراع إلى معالجة جذوره والوصول إلى إنهاء الاحتلال وتجسيد حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.

ومن النقاط اللافتة في الخطاب أيضاً حديث الرئيس عن الإصلاح الداخلي الفلسطيني. فقد عرض جملة من الإجراءات المتعلقة بالحوكمة والمالية العامة والشفافية والمساءلة والحماية الاجتماعية والتعليم والتجديد الديمقراطي وتمكين المرأة والشباب، إلى جانب الحديث عن الانتخابات والاستحقاقات السياسية المقبلة. وهذه الإشارة تحمل دلالة مهمة؛ فالمشروع الوطني يحتاج إلى مؤسسات قادرة على حمل مسؤولياته، وإلى نظام سياسي يتجدد ويستند إلى القانون والمشاركة والمساءلة.

كما حمل الخطاب رسالة سياسية وقانونية بشأن الحضور الفلسطيني في المؤسسات الدولية، خصوصاً بعد منع الوفد الفلسطيني من الوصول إلى نيويورك للمشاركة حضورياً في اجتماعات الجمعية العامة. وأكد الرئيس أن اللجوء إلى الأمم المتحدة والمحاكم والمؤسسات الدولية يمثل خياراً سياسياً وقانونياً سلمياً، وأن الفلسطينيين يتمسكون بالقانون الدولي باعتباره أحد الأطر التي يمكن من خلالها الدفاع عن حقوقهم الوطنية.

وهنا تبرز مفارقة مؤلمة في المشهد: فلسطين تتحدث أمام العالم عن حقها في الحضور الدولي، بينما يحول قرار سياسي دون حضور وفدها إلى مقر المنظمة الدولية. ومع ذلك، وصل الصوت الفلسطيني إلى الجمعية العامة، ووصلت معه الرسالة التي أرادت القيادة الفلسطينية إيصالها: القضية الفلسطينية لا يمكن إخراجها من المؤسسات الدولية، وحقوق الشعب الفلسطيني لا يمكن اختزالها في ترتيبات مؤقتة أو حلول إنسانية منفصلة عن أصل المشكلة.

وعلى المستوى الدولي، توقف الخطاب عند اتساع دائرة الاعتراف بدولة فلسطين، مشيراً إلى اعتراف 160 دولة بها، ومجدداً المطالبة بالعضوية الكاملة في الأمم المتحدة. وهذه الإشارة تعكس مساراً سياسياً تراكمياً يسعى إلى تثبيت حضور دولة فلسطين ومكانتها في النظام الدولي، وترجمة الاعتراف السياسي إلى موقع قانوني وسياسي أكثر رسوخاً.

لكن ما يمنح الخطاب ثقله الحقيقي هو ارتباط هذه الرسائل جميعها بفكرة واحدة: الإنسان الفلسطيني وأرضه. فالسياسة تبدأ من الإنسان، والدولة تبدأ من الأرض، والحرية تبدأ من القدرة على البقاء، والسلام يحتاج إلى عدالة تضمن الحقوق وتحمي المستقبل.

لقد حمل الخطاب مرارة واضحة من استمرار العجز الدولي أمام ما يجري، غير أن هذه المرارة لم تتحول إلى لغة يأس. بقيت الرسالة الفلسطينية متمسكة بالأمل السياسي، وبالسلام القائم على الشرعية الدولية، وبحق الفلسطينيين في الحرية والاستقلال. وهذا التوازن بين صلابة الموقف والانفتاح على السلام منح الخطاب نبرة خاصة؛ نبرة شعب يطالب بحقه ويتمسك بأرضه، ويضع أمام العالم الطريق الذي يراه قائماً على إنهاء الاحتلال وتجسيد الدولة الفلسطينية.

ولعل الرسالة الأهم التي يمكن التقاطها من الخطاب أن الصمود الفلسطيني أصبح في ذاته عنصراً من عناصر المعادلة السياسية. فحين يقول الرئيس إن الفلسطينيين لن يغادروا وطنهم ولن يقبلوا بالتهجير، فإن الحديث يدور عن إرادة شعبية تتصل بالأرض والهوية والذاكرة والتاريخ، وعن موقف يرفض تحويل الفلسطيني إلى مجرد قضية إنسانية تنتظر المساعدات، ويصر على أن جوهر القضية سياسي ووطني وقانوني.

من هنا، فإن مسؤولية المجتمع الدولي لا تتوقف عند إصدار القرارات أو التعبير عن القلق، وإنما تمتد إلى حماية المدنيين، وحماية الأرض، ووقف الإجراءات التي تقوض فرص السلام، وإنفاذ قواعد القانون الدولي، وفتح الطريق أمام حل سياسي يضمن للشعب الفلسطيني حقه في الحرية والاستقلال.

لقد وضع خطاب الرئيس محمود عباس العالم أمام مسؤولياته، وذكّر بأن القضية الفلسطينية ما زالت حاضرة في قلب النظام الدولي، وأن الشعب الفلسطيني ما زال متمسكاً بأرضه وحقوقه، وأن طريق السلام يحتاج إلى إرادة سياسية تحميه من الوقائع التي تُفرض على الأرض.

وفي النهاية، بقيت الرسالة الأكثر وضوحاً: فلسطين تريد السلام، لكنها تريد سلاماً يقوم على الحق والحرية والاستقلال. تريد أن يعيش شعبها على أرضه بأمن وكرامة، وأن تمتلك دولته مكانتها بين دول العالم. وبين صمت دولي طال، وواقع فلسطيني يزداد قسوة، يظل الرهان على الإنسان الفلسطيني؛ على قدرته على الصمود، وعلى تمسكه بأرضه، وعلى إرادته التي حافظت على القضية حية عبر أجيال.

ذلك هو خطاب الصمود الفلسطيني: صوت شعب يتمسك بوطنه، وقيادة تضع العالم أمام مسؤولياته، ورسالة تؤكد أن المستقبل الفلسطيني سيظل مرتبطاً بالأرض والحرية والاستقلال، وأن إرادة الشعوب أقوى من محاولات اقتلاعها من ذاكرتها ومكانها.