"غزة أولاً… من النجاة إلى استعادة الحياة"
بقلم: د. منى أبو حمدية أكاديمية وباحثة
"غزة أولاً… من النجاة إلى استعادة الحياة"
بقلم: د. منى أبو حمدية
أكاديمية وباحثة
ليست غزة اليوم بحاجة إلى من يخبرها من انتصر، ولا إلى رواية جديدة تُضاف إلى أرشيف الروايات المتصارعة. غزة بحاجة إلى سؤال أكثر قسوة وصدقاً : كيف ستنجو؟
كيف سيعود الطفل إلى مدرسته؟ كيف يستعيد المريض مستشفاه؟ كيف يعود الشيخ إلى بيته وشارعه وذاكرته؟ كيف تستعيد الأم شيئاً من الطمأنينة التي سُلبت منها؟ وكيف يمكن لقطاع أنهكته الحرب، وأثقلته الخسائر والدمار، أن ينتقل من مجرد النجاة إلى استعادة الحياة؟
من هذه الزاوية ينبغي النظر إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة. فهي ليست مجرد فصل تفاوضي جديد، ولا مساحة إضافية للصراع على النفوذ والشرعية بين الأطراف، بل هي اختبار حقيقي لقدرة الفلسطينيين على تقديم المصلحة الوطنية على الحسابات الفصائلية، وتحويل وقف الحرب من هدنة مؤقتة إلى بداية لمسار فلسطيني جديد.
فغزة ليست "جائزة سياسية" لأحد، وليست ورقة تفاوضية لأي فصيل، وليست ساحة لإثبات القوة أو تثبيت النفوذ. غزة شعب؛شعب دفع من أرواحه وبيوته وأمنه ومستقبله ما يكفي، ولم يعد يحتمل أن تكون حياته رهينةً لحسابات سياسية أو أمنية تتجاوز احتياجاته المباشرة.
نحن نتحدث عن أطفال لا يعرفون من الحرب إلا الخوف، وعن شيوخ يريدون أن يعيشوا ما تبقى من أعمارهم بكرامة، وعن أمهات يبحثن عن معنى للاستمرار، وعن شباب يريدون أن يدرسوا ويعملوا ويبنوا مستقبلهم بدل أن يرثوا الحرب كما يرث الناس الأرض والبيوت.
لهذا، فإن الأولوية الآن ليست لمن يملك الرواية الأقوى، ولا لمن يستطيع أن يقدم نفسه باعتباره المنتصر. الأولوية لمن يستطيع أن يحمي الإنسان الفلسطيني، ويوقف نزيفه، ويفتح أمامه الطريق إلى الحياة.
إن أي تأخير في تنفيذ المرحلة الثانية لا يصب في مصلحة غزة ولا في مصلحة أهلها. فالزمن في غزة ليس مجرد وقت يمر؛ إنه حياة معلقة، وبيت لم يُبنَ، ومريض ينتظر العلاج، وطفل ينتظر مدرسة، وعائلة تنتظر أن تعرف أين ستعيش غداً. كل (تأجيل) يطيل المعاناة، وكل (فراغ سياسي أو أمني) يفتح الباب أمام مزيد من الفوضى وعدم الاستقرار.
ولهذا فإن المصلحة الوطنية الفلسطينية تقتضي الإسراع في تنفيذ المرحلة الثانية، والانتقال من وقف إطلاق النار إلى تثبيت السلامة العامة، ومن إدارة الأزمة إلى إدارة الحياة، ومن انتظار المساعدات إلى إطلاق مشروع واسع لإعادة الإعمار وبناء المؤسسات.
وهنا ينبغي أن نكون واضحين: حفظ الأرواح أهم من حفظ السلاح.
هذه ليست عبارة ضد طرف فلسطيني، وليست تنازلاً عن الحقوق الوطنية، ولا تجاهلاً للاحتلال وممارساته ومسؤوليته عن الدمار والمعاناة. لكنها إعادة ترتيب للأولويات في لحظة تاريخية لا تحتمل الالتباس.
السلاح وسيلة، أما الإنسان فهو الغاية. ولا يمكن أن يصبح الحفاظ على (وسيلة ما) أهم من الحفاظ على المجتمع الذي يفترض أن تكون تلك الوسيلة في خدمته.
لقد دفعت غزة ثمناً هائلاً، ولا يجوز أن يستمر الفلسطينيون في دفع الثمن ذاته بسبب خلافات حول الأدوات، فيما يظل الهدف الأساسي، وهو حماية الإنسان الفلسطيني، مؤجلاً.
