وثيقة مجلس السلام لقطاع غزة: لماذا قد يكون نجاحها أخطر من فشلها؟

أغسطس 2, 2026 - 22:13
أغسطس 2, 2026 - 22:15
وثيقة مجلس السلام لقطاع غزة: لماذا قد يكون نجاحها أخطر من فشلها؟

وثيقة مجلس السلام لقطاع غزة: لماذا قد يكون نجاحها أخطر من فشلها؟

"قراءة تحليلية"

بروفيسور عوض سليمية                                                         

باحث في العلاقات الدولية 

الملخص

أخطر ما يمكن أن يترتب على مجلس سلام ترامب ليس في كونه يشرف على مرحلة انتقالية، بل في احتمالية تحوله إلى "مرجعية سياسية بديلة" للسلطة الفلسطينية في قطاع غزة ما يجعله منفصلاً عن الضفة الغربية. فعندما يتولى المجلس مسؤوليات مثل اتخاذ قرارات تتعلق بالأمن، والإعمار، وإدارة الحدود، والتمويل، والعلاقات مع الجهات المانحة، والعلاقة مع اسرائيل. فإن الثقل السياسي سيتحول تدريجياً من المؤسسات الفلسطينية إلى المؤسسة الدولية. وهذا التحول قد يؤدي إلى تدويل القضية الفلسطينية من حيث الإدارة والسيادة، وليس فقط من حيث الوساطة السياسية. عندها، سيكون نجاح عمل المجلس أكثر خطورة من فشله.

إن التنبيه من مخاطر تنفيذ الخطة لا ينطوي ابداً على التقليل من حجم الكارثة الإنسانية التي يواجهها أكثر من مليوني فلسطيني في قطاع غزة، ولا يعني كذلك أن استمرار الوضع الراهن خيار يمكن قبوله او السكوت عليه. 

وثيقة مجلس السلام 

تمثل وثيقة مجلس السلام المزعوم الخاصة بقطاع غزة والذي يرأسه ترامب خطوة تتجاوز كونها إطارًا لتثبيت وقف إطلاق النار أو ترتيبًا أمنياً لليوم التالي للحرب؛ بل تقدم خارطة طريق لإعادة بناء النظام السياسي والأمني والإداري في القطاع بعد حرب هي الأكثر دموية في التاريخ الفلسطيني. 

تنطلق هذه القراءة من فرضية مفادها أن الخطر الأكبر للوثيقة لا يكمن فقط في احتمال فشلها، بل في احتمال نجاحها وما يمكن ان يترتب على ذلك من فرز ترتيبات أمنية وإدارية جديدة في قطاع غزة، دون أن تقود بالضرورة إلى معالجة جذور الصراع المتمثلة في إنهاء الاحتلال وتجسيد إقامة دولة فلسطينية ذات سيادة كاملة. 

بعيداً عن خلاف التوقيت؛ التزامن او التراتبية في تتابع تنفيذ البنود الواردة في الوثيقة، ربما ينجح مجلس السلام الترامبي في تنفيذ جزء من البنود الــ 15 الواردة في الوثيقة، بما فيها؛ نزع سلاح حماس؛ انسحاباً شكلياً للجيش الاسرائيلي من بعض المناطق داخل الخط الاصفر الجديد اشبه بإعادة تموضع؛ إنشاء هياكل أمنية دولية وفلسطينية جديدة؛ تشكيل إدارة انتقالية؛ التخفيف من كارثة الحصار على قطاع غزة؛ ومع سقف مرتفع بالطموحات ربما بدء إعادة الاعمار في حال توفر الاموال اللازمة في مرحلة قادمة. 

عند هذه النقطة، نطرح السؤال؛ هل ستتحول هذه الترتيبات والتي من المفترض انها مؤقتة -في حال نجاحها ولو جزئياً إلى جسر نحو الدولة الفلسطينية، أم أن المؤقت سيصبح دائماً؟

هنا تكمن المفارقة؛ من ناحية فإن فشل او تعذر تنفيذ بنود الوثيقة سيبقي العدوان الاسرائيلي على قطاع غزة قائماً؛ الى جانب استمرار تفاقم الوضع الانساني الكارثي، مخططات التهجير وإعادة الاستيطان خاصة مع اقتراب كرنفال انتخابات الكنيست الاسرائيلي، بالمقابل، فإن نجاح مجلس السلام في تنفيذ بنود الوثيقة ولو جزئياً سيرسخ واقعاً جديداً ويعيد طرح القضية الفلسطينية من بوابة القطاع باعتبارها قضية أمن وإدارة وحوكمة، بدلاً من كونها قضية تحرر وطني. 

