الانتخابات للهيئات المحلية… بين تعزيز الحكم الرشيد والخشية من تكريس اللامركزية على حساب السلطة الفلسطينية
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
الانتخابات للهيئات المحلية… بين تعزيز الحكم الرشيد والخشية من تكريس اللامركزية على حساب السلطة الفلسطينية
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
تشكل الانتخابات البلدية والقروية محطة أساسية في مسار إصلاح الإدارة المحلية وتعزيز مشاركة المواطنين في صنع القرار. غير أن هذا الاستحقاق، رغم طابعه الخدمي، يحمل أبعادًا سياسية عميقة تتصل بدور السلطة الوطنية الفلسطينية ومستقبل بنيتها المركزية في ظل الظروف الوطنية الدقيقة التي تمر بها القضية الفلسطينية.
فالخشية المطروحة اليوم لا تتعلق بمبدأ اللامركزية بوصفه نهجًا إصلاحيًا يمكن أن يرفع مستوى الخدمات ويعزز الشفافية والمساءلة، بل في أن تتحول هذه اللامركزية إلى مدخل لتفكيك المركز السياسي، وتكريس حالات حكم محلي واسعة الصلاحيات على حساب الدور الوطني للسلطة، فيما تتكثف الضغوط الدولية والإسرائيلية لإعادة تعريف وظيفة السلطة بحيث تُختزل في خدمات الأمن والإدارة بعيدًا عن مهمتها كإطار سياسي ووطني جامع.
وتدرك إسرائيل أهمية هذا التحول، إذ تعمل على استثمار أي واقع يؤدي إلى إضعاف المركز الفلسطيني وتعزيز البنى المحلية المتفرقة، بما يتسق مع رؤيتها القديمة–المتجددة لإدارة الضفة الغربية عبر “رابطات المدن” أو صيغ حكم ذاتي مجزأ. ففي المناطق المصنفة (ج) على وجه الخصوص، تسعى إسرائيل إلى تكريس نمط من الإدارة المحلية المجزأة التي تمنع بروز سلطة فلسطينية موحّدة وفاعلة قادرة على مواجهة الاحتلال سياسيًا وقانونيًا.
من الناحية القانونية، يتيح قانون الهيئات المحلية للبلديات صلاحيات معتبرة في إدارة شؤونها، لكنه لا يجعلها بديلًا عن السلطة المركزية ولا يتعارض مع مبدأ وحدة النظام السياسي. ولذلك فإن تطوير الحكم المحلي يجب أن يبقى في إطار لامركزية رشيدة تستند إلى رؤية وطنية واضحة وتعمل ضمن قواعد موحدة للرقابة والمساءلة، بعيدًا عن التوظيف الحزبي أو العشائري الذي من شأنه خلق مراكز نفوذ متوازية مع الدولة.
إنّ أخطر ما يحيط بالانتخابات البلدية اليوم هو احتمالية انزلاقها نحو صراعات فصائلية أو عشائرية بدل أن تكون رافعة للإصلاح، الأمر الذي يضعف السلطة الوطنية ويعمق حالة التجزئة، ويخلق كيانات محلية قد تتحول إلى سلطات أمر واقع يتم استغلالها لإعادة تعريف وظيفة السلطة وشرعية مركز القرار الفلسطيني.
توصيات استراتيجية وطنية
وإزاء هذه التحديات والمخاطر، وفي سبيل حماية وحدة النظام السياسي الفلسطيني ومستقبل القضية الوطنية، تبرز جملة من التوصيات العملية، في مقدمتها:
تعزيز المركزية السياسية مع لامركزية خدمية تحفظ وحدة القرار الوطني وتمنح الهيئات المحلية هامشًا في إدارة الخدمات بعيدًا عن التداخل مع الوظائف السياسية والأمنية والمالية للسلطة.
تحصين النظام القانوني للهيئات المحلية عبر تحديث التشريعات وتوحيد اللوائح والصلاحيات، بما يمنع تضارب السلطات ويحد من سيطرة النفوذ العائلي أو الحزبي على موارد البلديات.
ربط نتائج الحكم المحلي بالاستراتيجية الوطنية بحيث تكون الانتخابات البلدية رافعة للصمود والتنمية الاقتصادية وتعزيز القدرة على مواجهة الاحتلال، وليس وسيلة لتفتيت الداخل الفلسطيني.
الحيلولة دون إعادة إنتاج صيغ الحكم الذاتي المجزأ التي تسعى إسرائيل إلى فرضها على الأرض عبر مناطق (ج) أو عبر المجالس المحلية ذات الصلاحيات الواسعة.
تعزيز المشاركة الشعبية والمساءلة والشفافية بما يحد من ظاهرة الفساد واحتكار القرار المحلي ويحافظ على الثقة العامة بعملية الانتخاب والحكم.
الإسراع في استعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية بوصفها شرطًا سياسيًا لمواجهة مشروع الضم والاستيطان، وركيزة أساسية للحفاظ على المركز الفلسطيني الموحد.
في المحصلة، تبقى الانتخابات البلدية استحقاقًا مهمًا في سياق تعزيز الحكم الرشيد، لكنها لن تؤدي دورها الوطني إلا إذا جاءت في إطار رؤية فلسطينية موحدة تحفظ السلطة المركزية وتمنع تفكيك القرار الوطني، وتعيد توجيه البوصلة نحو الهدف الأكبر: إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس على كامل الأراضي المحتلة.



