لماذا من شروط القرار الصائب ألا يكون مرهق في المستقبل؟

نتنياهو وهتلر نماذج

يناير 8, 2026 - 13:42
لماذا من شروط القرار الصائب ألا يكون مرهق في المستقبل؟

لماذا من شروط القرار الصائب ألا يكون مرهق في المستقبل؟

نتنياهو وهتلر نماذج

محمد قاروط أبو رحمه

(الملخص: القرار الصائب يُفترض أن يضع حداً للاستنزاف بدلاً من زيادته.)

في عشرة محاور: لماذا يجب ألا يكون القرار "مرهقاً" في المستقبل (أي غير قابل للتنفيذ أو مستنزف للموارد بشكل غير معقول) لكي يُعتبر صائباً:

أولا الاستدامة:

القرار الذي يستهلك طاقة تفوق قدرة الفرد أو الجماعة او الدولة لا يمكن الاستمرار فيه، والقرار الصائب هو ما يمكن البناء عليه مستقبلاً لا ما ينتهي بانهيار صانعه.

ثانيا الكفاءة في إدارة الموارد:

جوهر القرار الصحيح هو تحقيق أقصى استفادة بأقل جهد وموارد ممكنة؛ لذا فإن الإرهاق غير المبرر يعني خللاً في تقدير التكاليف مقابل العوائد.

ثالثا الواقعية والقابلية للتطبيق:

القرار المرهق غالباً ما يكون مثالياً لدرجة التعجيز. القرار الصائب هو "الممكن" الذي يراعي الظروف المحيطة والقدرات المتاحة.

رابعا تجنب "احتراق" المنفذين:

إذا كان القرار يسبب ضغطاً نفسياً أو جسدياً حاداً، فسيؤدي إلى تراجع في الولاء والعمل وزيادة الأخطاء، مما يبطل الجدوى من اتخاذه أصلاً.

خامسا وضوح الرؤية:

الإرهاق الذهني الناتج عن تعقيد القرار يشتت التركيز. القرار الصائب يتسم بالوضوح والبساطة التي تسهل عملية التنفيذ دون ارتباك.

سادسا المرونة والقدرة على التكيف:

 القرارات المرهقة عادة ما تكون متصلبة. القرار الذكي هو الذي يترك مساحة للمناورة والتعديل دون أن يشكل عبئاً ثقيلاً عند حدوث تغييرات طارئة.

سابعا سرعة الاستجابة:

القرار الذي يتطلب مجهوداً شاقاً للبدء فيه غالباً ما يؤدي إلى التسويف. الصواب يكمن في قرارات تدفع للعمل الفوري لا للهروب من عبئها.

ثامنا التوازن بين الأهداف:  

القرار الصائب لا يضحي بصحة الفرد أو استقرار المنظمة او الدولة من أجل هدف واحد؛ فإذا كان النجاح مرهقاً لدرجة تدمير بقية الجوانب، فهو قرار غير متوازن.

تاسعا تقليل المقاومة:  

القرارات المرهقة تواجه مقاومة طبيعية من النفس أو من فريق العمل. لكي ينجح القرار، يجب أن يكون انسيابياً ومقبولاً ليسهل تبنيه.

عاشرا الحفاظ على صفاء الذهن للمستقبل:

اتخاذ قرار يستنزف كل القوى يجعل متخذ القرار عاجزاً عن مواجهة التحديات التالية. القرار الصائب هو الذي يحفظ "فائض قوة" للمرحلة القادمة.

هتلر والقرارات التي دمرت المانيا ولا تزال ترهقها:

إن الإرهاق المستقبلي هو معيار أساسي في تقييم جودة القرارات، وقرارات هتلر مثال صارخ على أنَّ القرار لا يكون صائباً إلا إذا أُخذت عواقبه المستقبلية بعين الاعتبار.

لماذا كانت قرارات هتلر سيئة؟

كانت قرارات هتلر كارثية على المدى الطويل لألمانيا والعالم، للأسباب التالية:

قصر النظر (غياب الرشد):

قراراته ركزت على النجاحات قصيرة المدى (مثل خفض البطالة وإعادة التسلح) دون النظر إلى الاستدامة أو التبعات النهائية. كان الاقتصاد النازي مبنياً على الديون غير المستدامة والحرب والسلب، وليس على الازدهار المستدام.

الأيديولوجيا المتطرفة:

كانت القرارات مدفوعة بأيديولوجيا عنصرية توسعية (الحاجة إلى "المجال الحيوي" للشعب الألماني)، مما جعل تجنب الصراع العالمي مستحيلاً.

غياب الموضوعية:

اتخذ هتلر قرارات عسكرية استراتيجية سيئة وتدخل في تفاصيل لم يكن مؤهلاً لها، متجاهلاً نصائح جنرالاته.

التكلفة البشرية الشاملة:

معيار "القرار الصائب" يقتضي تقييم الأثر الكلي. قرارات هتلر أدت إلى اندلاع الحرب العالمية الثانية، ومقتل ملايين الأرواح، والمحرقة (الهولوكوست)، وتدمير المدن الألمانية، وتقسيم البلاد. هذه التكاليف الفادحة تتجاوز أي مكاسب أولية.

تجريد ألمانيا من مقومات الدولة الديمقراطية:

أدت قراراته إلى إنهاء الديمقراطية الألمانية، ما وفر الأساس القانوني للاضطهاد والقمع.

إن الإرهاق المستقبلي الذي تسببت فيه قرارات هتلر هو الدليل القاطع على أنها لم تكن "قرارات صائبة" في جوهرها، لأنها فشلت في تحقيق المصلحة الفضلى المستدامة للشعب الألماني.

