من ذاكرة فلسطين: بيتونيا عام 1936… حكاية القمح والبساطة وأصالة الحياة

بقلم: المحامي علي أبوحبلة

أكتوبر 19, 2026 - 17:14
من ذاكرة فلسطين: بيتونيا عام 1936… حكاية القمح والبساطة وأصالة الحياة

من ذاكرة فلسطين: بيتونيا عام 1936… حكاية القمح والبساطة وأصالة الحياة
بقلم: المحامي علي أبوحبلة
في ذاكرة فلسطين العريقة، تختزن الصور القديمة حكايات الإنسان والأرض، وتوثّق تفاصيل الحياة اليومية التي عاشها الآباء والأجداد، حين كانت البساطة عنوان العيش، والعمل قيمة أصيلة، والتكافل الاجتماعي ركيزة أساسية في حياة الأسرة والمجتمع.
ومن مدينة بيتونيا، قضاء رام الله، تعود بنا صورة من عام 1936 إلى مشهد من التراث الفلسطيني، تظهر فيه فتاة فلسطينية وهي تقوم بجرش حبات القمح في ساحة بيتها. صورة تبدو بسيطة في تفاصيلها، لكنها تحمل دلالات اجتماعية وثقافية وإنسانية عميقة، وتفتح نافذة على نمط حياة ارتبط بالأرض وخيراتها، وبالاعتماد على الذات والعمل المتواصل.
كان القمح جزءًا أساسيًا من حياة الأسرة الفلسطينية، ولم تكن رحلته تنتهي عند الحصاد، بل تمتد إلى درس السنابل وتخزين الحبوب وجرشها وطحنها وإعداد الخبز. وكانت هذه الأعمال تجسد دورة الحياة الزراعية بما تحمله من تعب وصبر وانتظار للمواسم، كما تعكس خبرات متوارثة انتقلت من جيل إلى آخر.
في ذلك الزمن، كانت ساحات البيوت فضاءات للعمل والإنتاج، وكانت الأسرة تتشارك المسؤوليات، فيما شكّلت علاقات الجيرة والتعاون والتكافل الاجتماعي سندًا في مواجهة أعباء الحياة. وعلى الرغم من مشقتها وقلة إمكاناتها، امتلكت الحياة اليومية قيمًا راسخة، في مقدمتها احترام العمل، والقناعة، والتواضع، وتقدير النعمة.
وتبرز الصورة أيضًا الدور المحوري للمرأة الفلسطينية في إدارة شؤون البيت والمشاركة في الأعمال الإنتاجية، إلى جانب مسؤوليتها في نقل العادات والخبرات والقيم إلى الأبناء. فقد كانت شريكة في صون استقرار الأسرة وحفظ الموروث الاجتماعي، بما يجعل حضورها في الصور التاريخية جزءًا مهمًا من توثيق الحياة الفلسطينية.
ولم يكن القمح مجرد محصول زراعي، بل ارتبط بمعاني الخير والبركة والأمان الغذائي، وبعلاقة الفلسطيني بأرضه التي شكّلت مصدر رزقه وركيزة هويته. ومن هنا، فإن استعادة هذه المشاهد لا تعني تمجيد الماضي أو تجاهل صعوباته، بل قراءة التاريخ الاجتماعي من خلال تفاصيله اليومية، وفهم القيم التي أسهمت في تشكيل شخصية المجتمع الفلسطيني.
إن صورة بيتونيا عام 1936 تتجاوز حدود المشهد العابر؛ فهي وثيقة من ذاكرة المكان والإنسان، تستحق الحفظ والتوثيق وإتاحتها للأجيال الجديدة، حتى تتعرف إلى حياة أجدادها، وتدرك أن التراث ليس مجرد ماضٍ نستعيده، بل هو هوية ثقافية وإنسانية نصونها وننقلها بأمانة.
نحفظ الذاكرة ونوثّق التاريخ للأجيال القادمة؛ فتراث فلسطين حكاية أرض وإنسان، وجسر يصل الماضي بالحاضر والمستقبل.