النمّام لا ينقل الكلام… بل يزرع القطيعة
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
النمّام لا ينقل الكلام… بل يزرع القطيعة
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
هناك أشخاص لا يحملون في حياتهم مشروعًا سوى الحديث عن الآخرين، ونقل الكلام بينهم، والبحث عن الثغرات في العلاقات الإنسانية حتى يزرعوا فيها الشك والريبة والخلاف. لا يهمهم أن تكون العلاقة بين الناس قوية، ولا يسعدهم أن يروا المحبة قائمة والثقة متبادلة؛ لأن بعض النفوس لا تجد حضورها إلا عندما ترى الآخرين مختلفين.
النميمة ليست مجرد نقل كلام من شخص إلى آخر. إنها في كثير من الأحيان عملية تفكيك للعلاقات من الداخل؛ تبدأ بجملة عابرة، ثم تتحول إلى تفسير، ثم إلى تأويل، ثم إلى شك، حتى يجد الإنسان نفسه وقد اتخذ موقفًا من شخص ربما لم يقل ما نُقل عنه أصلًا.
والأخطر أن النمّام لا يأتي دائمًا بصورة واضحة. قد يأتيك في ثوب الصديق الحريص، أو الناصح المشفق، أو الشخص الذي يقول لك: «أنا لا أريد أن أسبب مشكلة، ولكن…». وبعد هذه العبارة تبدأ الحكاية، ويبدأ معها زرع الشكوك.
هنا يجب أن يتوقف الإنسان قليلًا ويسأل نفسه: لماذا نُقل إليّ هذا الكلام؟ وهل سمعه الناقل مباشرة؟ وهل نُقل كاملًا أم مبتورًا؟ وهل سأل صاحبه قبل أن ينقله؟ وهل هناك مصلحة في أن تتوتر علاقتي بهذا الشخص؟
إنها أسئلة بسيطة، لكنها قد تمنع كارثة اجتماعية.
وقد وضع القرآن الكريم منهجًا واضحًا في التعامل مع الأخبار، فقال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾.
هذه الآية ليست فقط منهجًا للتعامل مع الأخبار العامة، وإنما تحمل درسًا عميقًا في العلاقات الإنسانية: لا تحكم قبل أن تتثبت، ولا تعاقب قبل أن تعرف الحقيقة، ولا تهدم علاقة بسبب كلام منقول.
ولذلك فإن المواجهة المباشرة تظل واحدة من أنجع الوسائل لكشف الحقيقة. إذا نُقل إليك كلام عن صديق أو قريب أو زميل، فلا تجعل ناقل الكلام صاحب القرار في علاقتك بالآخر. اذهب إلى الشخص نفسه، تحدث معه، اسأله بهدوء، واستمع إلى روايته.
قد تكتشف أن الحقيقة مختلفة تمامًا.
وقد تكتشف أن كلمة قيلت في سياق معين جرى اقتطاعها من سياقها.
وقد تكتشف أن هناك من تعمد أن ينقل إليك نصف الحقيقة ليصنع منها خلافًا كاملًا.
المواجهة لا تعني الخصومة، ولا تعني رفع الصوت، ولا تعني الإساءة إلى أحد. المواجهة الحقيقية هي أن نمتلك الشجاعة الكافية لنسأل مباشرة بدل أن نعيش أسرى للظنون.
إن أخطر ما يمكن أن يفعله الإنسان بحق نفسه أن يسمح لشخص ثالث بأن يصبح وسيطًا دائمًا بينه وبين من يحب أو يحترم. فالعلاقة التي بُنيت خلال سنوات لا يجوز أن تُهدم في دقائق بسبب حديث عابر.
وفي المقابل، علينا أن نكون منصفين أيضًا؛ فليس كل من ينقل كلامًا نمّامًا، وليس كل ناقل خبر متعمدًا للإفساد. لذلك فإن معيار الحكم يجب أن يكون التثبت من الوقائع لا سوء الظن بالناس.
لكن عندما يتكرر نقل الكلام، وتتكرر محاولات إثارة الخلاف، وتتكرر الروايات التي تهدف إلى إفساد علاقات بعينها، يصبح الحذر ضرورة، ويصبح وضع الحدود في التعامل أمرًا مشروعًا.
نحن بحاجة إلى إعادة الاعتبار إلى ثقافة الصراحة بدل الهمس، والمواجهة بدل الوشاية، والتثبت بدل التسرع، والإصلاح بدل الإفساد.
فمن يحبك حقًا لن يدفعك إلى كراهية الآخرين دون دليل، ومن يحترمك لن يجعلك أداة في خلافاته، ومن يريد لك الخير سيقودك إلى الحقيقة لا إلى الشك.
لا تجعل أذنك بوابة يدخل منها الآخرون إلى علاقاتك ليعبثوا بها.
اسمع، ولكن لا تصدق كل ما تسمع.
تحقق، ولكن لا تظلم.
واجه، ولكن بأخلاق.
واحكم على الناس من خلال مواقفهم المباشرة معك، لا من خلال روايات الآخرين عنهم.
فالنمّام قد يربح لحظة من الحديث، لكنه لا يستطيع أن يصنع الحقيقة.
والإشاعة قد تزرع الشك، لكنها لا تستطيع أن تهزم علاقة تقوم على الصدق والثقة.
أما الإنسان الواعي، فهو الذي يعرف متى يصمت، ومتى يسأل، ومتى يواجه، ومتى يغلق أذنه أمام من لا همَّ له إلا إفساد ما بين الناس.
فالحذر الحذر من الوقوع في شرك النميمة والفتنة؛ لأن بعض الكلمات لا تُقال لتخبرك بالحقيقة، وإنما لتسرق منك إنسانًا عزيزًا.