نتنياهو والقرارات التي المرهقة لمستقبل دولة الاحتلال:

يُجمع محللون وخبراء (بمن فيهم شخصيات إسرائيلية بارزة مثل أفيغدور ليبرمان) على أن قرارات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تُرهق مستقبل إسرائيل عبر عدة جوانب سياسية واقتصادية وأمنية، خاصة مع استمرار الحرب في عام 2026.

الجانب الأمني والعسكري

إطالة أمد الحرب:

يُتهم نتنياهو بإطالة أمد الحرب في غزة لاعتبارات سياسية شخصية، مما يستنزف الجيش الإسرائيلي (الذي يعاني من أزمة تجنيد حادة وإرهاق القوات الاحتياطية) ويُصعّب التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.

ضبابية الأهداف:

غياب أهداف واضحة وقابلة للتحقيق في الحرب يربك الجيش ويزيد من حالة عدم اليقين الأمني، مما يؤدي إلى استنزاف مستمر دون "نصر حاسم".

تهديد الجبهات الأخرى:

 تُثير سياساته المتشددة مخاوف من فتح جبهات جديدة مع إيران أو لبنان والصومال، مما يُهدد الأمن الإقليمي ويزيد عزلة إسرائيل.

تسييس المؤسسات الأمنية:

يُنظر إلى تعيين مسؤولين أمنيين بناءً على الولاء السياسي بدلاً من الكفاءة على أنه يضعف ركائز الأمن القومي الإسرائيلي.

ملف "الحريديم" (المتدينين الأرثوذكس):

تعتبر قرارات نتنياهو المرتبطة بهم أداة استنزاف كبرى لمستقبل إسرائيل، حيث تتداخل الحسابات السياسية الضيقة مع أزمات وجودية أمنية واقتصادية:

الإرهاق العسكري والأمني (عجز القوى البشرية)

اتساع الفجوة:

 في ظل الحروب المستمرة، يعاني الجيش الإسرائيلي من نقص حاد في الجنود. ومع ذلك، يواصل نتنياهو المناورة لإقرار قانون "إعفاء الحريديم" لضمان بقاء ائتلافه الحكومي.

إرهاق الاحتياط:

 يؤدي إعفاء الحريديم إلى زيادة العبء على جنود الاحتياط الذين يضطرون للخدمة لفترات أطول، مما يخلق حالة من الغليان الاجتماعي داخل المؤسسة العسكرية.

الإرهاق الاقتصادي (استنزاف الميزانية):

تكلفة باهظة:

تشير تقديرات بنك إسرائيل إلى أن عدم دمج الحريديم في سوق العمل والجيش يكلف الاقتصاد الوطني حوالي 9 مليارات شيكل سنوياً.

ابتزاز الميزانية:

هددت الأحزاب الحريدية (مثل "شاس") في مطلع يناير 2026 بعدم دعم ميزانية الدولة ما لم يتم تمرير قانون الإعفاء، مما يضع الدولة أمام خطر الشلل المالي أو الانهيار الحكومي.

الإرهاق المؤسسي والسياسي

الصدام مع القضاء:

قرارات نتنياهو لتجاوز أحكام المحكمة العليا (التي ألزمت بتجنيدهم وقطع التمويل عن مدارسهم) تضع السلطة التنفيذية في صدام مباشر مع القضاء، مما يزعزع استقرار الدولة القانوني.

الانتخابات المبكرة:

أصبح ملف الحريديم العقدة الأساسية التي قد تؤدي لانتخابات مبكرة في يونيو 2026 بدلاً من موعدها الأصلي في أكتوبر، مما يعني استمرار حالة عدم اليقين السياسي.

الإرهاق الاجتماعي (الانقسام الداخلي)

شرخ وطني:

تخلق هذه القرارات شعوراً بانعدام "المساواة في العبء"، حيث تُقاد الاحتجاجات والمواجهات في الشوارع بين الشرطة والحريديم الرافضين للخدمة، مما يستنزف السلم الأهلي الداخلي.

الجانب السياسي والدبلوماسي

العزلة الدولية:

تسببت قراراته في تآكل صورة إسرائيل كدولة ديمقراطية في نظر المجتمع الدولي، وفقدان الدعم او انحساره حتى من بعض الحلفاء التقليديين في الولايات المتحدة وأوروبا.

أزمة داخلية وانقسام:

 تُهدد قرارات نتنياهو المتعلقة بقضايا حساسة مثل قانون التجنيد (إعفاء الحريديم) وخطط الإصلاح القضائي، النسيج الاجتماعي والسياسي الهش في إسرائيل، مما ينذر بحرب أهلية أو انتخابات مبكرة.

فقدان الثقة بالقيادة:

هناك دعوات متزايدة لإعلان عدم أهلية نتنياهو بسبب إخفاقات 7 أكتوبر، مما يُضعف الثقة في القيادة الحكومية.

الجانب الاقتصادي

ميزانية "إنقاذ سياسي": تُظهر ميزانية عام 2026 التركيز على الإنقاذ السياسي للحكومة على حساب اقتصاد منهك، مع استمرار ارتفاع التكاليف العسكرية وتأثير الحرب على الإنفاق العام.

هروب "العقول":

يرى محللون أن هناك "فقدان للعقول" وهجرة عكسية للمتخصصين ورواد الأعمال بسبب حالة عدم الاستقرار السياسي والأمني، مما يُهدد مستقبل الاقتصاد القائم على الابتكار.

يخلص المحللون إلى أن تركيز نتنياهو على البقاء في السلطة وتحقيق أهدافه الأيديولوجية قصيرة المدى، يمثل تهديداً مباشراً وطويل الأجل لاستقرار ومستقبل الدولة الإسرائيلية.