انتبه لنفسك
محمد قاروط أبو رحمه
انتبه لنفسك
محمد قاروط أبو رحمه
من ستي الى والدتي إلى أخواتي، ومن زوجتي إلى أبنائي، وصولا إلى أحفادي وكثير من أصدقائي، تكررت على مسامعي عبارة واحدة كلما تركتهم لأذهب إلى أمر أقوم به، أو غادرت مكانًا يجمعني بهم: "انتبه لنفسك"
تتغيّر الوجوه، وتتباين الأعمار، وتتباين العلاقات والظروف، لكن العبارة بقيت حاضرة، وتزداد ترددا. ومع تكرارها، أخذت أتساءل: ماذا يقول لي هؤلاء على وجه الدقة؟ هل يعتقدون أنى مستهتر ولا انتبه لنفسي؟ هل يطلبون مني الحذر فحسب؟ أم أن وراء الكلمات القليلة معاني أعمق تستحق أن نتوقف عندها؟
أدركت أن هذه العبارة، حين تصدر عن شخص يهتم لأمرك، لا تعني بالضرورة أنك غافل عن نفسك أو أنك لا تعرف كيف تحافظ عليها. إنها تحمل، قبل كل شيء، رسالة تقول لك: أنت مهم لي، وسلامتك تعنيني، وما يصيبك ليس شأنا يخصك وحدك.
وهنا تبدأ الحكاية
من الاهتمام إلى الانتباه
عندما يقول لك شخص: "انتبه لنفسك"، فهو يعبّر لك عن اهتمامه بك، لكنه قد يفعل أكثر من ذلك؛ فقد يلفت نظرك إلى أمر لم تنتبه إليه، أو يعيد توجيه انتباهك إلى أمر تعرفه، لكنك لم تمنحه ما يستحق من اهتمام.
فالإنسان قد يكون منتبها إلى أعماله ومسؤولياته، لكنه يغفل أحيانا عن نفسه، أو يستهين بما قد يتعرض له، أو ينشغل بواجباته حتى ينسى أن سلامته جزء من قدرته على مواصلة هذه الواجبات.
وهكذا تصبح هذه النصيحة دافعا جديدا للانتباه؛ توقظ ذهنك، وتستنفر حواسك، أو تعيد ترتيب أولوياتك، أو تدفعك إلى مراجعة تصرفاتك.
لكن أثرها الأعمق لا يكمن في أنها تجعلك تنتبه في تلك اللحظة فقط، بل في أنها قد تساعدك على تعلّم كيف تدير انتباهك بنفسك: ما الذي يستحق ان انتبه اليه؟ ولماذا؟ وما الذي أغفل عنه؟ وما الذي ينبغي أن أفعله للمحافظة على نفسي؟
الذي يوق لك انتبه لنفسك، قد يوقظ انتباهك، لكن مسؤوليتك أن تتعلم كيف تقود انتباهك بنفسك.
أنت مهم لي؛ لذلك انتبه لنفسك
انتبه لنفسك، كان العنوان الاول لكتابنا بعنوان: انا والطبيب والحياة، نصوص بين الفلسفة والفكر والحياة الذي صدر عام 2024. قد أوردت ثلاثة معاني لهذه النصيحة كما يلي:
"عندما يقول لك من يهتم لأمرك، انتبه لنفسك، أو لأمر ما، هذا لا يعني أنك غير منتبه.
هذا يعني ثلاثة أمور:"
الأول: يعبر لك عن اهتمامه بك
والثاني: يصبح انتباهك أفضل
والثالث: تنظيم الانتباه، أي تحويل الانتباه المكتسب إلى انتباه واعٍ.
وأنت تقرأ هذا الإصدار: انتبه على نفسك.
ثم بعد حوالي عامين أدركت أن المعنى الأهم في هذه النصيحة لا يتعلق بالانتباه وحده، بل بالعلاقة التي تربط الإنسان بمن يقولها.
عندما تقول لك أمك "انتبه لنفسك"، أو تقولها زوجتك، أو يوصيك بها أبناؤك وأحفادك وأصدقاؤك، فإن العبارة تحمل، بدرجات تختلف باختلاف العلاقة والسياق، معنى يتجاوز التنبيه إلى الحذر: إنهم يريدونك أن تكون بخير؛ لأنك تعني لهم شيئا، انت مهم لهم.
وهنا يتغير معنى انتباه لنفسك، او توسع معناه.
قد تنتبه لنفسك لأنك تريد المحافظة على صحتك وسلامتك، أو لأن لديك أعمالا ومسؤوليات والتزامات ترغب في مواصلتها. لكن عندما تدرك أن هناك من يهتم بك، تتسع دائرة المعنى؛ إذ تصبح عنايتك بنفسك مرتبطة أيضا بمشاعر أشخاص ينشغلون بك، ويقلقون عليك، ويفرحون لسلامتك، ويتألمون لما يمكن ان يصيبك.
لم تعد تنتبه لنفسك من أجلك وحدك، بل من أجل الذين يهتمون بك أيضا.