ومن هنا، فإن ملف السلاح يجب ألا يُدار بمنطق الغلبة أو الإذلال أو تصفية الحسابات، بل ضمن إطار وطني فلسطيني شامل، يضمن احتكار القرار الأمني والعسكري في إطار مؤسسات وطنية وقانونية، ويضع حماية المواطن وسلامة المجتمع فوق أي اعتبارات تنظيمية.
وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل أن حماس تأخرت في الانتقال إلى هذا المسار، وأن موقفها من ملف السلاح والتفاوض ظل لفترة طويلة مرتبطاً بدرجة كبيرة بحسابات الحركة الأمنية والسياسية، وبمحاولة حماية وجودها وقياداتها وموقعها، وباعتبارات متصلة أيضاً بعلاقاتها وتحالفاتها الإقليمية.
لكن المصلحة الوطنية تفرض أن نضع الأمور في ترتيبها الصحيح: حماية الفصيل لا يمكن أن تسبق حماية الشعب، وحماية الحركة لا يمكن أن تصبح (معياراً أعلى) من حماية غزة كلها.
لقد أظهرت الحرب أن القرارات التي تُتخذ من منظور فصائلي أو أحادي قد تتحول كلفتها إلى مجتمع بأكمله. ولذلك فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى عقل سياسي مختلف؛ عقل لا يسأل فقط كيف يحافظ الفصيل على موقعه، وإنما يسأل أولاً:
كيف نحافظ على الشعب؟ كيف نمنع تكرار الحرب؟ كيف نعيد بناء المؤسسات؟ وكيف نضمن ألا تكون غزة مرة أخرى ساحة لتجاذبات تتجاوز احتياجات أهلها؟
قد يكون من الصعب العودة إلى الوراء وتغيير ما حدث، لكن السياسة الوطنية الرشيدة لا تعني البقاء أسرى للماضي. إذا كانت هناك اليوم فرصة لوقف النزيف وفتح الطريق أمام الحياة، فإن المسؤولية الوطنية تقتضي اغتنامها، لا إضاعة الوقت في إعادة إنتاج الخلاف حول من كان على صواب.
وفي المقابل، فإن المرحلة الثانية يجب ألا تتحول إلى مدخل لإخراج غزة من المشروع الوطني الفلسطيني أو تحويلها إلى منطقة إدارة دولية طويلة الأمد. المطلوب دعم عربي ودولي، وضمانات دولية، ومساندة لإعادة الإعمار، وترتيبات تساعد على حماية المدنيين، لكن المرجعية النهائية يجب أن تبقى فلسطينية، وغزة يجب أن تبقى جزءاً أصيلاً من الأرض الفلسطينية ووحدة النظام السياسي الفلسطيني.
ومن منظور المصلحة الوطنية، فإن دور السلطة الوطنية الفلسطينية لا ينبغي أن يُفهم بوصفه استعادة نفوذ فصائلي أو منافسة على قطاع أنهكته الحرب، وإنما بوصفه عودة للمؤسسات الوطنية إلى مسؤوليتها الطبيعية في خدمة المواطن الفلسطيني وحماية حقوقه وتقديم الخدمات له.
غزة لا تحتاج إلى سلطة جديدة فوق ركامها، وإنما تحتاج إلى مؤسسات تعيد بناء ما تهدم، وتوفر الأمن والخدمات، وتستعيد القانون، وتعيد وصل القطاع بالضفة الغربية ضمن رؤية وطنية واحدة.
وإذا كان ثمة درس سياسي أساسي يمكن استخلاصه من السنوات الماضية، فهو أن تعدد مراكز القرار الفلسطيني لم يحمِ المشروع الوطني، بل أضعفه وأدخل القضية في دوائر متكررة من الانقسام والاستنزاف. ولذلك فإن المرحلة الثانية ينبغي أن تكون فرصة لإعادة بناء وحدة القرار الفلسطيني، لا إعادة توزيع الانقسام.
أما إعادة الإعمار، فهي ليست مجرد إسمنت وحديد ومبانٍ جديدة.
إعادة إعمار غزة تعني إعادة بناء المدارس قبل أن نخسر جيلاً كاملاً، وإعادة المستشفيات قبل أن تصبح الإصابات البسيطة مآسي، وإعادة شبكات المياه والكهرباء والطرق، وإنعاش الاقتصاد، وخلق فرص العمل، وإعادة الجامعات إلى دورها، وحماية المواقع الثقافية والتراثية التي تشكل ذاكرة المكان وهويته.
لكن الأهم من إعادة بناء الحجر هو إعادة بناء الإنسان.