الوثيقة ليست اتفاقًا أمنيًا فقط... 

تنظر الوثيقة الى قطاع غزة باعتباره ساحة عسكرية ونظاماً سياسياً حزبياً يحتاج إلى إعادة بناء من جديد بمقاييس امنية وإدارية معظمها امريكية-اسرائيلية؛ وليس بإعتباره جزءً اصيلاً من اراضي دولة فلسطين. 

من ناحية، تترك الوثيقة الباب مفتوحاً على جملة من الاسئلة دون إجابات واضحة، وهذه وصفة لفتح باب الاجتهاد والتفسير لكل طرف من الاطراف وفقاً لرؤيته. من بينها؛ ما هي حدود قطاع غزة التي تتحدث عنها الوثيقة؟ لمن ستكون السيادة على القطاع؟ من يحتكر القوة المسلحة؟ من يمتلك الشرعية السياسية؟ من يدير إعادة الإعمار ومتى سيبدأ؟

من ناحية اخرى، تزدحم الوثيقة بالهياكل الامنية والمصطلحات الادارية، منها على سبيل المثال؛ مجلس السلام الدولي؛ قوة الاستقرار الدولية؛ لجنة التحقق الدولية؛ الجهات الدولية الضامنة؛ الشرطة الفلسطينية الجديدة؛ اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة القطاع او المصطلح الجديد المجلس الوطني لإدارة غزة كما ورد في البند الخامس؛ اللجنة الوطنية الاستشارية. بمعنى، وضعت الوثيقة تصوراً شبه تفصيلياً لما يمكن ان يكون عليه الوضع امنياً وإدارياً حصراً في القطاع. لكن المعضلة الكبرى أن الوثيقة لم تقدم تصورًا حول مستقبل الحل السياسي.  

وهنا يظهر الخلل البنيوي في هيكل هذه الوثيقة: بناء مؤسسات إدارية وامنية دون حسم سؤال السيادة والشرعية. عند هذه النقطة، كشفت وثيقة مسربة حصلت عليها صحيفة الجارديان البريطانية بتاريخ 27 يونيو/حزيران ان مجلس السلام، يخطط لمنح نفسه حصانة قانونية شاملة، كما تسمح صيغة المسودة للمجلس بالحصول على ممتلكات عامة في غزة «مجانًا». ويمنح المشروع المقترح حماية واسعة النطاق لكل عضو في مجلس السلام والهيئة الإدارية التابعة له، أي مكتب الممثل السامي (OHR)، فضلاً عن اعضاء اللجنة الوطنية لإدارة غزة، والقوات العسكرية الدولية والمقاولين غير المقيمين المقرر أن يؤدوا أعمالاً في غزة. ويُعرّف القرار الإجراءات القانونية التي يتمتعون بالحصانة منها على أنها «أي اعتقال أو احتجاز أو إجراءات قانونية أمام المحاكم أو أي جهات أخرى في غزة».

اسرائيل... التكتيك أداة للتعطيل 

تؤكد العديد من التقارير ان ترامب عرض على نتنياهو بنود هذه الوثيقة خلال لقائهم الاخير في البيت الابيض قبل الاعلان عنها؛ كما جرت العادة دائماً وترسخت كقاعدة ذهبية في عهد الرئيس اوباما بفعل ضغط اللوبي الاسرائيلي "لا ضوء نهار في العلاقة بين البلدين"، بمعنى لا خلافات علنية. بدليل مصادقة الكابينيت الاسرائيلي قبيل زيارة نتنياهو الاخيرة لواشنطن على ادخال مجلس السلام وقوات دولية الى قطاع غزة وخطة إطلاق المرحلة التجريبية من مدينة رفح. 

وعليه، من المستبعد أن يرفض نتنياهو هذه الوثيقة علناً، لأن رفضها سيضعه في مواجهة مباشرة مع ترامب الذي يتفاخر بهذا الانجاز الكبير، وهذا آخر ما يريده نتنياهو بعد ان أصلح العلاقة المتوترة مع ترامب في زيارته الاخيرة. ومع ذلك؛ هذا لا يعني قطعاً ان نتنياهو سيقوم فوراً بالتنفيذ لاعتبارات سياسية وانتخابية، وسيحرص على استحضار كل المبررات والحجج لإعاقة تنفيذ أي بند منها، الى ان تتكشف نتائج الانتخابات ما بعد 27 اكتوبر. في هذا السياق، اشار مسؤول في "مجلس السلام" لما يمكن ان يعزز هذا الرأي، "نحن لا نطالب إسرائيل بأي شيء لم توقع عليه من قبل"، ويضيف "إسرائيل تحصل هنا على فرصة لرؤية حماس تنزع سلاحها، وبإرادتها". 

