كنت أود لو أنني...
د. صبري صيدم
كنت أود في زاويتنا الأسبوعية هذه المخصصة لعوالم التكنولوجيا بتفاصيلها، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي، لو استطعت أن أكتب عن ما اخترته من موضوعات تخص آخر أخبار التكنولوجيا ومستجداتها، عن سيارة "تسلا" مثلاً، التي كشف إيلون ماسك الستار عنها قبل أيام، وما حملته من خصائص بهلوانية تحولت إلى مادة دسمة للتندر على صفحات الإعلام الاجتماعي، وعن مصنعه الجديد للمعالجات الحوسبية للذكاء الاصطناعي الذي يحمل اسم "تيرافاب"، والذي قيل إن مساحته ستفوق مساحة ١٣٠٠ ملعب من ملاعب كرة القدم مجتمعة، ليقدم للبشرية معالجاً حوسبياً يعمل بسرعة فلكية.
كنت أود أيضاً لو أكتب عن إطلاق غوغل للنسخة الرابعة من نموذج "جيميناي ٤ أرغون"، الذي يُعد من أهم منصات الذكاء الاصطناعي، بحيث يخصص، حسب الشركة، لتنفيذ المهام المعقدة ومتعددة المراحل، مع التركيز على مجالات البرمجة والتحليل المالي والقانون والأمن السيبراني والبحث العلمي، في خطوةٍ تهدف إلى توسيع استخدامات الذكاء الاصطناعي في القطاعات المهنية والتقنية، حسب ما تم تعميمه إعلامياً.
كنت أود لو كتبت عن شركة أمازون العالمية، ورغبتها المحسومة بالاستحواذ على شركة ديكارت الإسرائيلية للمعالجات الحاسوبية، وذلك بقيمة 7 مليارات دولار بهدف الوصول إلى معالج ديكارت المعروف بـ"ترينيوم"، وذلك لتصليب حضور أمازون في عالم المعالجات الحوسبية، وتمكينها من منافسة شركة إنفيديا العالمية التي تُعد أحد أهم رواد صناعة معالجات الحاسوب عالمياً.
عالم من التكنولوجيا والإصرار البشري على تعظيم الذكاء الاصطناعي، كان معداً للقراء الكرام هذا الأسبوع، ليضعهم في صورة انتقال هذا الذكاء نحو سباق مارثوني غير مسبوق، أبطاله اللاعبون الكبار والصغار، الذين يصارعون عقارب الساعة نحو تسيّدهم لعالم الذكاء الاصطناعي، واللحاق بركب التطور والتنافس المالي، ورغبتهم في أن تكون لهم حصة الأسد في عالمٍ أقل ما يقال عنه اليوم إنه سيسيطر على كل مكونات حياة البشر، لدرجة يقول معها معارضوه إنه سيقضي على البشرية قاطبة.
كنت سأكتب عن هذا العالم وما يحمله من تطور وإبداع وتنافس، إضافة لما يعتليه من تحديات ومطامع ومخاوف تطول عالم التكنولوجيا البشرية، إلا أن الصورة القاتمة والقادمة تباعاً من حقول الزيتون في فلسطين، وتدنيس المستوطنين لهذه الحقول وإحكامهم أعمال السرقة والنهب والعدوان، إنما تعبر بشكلٍ صارخٍ عن احتقار هذه الأفعال مجتمعة للبشرية قاطبة، وإهانة العقل الإنساني، وقتل الذكاء الآدمي قبل أن يتمكن من الكتابة عن الذكاء الاصطناعي، لذلك أعتذر اليوم من القراء الكرام، لأن غربان الليل في سباقهم الانتخابي المحموم إنما لوثوا صفو الذهن، وحضارته الآدمية وتطور هذه الحضارة وتكنولوجياتها، لتحتل هذه الغربان المشهد بنوازعها، ومآربها، ومطامعها، وعنصريتها وقباحة أفعالها، فبات العالم اليوم بأمسّ الحاجة لمعالجات أخلاقية قبل المعالجات الحوسبية... للحديث بقية!
s.saidam@gmail.com