غزة تحتاج إلى إعادة بناء الثقة؛ ثقة المواطن بالمؤسسة، وثقة الناس بأن القانون يحميهم، وثقة الفلسطيني بأن وطنه ليس ساحة مفتوحة للصراع الداخلي، وثقة الجيل الجديد بأن المستقبل يمكن أن يكون مختلفاً عن الماضي.
ولهذا يجب أن تكون إعادة الإعمار مشروعاً وطنياً فلسطينياً شفافاً، تشارك فيه الدول العربية والمجتمع الدولي، وتُدار فيه الموارد بكفاءة ونزاهة، وتكون أولويته الإنسان الفلسطيني قبل أي حساب آخر.
كما يجب ألا تتحول إعادة الإعمار إلى عملية تقنية منفصلة عن السياسة. فإعادة بناء غزة دون أفق سياسي فلسطيني واضح ستعيد إنتاج الأزمة بدل أن تنهيها. غزة تحتاج إلى إعمار البيوت، لكنها تحتاج أيضاً إلى إعادة بناء موقعها داخل المشروع الوطني الفلسطيني، وإلى أفق سياسي ينهي الاحتلال ويضمن للشعب الفلسطيني حقه في الحرية والاستقلال وتقرير المصير وإقامة دولته المستقلة.
وهنا تقع مسؤوليات متعددة. إسرائيل مطالبة بوقف العدوان، والالتزام الكامل بوقف إطلاق النار، وفتح الطريق أمام المساعدات وإعادة الإعمار، وتحمل مسؤولياتها القانونية والسياسية تجاه ما وقع من دمار ومعاناة. والمجتمع الدولي مطالب بألا يكتفي بإدارة الأزمة الإنسانية، بل أن يتحمل مسؤوليته في ضمان تنفيذ الاتفاق وحماية المدنيين ودعم إعادة الإعمار وفتح أفق سياسي حقيقي.
أما المسؤولية الفلسطينية، فهي الأكثر إلحاحاً في هذه اللحظة: أن نضع غزة فوق الجميع"غزة أولاً ".
ليس لأن غزة انتصرت أو لأن أحداً هُزم، وإنما لأن غزة دفعت ما يكفي.
دفعت من أطفالها وشيوخها ونسائها وشبابها، ومن بيوتها ومدارسها ومستشفياتها وذاكرتها وأمنها ومستقبلها.
آن الأوان إذن أن تتغير الأسئلة؛ لا نريد أن نسأل فقط: من ربح الجولة السياسية؟ ومن خسر؟ ومن خرج بصورة أقوى؟ ومن حافظ على موقعه؟
السؤال الذي يجب أن يعلو فوق كل ذلك هو: كيف سنعيد لغزة مجدها؟
كيف نعيد إليها مدارسها وأسواقها وبيوتها وجامعاتها؟ كيف نعيد للطفل حقه في طفولة طبيعية؟ كيف نعيد للشيخ كرامة المكان؟ كيف نعيد للمدينة روحها؟ وكيف نجعل من هذه اللحظة بدايةً لعصر فلسطيني جديد تكون فيه الحياة أقوى من الحرب، والمؤسسة أقوى من الفصيل، والوطن أكبر من التنظيم؟
غزة لا تحتاج إلى من يرث ركامها، ولا إلى من يتغنى بنجاتها فقط
غزة تحتاج إلى مشروع يعيدها إلى الحياة.
وإذا كانت المرحلة الأولى قد كان عنوانها وقف الدم، فإن المرحلة الثانية يجب أن يكون عنوانها استعادة الحياة.
فالمطلوب ليس أن تنجو غزة من الموت فقط، بل أن تنجو من تكرار أسبابه.
والمطلوب ليس أن تتوقف الحرب فحسب، بل أن نمنع عودتها.
والمطلوب ليس أن نبني ما تهدم فقط، بل أن نبني نظامًا وطنيًا قادرًا على حماية الإنسان وصون كرامته ووضع فلسطين فوق الحسابات الفصائلية.
لقد آن الأوان أن تتوقف فلسطين عن سؤال: من يملك غزة؟
وأن تبدأ بالسؤال الذي يليق بتضحياتها ومستقبلها:
من يستطيع أن يعيدها إلى الحياة؟
ذلك هو الامتحان الحقيقي للمرحلة الثانية.
وذلك هو المعنى الأعمق للمصلحة الوطنية الفلسطينية: أن تنجو غزة أولًا، ثم تنهض، ثم تستعيد مجدها، ثم تعود قوية بوحدة شعبها ومؤسساتها، لا بتعدد مراكز القوة والقرار.
غزة أولاً … من النجاة إلى استعادة الحياة.



