الواقع الفلسطيني بين ضغوط البقاء... واستحقاقات المستقبل

د. حسن بشارات

سبتمبر 24, 2026 - 17:26
الواقع الفلسطيني بين ضغوط البقاء... واستحقاقات المستقبل

الواقع الفلسطيني بين ضغوط البقاء... واستحقاقات المستقبل

يعيش الفلسطيني اليوم واحدة من أكثر المراحل تعقيداً في تاريخه المعاصر، في ظل واقع تتداخل فيه التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية والإنسانية بصورة غير مسبوقة. ففي الوقت الذي تتسارع فيه عمليات مصادرة الأراضي وتتوالى أوامر الهدم والمنع والتضييق، يبدو وكأن الرسالة التي يراد إيصالها للفلسطيني واضحة ومباشرة (اترك أرضك وبيتك وارحل، أو واجه مصيراً قاسياً عنوانه الفقر والجوع والقهر). إنها سياسة تستهدف الإنسان قبل الارض، والوجود قبل الحدود، وتسعى إلى دفع الفلسطيني نحو خيارات لن تكون حاضرة يوماً، لأنه اختار منذ عشرات السنين أن يبقى متجذراً في أرضه مهما بلغت التضحيات.

ولا شك ان كل تلك المشاهد والضغوط كافية لإيصال الانسان لحالة نفسية تتصف بعدم السواء، الا ان الفلسطيني اليوم يعيش انسجام يغيب به الصراع ما بين الذات المدركة التي تحمل معها العنفوان والقدرة على مواجهة التحديات المعيقة لاستمرارية الحياة وما بين الخبرات الواقعية التي يشعر بها الفرد ويعيشها، فتحولت حياته من حالة الإحباط العام الى حالة التكاتف والتكيف الاجتماعي وتحدي كل المتغيرات المستجدة باستمرار على نظام الحياة مؤكداً بذلك التزاماً راسخاً بهويته الوطنية وحقوقه التاريخية، ليبقى محتاجاً لتعزيز ذلك الصمود باستمرارية.

وفي الجهة الأخرى، تقترب إسرائيل من استحقاقات انتخابية جديدة، وسط صراع واضح على السلطة والحكم بين القوى السياسية المختلفة. إلا أن هذا الصراع لا يبدو منفصلاً عن الواقع الفلسطيني، بل إن الكثير من المؤشرات توحي بأن الفلسطيني قد يبقى مرة أخرى مادة للاستخدام السياسي والانتخابي، وأن التصعيد العسكري قد يتحول إلى أداة لإعادة تشكيل المشهد الداخلي الإسرائيلي أو حماية مستقبل شخصيات سياسية قد تدخل التاريخ بما ارتكبته من جرائم وانتهاكات بحق الشعب الفلسطيني الأعزل.

وفي خضم هذه التحولات، تتزايد الضغوط الدولية والإقليمية المطالبة بإجراء إصلاحات سياسية وتنظيم انتخابات فلسطينية جديدة. وبينما لم يتضح للفلسطيني حتى الآن الشكل النهائي أو النتيجة المتوقعة لتلك الضغوط على الواقع، ينظر الفلسطيني الى هذه الانتخابات بانها استحقاق للتجديد التشريعي كواحدة من أساليب الصمود والحفاظ على البقاء، فإن التوجه نحو الانتخابات التشريعية يمثل رسالة سياسية مهمة للعالم، تؤكد أن هناك شعباً حياً يسعى إلى ترسيخ حقه في المشاركة السياسية وبناء مؤسساته الوطنية، ويتطلع إلى حياة طبيعية يسودها الأمن والاستقرار والسلام، شأنه شأن بقية شعوب الأرض التي تنعم بحقوقها الأساسية دون تمييز أو استثناء.

غير أن التحديات الخارجية ليست وحدها ما يثقل عبئ الفلسطيني. فالمشهد الداخلي يشهد بدوره حالة من التوتر والتنافس على النفوذ والقرار، حيث تظهر على السطح خلافات وصراعات تتجاوز أحياناً حدود التنافس الوطني المشروع. وما يثير القلق أن بعض هذه الممارسات لم يعد ينظر لها في إطار التعددية السياسية المعتادة، بل باتت أقرب إلى صراعات ذاتية ومصالح خاصة، ينظر أصحابها إلى الواقع الفلسطيني من زوايا ضيقة لا تعكس حجم المعاناة اليومية التي يعيشها المواطن. وفي الوقت الذي تتطلب فيه المرحلة تعزيز عوامل الصمود والبقاء ودعم الإنسان الفلسطيني اقتصادياً واجتماعياً ونفسياً، ينشغل البعض بمعارك جانبية لا تقدم حلولاً ولا تخفف من أعباء الحياة الضاغطة على الفلسطيني.

الفلسطيني الذي يواجه الاستيطان والمصادرة والحصار والبطالة وارتفاع تكاليف الحياة، لا يبحث اليوم عن شعارات جديدة بقدر ما يبحث عن أفق حقيقي يمنحه الأمل. يبحث عن وحدة وطن وشعب تعيد الاعتبار للمصلحة العامة مبتعدة كلياً عن الفئوية الضيقة، وعن مؤسسات قادرة على حماية حقوقه وارثه النضالي الحقيقي دون المساس بكرامته وحضوره، وعن مجتمع دولي يتعامل معه باعتباره إنساناً يستحق الحياة لا مجرد رقم في نشرات الأخبار.

وفي ظل كل ذلك، يبقى السؤال الذي يتردد في وجدان الفلسطيني أكثر من أي وقت مضى، ألم يحن الوقت للعيش بسلام على هذه الارض؟ ألم يحن الوقت لأن يتوقف نزيف المعاناة اليومية، وأن يحظى الفلسطيني بما تحظى به سائر شعوب الأرض من أمن وكرامة واستقرار؟ إن الإجابة الحقيقية لا تكمن في الأمنيات وحدها، بل في إرادة سياسية عادلة تعترف بحقوق الشعوب، وفي قدرة الفلسطينيين أنفسهم على توحيد صفوفهم وتقديم مصلحة الوطن على كل اعتبار. فالشعوب التي تتمسك بحقها في الحياة لا تفقد الشغف بتحقيق الحلم العام، والفلسطيني، رغم كل ما يواجهه، ما زال يؤمن بأن فجر العدالة لا بد أن يأتي يوماً.

د. حسن بشارات