بين الائتلاف والمعارضة، لم تتأخر مؤشرات بدء التعطيل كثيراً وبدأت تظهر بمجرد نشرها، سريعاً علق بن غفير على الوثيقة قائلاً "مع النازيين لا يتم التحدث إلا عبر فوهات البنادق»، ودعا الحكومة إلى "احتلال ما تبقى من القطاع" بالمقابل، يرى رئيس حزب "اسرائيل بيتنا" المعارض، أفيغدور ليبرمان، أن أي اتفاق مع حماس بمثابة "عودة إلى المفهوم الذي قاد إلى هجوم السابع من أكتوبر". وفي مزايدة انتخابية واضحة هاجم رئيس حزب "ياشار" غادي آيزنكوت وثيقة مجلس السلام، رافضاً إنهاء الحرب ما دامت حماس باقية. 

الوثيقة خطر على تجسيد الدولة الفلسطينية

أخطر تداعيات هذه الوثيقة تكمن في احتمال نشوء اجسام سياسية؛ إدارية وأمنية منفصلة تماماً عن الضفة الغربية. عندما يصبح القطاع تحت إدارة انتقالية خاصة-اللجنة الوطنية الفلسطينية المرتبطة بمجلس سلام يقوده ترامب، ولجنة تدقيق دولية، وارض مرتبطة بقوة استقرار دولية محكومة بترتيبات أمنية منفصلة وخاضعة لمسار إعادة إعمار بصندوق إعمار دولي مستقل. فإن من شأن ذلك ان يثير مخاوف استمرار تكريس الفصل سياسياً؛ جغرافياً وإدارياً بين غزة والضفة الغربية. وهنا يتحول الانقسام من سياسي إلى بنية جغرافية وإدارية مؤسسية طويلة الأمد. فالمخاطرة ليست في وجود ترتيبات انتقالية بحد ذاتها، بل في غياب ضمانات تمنع تحولها إلى وضع دائم. 

من ناحية اخرى، فإن الخطر المرتبط بمشروع "ريفيرا غزة" ما زال حاضراً ولا يقتصر على فكرة التهجير المباشر، بل يتعلق في تعمد تأخير الترتيبات الخاصة بالإعمار كأداة ضغط على المواطن، الى جانب إعادة التنظيم العمراني والاقتصادي لإنتاج واقع جديد لا يشبه القطاع. فإعادة الإعمار لا تقتصر فقط على انشاء صندوق والعثور على متبرعين، بل ستكون عملية سياسية بامتياز. على هذا النحو، فإن من يملك قرار، التخطيط العمراني؛ التمويل؛ توزيع الاراضي وتقسيم المناطق. الادارة والتحكم في الاقتصاد... فإنه سيمتلك مساحة اوسع من القدرة على تشكيل مستقبل المكان. 

التقدير 

إن التنبيه من مخاطر تنفيذ الخطة لا ينطوي ابداً على التقليل من حجم الكارثة الإنسانية التي يواجهها أكثر من مليوني فلسطيني في قطاع غزة، ولا يعني كذلك أن استمرار الوضع الراهن خيار يمكن قبوله. إذ ان التوقف عن السعي لإيجاد الحلول العاجلة وفي مقدمتها وقف العدوان وإعادة الإعمار وإطلاق خطة التعافي المبكر يعني استمرار المعاناة الإنسانية، وتعميق الانهيار الاقتصادي والاجتماعي، وإطالة أمد الكارثة التي يدفع ثمنها المدنيون الفلسطينيون.

جوهر الإشكال هو أن التعامل مع الكارثة الإنسانية لا ينبغي أن يتم على حساب الحقوق السياسية والسيادية للشعب الفلسطيني. وعليه، فإن المفاضلة ليست بين التنفيذ وعدم التنفيذ، وإنما بين تنفيذ يوقف معاناة الفلسطينيين ويحافظ في الوقت نفسه على وحدة الأرض الفلسطينية وسيادتها، وتنفيذ آخر يحقق مكاسب إنسانية عاجلة مقابل ترتيبات سياسية تنتقص من السيادة الفلسطينية.