نتنياهو وصندوق الاقتراع: حين تصبح الحرب جزءاً من الحسابات السياسية

أكتوبر 20, 2026 - 10:27
نتنياهو وصندوق الاقتراع: حين تصبح الحرب جزءاً من الحسابات السياسية

الكاتب: د. اسعد العويوي

هل يريد بنيامين نتنياهو إنهاء الأزمات، أم يريد إدارتها بما يخدم بقاءه السياسي؟ وهل يمكن أن يتحول التصعيد العسكري، في لحظة انتخابية حساسة، من خيار أمني إلى أداة في المنافسة على السلطة؟ وماذا يعني أن يدخل الرئيس الأميركي دونالد ترامب على خط الانتخابات الإسرائيلية، معلناً دعمه لنتنياهو، في وقت تتداخل فيه الحسابات الأمنية مع مستقبل الحكومة؟

ليست هذه الأسئلة اتهامات جاهزة، بل مدخل لفهم العلاقة المعقدة بين الأمن والانتخابات في إسرائيل، حيث تتداخل حسابات الجبهة الداخلية مع الحروب والمواجهات الإقليمية، وتبقى الأراضي الفلسطينية إحدى أكثر الساحات تأثراً بهذه المعادلة.

عندما تقترب الانتخابات، يصبح أداء الحكومة في الملفات الأمنية جزءاً من النقاش العام. وقد يسعى رئيس الحكومة إلى إظهار الحزم والقدرة على الردع، فيما يحاول خصومه تحميله مسؤولية الإخفاقات الأمنية والسياسية. وفي مثل هذه الظروف، يمكن للتصعيد أن يعيد ترتيب الأولويات العامة، وأن ينقل النقاش من قضايا الحكم والاقتصاد والمسؤولية السياسية إلى أسئلة الأمن والتهديدات الخارجية.

لكن من الضروري التمييز بين توظيف الأزمات سياسياً واتخاذ قرار بالحرب لأسباب انتخابية. فالتوقيت وحده لا يثبت النوايا، كما أن التصريحات والتحذيرات لا تكفي، من دون أدلة إضافية، للجزم بأن نتنياهو قرر إشعال مواجهة جديدة لإنقاذ مستقبله السياسي. ومع ذلك، فإن احتمال تداخل الحسابات الانتخابية مع القرارات الأمنية يستحق الرقابة والنقاش الجاد، خصوصاً عندما تكون كلفة هذه القرارات أكبر من أن يتحملها مجتمع واحد.

ترامب يدخل على خط الانتخابات: دعم يتجاوز حدود إسرائيل

يكتسب المشهد بُعداً إضافياً مع دخول الرئيس الأميركي دونالد ترامب على خط الانتخابات الإسرائيلية وإعلانه دعمه لنتنياهو. فهذا الموقف لا يمكن فصله عن طبيعة العلاقة الاستراتيجية بين واشنطن وتل أبيب، ولا عن محاولة توظيف هذه العلاقة في خدمة الأولويات السياسية لكل طرف.

بالنسبة إلى نتنياهو، يمثل الدعم العلني من رئيس الولايات المتحدة فرصة لتقديم نفسه أمام الناخب الإسرائيلي باعتباره شريكاً يحظى بثقة الإدارة الأميركية، وقادراً على الحفاظ على العلاقة مع واشنطن في ظل التوترات الإقليمية. كما يتيح له إبراز علاقته بترامب باعتبارها أحد عناصر قوته السياسية، في وقت تتداخل فيه قضايا الأمن والسياسة الخارجية مع النقاش الداخلي حول مستقبل القيادة الإسرائيلية.

أما بالنسبة إلى ترامب، فإن دعمه لنتنياهو يطرح تساؤلات حول حدود التدخل الخارجي في المنافسة الانتخابية داخل دولة حليفة، وحول طبيعة الرسائل التي يحملها هذا التدخل إلى الناخب الإسرائيلي وإلى المنطقة بأسرها.

ولا يعني ذلك أن الموقف الأميركي سيحسم الانتخابات أو يحدد اتجاهات الناخبين، فهذه مسألة تتوقف على عوامل إسرائيلية داخلية متعددة. لكن دلالة هذا الدعم تكمن في أنه يمنح العلاقة مع واشنطن حضوراً إضافياً في المعركة الانتخابية، ويجعل التحالف الأميركي الإسرائيلي جزءاً من النقاش حول القيادة والأمن والسياسة الخارجية.

