على خلفية تشريح جثمانه.. ‏ من الذي يشرّح الآخر.. الدكتور عدنان البرش أم الاحتلال؟

يونيو 2, 2024 - 09:13
على خلفية تشريح جثمانه.. ‏ من الذي يشرّح الآخر.. الدكتور عدنان البرش أم الاحتلال؟

وليد الهودلي

يريدون تشريح جثّة الدكتور الشهيد المعتقل كي يعرفوا سبب وفاته، وكأنّ السبب غير ‏معروف؟! تماما كمن يريد أن يعرف لماذا احتلّوا فلسطين؟ لماذا دمّر الاحتلال غزة؟ لماذا ‏يقتل الأطفال والنساء وكل مقوّمات الحياة، لماذا يعتقل؟ لماذا يسرق الأرض ويقيم مستوطنة؟ ‏لماذا يقتحم المسجد "الأقصى" ليقيم صلاته هناك؟ لم لا يُنتج الاحتلال إلا الجريمة والفساد في ‏الأرض؟ لِم قتل الاحتلال الدكتور عدنان البرش رئيس قسم العظام في مجمع الشفاء الطبي؟ ‏لِم اعتقله ولِم قتله؟ أحضروا الاحتلال وشرّحوه لعلّكم تجدون ما يدفع الاحتلال لارتكاب كلّ ‏هذه الجرائم، هذا أولى من تشريح جثّة الدكتور عدنان البرش.‏
هذا الرجل العدنانيّ الذي سمّاه أبوه بهذا الاسم وارثا ذلك أبا عن جدّ ليبقى شاهدا على عمق ‏ارتباطه بتاريخ هذه الفلسطين العظيمة، ذات التاريخ الموغل في القدم وذات الرسوخ الذي يلفظ ‏كل طارئ أو غاشم معتد على رسوخ هذا التاريخ في هذه الأرض رسوخ جباله الراسيات، ‏هذا الرجل العدنانيّ المتجذر في الأرض يثبت ذلك بروح مثابرة حقّق بها أعلى الدرجات ‏العلمية وعاد تاركا كلّ مغريات الغربة ليكون وفيّا لوطنه العزيز وليكمل مشوار الحياة، متفانيا ‏بعطائه، وليصبّ كلّ خبراته وعلومه خدمة لشعبه المكلوم والمبتلى بهذا الاحتلال اللئيم، ‏يخوض مع شعبه الحرب تلو الحرب ويرفض كلّ إغراءات الهروب والأبواب المفتوحة له ‏كمبدع في مجال ترحّب به كل المشافي الشهيرة ذات الرغد في الراتب والمعيشة، ويصرّ على ‏أن يكون مرابطا في هذه المشافي الفقيرة.‏
‏ يواصل الليل والنهار وهو على جبهتين، جبهة علاج الجرحى ذوي الأطراف التي تحتاج إلى ‏البتر أو الجبر في ظروف قاسية وأليمة، وجبهة هذا المحتل الذي يمعن بطرق جهنّمية في إيقاع ‏أسوأ ما عرفته البشريّة من إصابات بليغة في الكمّ والنوع، وفي ذات الوقت يضرب المشافي ‏بالنار والصواريخ الثقيلة، مستهدفا ما تبقى في الإنسان الفلسطيني من قدرة على تحمّل الألم ‏وقهر الاحتلال. ‏
ويقدم الاحتلال على اعتقاله بعد أن طارده من مشفى لآخر في هذه الحرب القاسية، يُخرج ‏الاحتلال مشفى عن الخدمة فيطارد هذا العدنانيّ مكاناً آخر ليواصل فيه فدائيته المتفانية في ‏خدمة من تهتّك عظمه ولحمه من شعبه. حار الاحتلال بهذا الطبيب المصرّ على الاشتباك مع هذه ‏السياسة الفاشية للمحتلّ، فاعتقله وأدخله ماكينة العذاب وقهر الرجال، عرّاه من ملابسه ومن ‏علومه وخبراته ومن مكانته ومكانه وزمانه، تلذّذ الاحتلال في النظر إلى طبيب بهذا المقام ‏العالي في مجتمعه وهو عار كما ولدته أمّه، ما هذا النجاح والتفوّق أيها الاحتلال في تعرية ‏طبيب من ملابسه؟ ‏
الاحتلال الآن يريد تشريح جثمان الدكتور عدنان ليزيّف سبب الوفاة وكأنّنا لم نخبره من قبل، ‏ولا نعرف على سبيل المثال سبب وفاة ما يزيد عن خمس وثلاثين ألفا في هذه الحرب، ‏وكذلك سبب استشهاد العشرات من أبطال الحركة الأسيرة من قبل فردا فردا، وهم يشرحون جثمانه، نحن نرى ‏العكس تماما، فالدكتور عدنان هو الذي يضع الاحتلال على طاولة التشريح، وهو الآن يمسك ‏مبضعه ويُري العالم حقيقة الاحتلال، يُري العالم نازيته وتوحشّه الفظيع، يُري العالم ويكتب ‏للتاريخ حقيقة هذا الاحتلال الدموية والاجراميّة، هو الآن يكشف للعالم ما احتوى عليه ‏الاحتلال من عنصرية حاقدة وصهيونية فاشية لا تعرف إلا القتل والتعذيب والدمار. هو الآن ‏يكشف ساديّته حيث لا يروق له أن يرى فلسطينيا مبدعا في علمه متفانيا في إنسانيّته. هو ‏الآن يُشرّح الاحتلال ويري العالم الحرّ.. المجرم ما لا يريد أن يراه في الشأن الفلسطيني ‏المنكوب.‏
الدكتور هو الذي يضع الاحتلال على المشرحة ليُري العالم الذي يريد أن يعاقب الطلاب ‏والجامعات الذين وقفوا مع المظلومية الفلسطينية وهتفوا ضد نازية الاحتلال وعهره الفاشي ‏المجرم، مبضع الدكتور يكشف لهؤلاء طبيعة الدماء التي تجري في عروق جثمان الاحتلال، ‏يريهم دماء قد لوثتها عنصرية بغيضة حاقدة متطرّفة، ويريهم قلبا مسودّا قاتم السّواد، لا ‏يعرف معروفا ولا ينكر منكرا بل يرى المعروف منكرا والمنكر معروفا، قلب قد تبدّلت ‏موازينه وانقلبت لتخرج أسوأ ما في الإنسان من شرّ ورذيلة وفساد وقدرة عالية على قلب ‏الحقائق وتخريب الفطرة وتشويه الروح الإنسانيّة. ‏
الدكتور عدنان هو الذي يضع الاحتلال على المشرحة، فيُري محكمة العدل العليا ومحكمة ‏الجنايات وكلّ محاكم الأرض عقل الاحتلال وكيف يخطط للجريمة، وكيف يضع الأهداف ‏والخطط والبرامج لصهر الإنسان الفلسطيني ومحوه عن خارطة الحياة، يريهم كيف يفكّر هذا ‏العقل وكيف يقول وماذا يفعل وكيف يروّج بضاعته السياسية والقيمية الكاسدة، وكيف يغتال ‏عقول البشر لتتقبّل إجرامه، وما يفعل مما يفوق طاقة البشر على تحمل حجم ما يجرم ويفسد ‏في الأرض، ويعبث في عالم الوعي الإنساني العالمي. يكشف الدكتور بتشريحه للاحتلال ‏طبيعة هذا العقل وأنه يشكّل خطراً عظيما على البشرية جمعاء. ‏
الدكتور عدنان لم يكن الضحية الأولى ولا الأخيرة للاحتلال في سجونه، هناك ما لا يدع ‏مجالاً للشك فيه، سجون قد وفّر فيها الاحتلال كلّ أسباب الموت والهلاك، خاصة بعد أن صار ‏ابن غفير وزيراً لما يسمّى الامن القومي، واعتبر أن المعتقلين في سجونه في حالة من الرفاه ‏فقرّر أولا أن يحوّلهم إلى هياكل عظمية بالتجويع المبرمج، ونجح في تحويل السجون إلى ‏جحيم بالإهانة والتنكيل والضغط النفسي المريع على مدار الساعة، فاستحدث فرقا للموت ‏وعمل على سوم المعتقلين سوء العذاب، وأطلق يد هذه الفرق المتوحشة كي تتفنّن في إخراج ‏كل ما لديها من حقد وسادية دون حسيب أو رقيب. وقد ظهرت على كلّ من أُطلق سراحه ‏هذه الأيام آثار التعذيب والتوحّش. ‏
بقي القول أن أسرانا عاجلا أم آجلا سيكونون نور ونار انتفاضة قادمة لا محالة، وأن ‏شهداء الحركة الأسيرة هم منارات على الطريق نحو الحرية لهم والتحرير ‏ولأوطانهم، الدكتور عدنان وكلّ أسرانا ليسوا مجرّد أرقام، فكل منهم له مكانته العالية، وفي يده ‏مشعل حريّة وفي روحه مداد للحياة الفلسطينية، لن تذهب دماءهم ولا آلامهم ولا مكابدتهم ‏لآسرهم هدرا ولا في أي حال من الأحوال. ‏
‏ ‏
--------------------
وهم يشرحون جثمان الدكتور الشهيد عدنان البرش، نحن نرى ‏العكس تماما، فالدكتور عدنان هو الذي يضع الاحتلال على طاولة التشريح، وهو الآن يمسك ‏مبضعه ويُري العالم حقيقة الاحتلال، يُري العالم نازيته وتوحشّه الفظيع، يُري العالم ويكتب ‏للتاريخ حقيقة هذا الاحتلال الدموية والاجراميّة.