والسؤال الذي يهم الفلسطينيين هنا ليس فقط: هل يسهم دعم ترامب في تعزيز موقع نتنياهو؟ بل أيضاً: ما طبيعة السياسات التي قد يحملها هذا الدعم، وما انعكاساتها على الاحتلال والاستيطان والحرب ومستقبل التسوية السياسية؟

فالدعم الأميركي لا ينبغي أن يُقاس فقط بمدى متانة التحالف بين الحكومتين، بل كذلك بمدى استعداد واشنطن لاستخدام نفوذها لوقف التصعيد، وحماية المدنيين، ومنع تقويض فرص السلام، والتعامل مع الحقوق الفلسطينية باعتبارها استحقاقاً سياسياً وقانونياً، لا ملفاً ثانوياً في حسابات التحالفات.

فلسطين ليست تفصيلاً في المعادلة

إن أي تصعيد قد يخدم، أو يُعتقد أنه يخدم، حسابات داخلية إسرائيلية يمكن أن يترك نتائجه على الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية والقدس: مزيداً من القيود، واتساعاً في دائرة العنف، وضغوطاً اقتصادية واجتماعية، وتراجعاً إضافياً في فرص الوصول إلى تسوية سياسية عادلة.

وهنا تكمن المشكلة الأعمق: أن يصبح مستقبل الفلسطينيين متأثراً بتوازنات الحكومة الإسرائيلية وأزماتها الانتخابية، وبطبيعة العلاقة بين رئيسها والإدارة الأميركية، من دون أن يمتلك الفلسطينيون أدوات سياسية كافية لحماية مصالحهم الوطنية من تقلبات تلك الحسابات.

ولذلك، لا ينبغي للفلسطينيين أن يعلّقوا مستقبلهم على سقوط نتنياهو أو بقائه، ولا أن يفترضوا أن تغيير الحكومة الإسرائيلية سيؤدي تلقائياً إلى تغيير سياساتها. فالمسألة أوسع من شخص رئيس الحكومة، وترتبط أيضاً باتجاهات سياسية ومؤسساتية إسرائيلية تتجاوز دورة انتخابية واحدة، وبطبيعة الموقف الأميركي من استمرار الاحتلال والاستيطان وحقوق الشعب الفلسطيني.

المطلوب فلسطينياً هو الانتقال من انتظار ما ستقرره إسرائيل أو ما ستدعمه واشنطن إلى بناء موقف وطني قادر على التعامل مع مختلف الاحتمالات: توحيد القرار السياسي، وتجديد الشرعية، وتفعيل العمل الدبلوماسي والقانوني، وحماية المجتمع الفلسطيني، وصياغة استراتيجية وطنية لا تتبدل مع كل أزمة داخلية إسرائيلية أو تغير في الإدارة الأميركية.

إن الانتخابات الإسرائيلية شأن داخلي، لكن آثار قرارات الحكومة الإسرائيلية لا تبقى داخل حدودها، كما أن الدعم الأميركي ليس تفصيلاً منفصلاً عن موازين القوة في المنطقة. ومن حق الفلسطينيين والمجتمع الدولي مساءلة أي سياسة تزيد معاناة المدنيين أو تقوض فرص السلام، أياً كانت مبرراتها الأمنية أو الانتخابية.

في النهاية، قد يمنح الدعم الخارجي بعض السياسيين مساحة للمناورة، وقد تتحول الأزمات إلى عناصر حاضرة في المنافسة على السلطة، لكن ذلك لا يثبت وحده أن الحرب تُدار لأغراض انتخابية. المعيار هو القرارات الفعلية ونتائجها، ومدى احترامها للقانون الدولي وحقوق الشعوب.

قد يؤثر صندوق الاقتراع الإسرائيلي في هوية الحكومة المقبلة، وقد يؤثر موقف واشنطن في البيئة السياسية التي تتحرك فيها تلك الحكومة، لكن أياً منهما لا ينبغي أن يحدد سقف الطموح الفلسطيني أو شكل المستقبل الفلسطيني.

فالسؤال الذي يجب أن يشغل الفلسطينيين ليس فقط من سيحكم إسرائيل، أو من سيدعمه في واشنطن، بل كيف يمتلك الفلسطينيون مشروعاً وطنياً مستقلاً يحمي حقوقهم ويحدد مستقبلهم، بصرف النظر عمّن يجلس في مكتب رئيس الحكومة الإسرائيلية أو البيت الأبيض.