هذا هو العبء الإنساني الذي تضيفه العبارة إلى مسؤوليتك عن نفسك. لكنه ليس عبئا من نوع العقوبة، ولا دعوة إلى الشعور بالذنب، بل مسؤولية تنشأ من إدراكنا أن علاقاتنا الإنسانية تجعل لحياتنا أثرا يتخطى حدود ذواتنا.
فالمحافظة على النفس ليست شأنا فرديا خالصا؛ انها أيضا صورة من صور الوفاء والمحبة ومراعاة مشاعر الآخرين.
من أن تنتبه لنفسك إلى أن تنتبه بنفسك
هناك فرق بين أن تنتبه لنفسك عندما يطلب منك أحد ذلك، وأن تصبح قادرا على الانتباه لنفسك دون انتظار تنبيه من أحد.
في الحالة الأولى، يأتي التنبيه من الخارج. وفي الثانية، تتحول الخبرة المتراكمة إلى وعي داخلي يساعدك على ملاحظة ما تحتاج إليه، وتقدير المخاطر، ومراجعة سلوكك، واتخاذ قراراتك بقدر أكبر من المسؤولية.
وهذا لا يعني أن الإنسان الذي تعلّم قيادة انتباهه لم يعد بحاجة إلى نصائح الآخرين؛ فالحاجة إلى الآخرين والاستفادة من خبرتهم لا تتعارضان مع الاستقلال. المقصود ألا يظل اهتمام الإنسان بنفسه معتمدا على أن يذكره الآخرون بها كل مرة.
إن أجمل أثر يمكن أن تتركه عبارة "انتبه لنفسك" هو أن تتحول من تذكير تسمعه عند المغادرة إلى قدرة ترافقك في غياب من قالها لك.
أن تنتبه لنفسك لأنك تستحق العناية، وأن تنتبه بنفسك لأنك أصبحت أكثر وعيا بما يستحق انتباهك، وأن تتذكر في الوقت نفسه أن هناك من يعنيه أمرك؛ ويحبك.
ليست العبارة مجرد كلمات عند الوداع
حين أستعيد تكرار هذه العبارة على ألسنة والدتي وأخواتي وزوجتي وأبنائي وأحفادي وأصدقائي، أجد أن قيمتها بالنسبة إليّ لا تأتي من كلماتها وحدها، بل من امتدادها عبر هذه العلاقات والأجيال.
لم أسمعها من شخص واحد وفي ظرف واحد، بل سمعتها في علاقات متعددة، وفي لحظات مفارقة ومغادرة، وكأن كل واحد منهم يضع في كلماته جزءا روحه فيها، وكثيرا من اهتمامه بي.
ولا أستطيع أن أجزم بأن كل من قالها قصد جميع هذه المعاني، لكن تكرارها في تجربتي دفعني إلى اكتشاف ما يمكن أن تحمله من دلالات: الاهتمام، وتنبيه الانتباه، وبناء الوعي الذاتي، وتوسيع المسؤولية عن النفس، وامتداد العلاقات الإنسانية بين الناس.
ومن هنا فإن السؤال لا يعود مقتصرا على: ماذا يقصد الآخر عندما يقول لي "انتبه لنفسك"؟ بل يصبح أيضا: ماذا أفعل أنا بهذا الاهتمام؟ هل أقدّره؟ هل أحوّله إلى وعي وممارسة؟ وهل أتعلم منه أن أحافظ على نفسي، بدل أن أنتظر دائما من يحبني ليذكرني بذلك؟ بل أيضا أحب أيضا سماعها منهم، وأريد استمرار سماعها لأنها تذكرني دائما بدوام المحبة بين الناس.
خلاصة: انتبه لنفسك، فأنت تعني شيئا
قد تكون "انتبه لنفسك" من أقصر العبارات التي نتبادلها في حياتنا اليومية، لكنها، حين تصدر عن اهتمام، تستطيع أن تفتح بابا للتأمل في علاقتنا بأنفسنا وبالآخرين.
فهي تعبير عن الاهتمام، وقد تكون تنبيها للانتباه، وفرصة لتعلم إدارته، وتذكيرا بأن مسؤوليتنا عن أنفسنا تمتد آثارها إلى من يهتمون بنا، وأننا جزء من دائرة إنسانية تقوم علاقاتها على المودة والمحبة والاهتمام المشترك.
لقد اعتاد الذين أحبهم ويحبونني أن يقولوا لي: "انتبه لنفسك". ومع مرور الايام، لم تعد العبارة عندي مجرد كلمات تقال عند المغادرة؛ أصبحت سؤالا أطرحه على نفسي: هل أقدر اهتمامهم بي بأن أحافظ على نفسي؟ وهل تعلمت أن ألاحظ ما يستحق الانتباه قبل أن يلفت أحدهم نظري إليه؟
انتبه لنفسك لأنك تستحق العناية، وانتبه بنفسك لأنك مسؤول عنها، وانتبه لها أيضا لأنك تعني شيئا لأشخاص يحبونك ويهتمون بك.
ولعل أجمل ما في العبارة أنها تذكّرنا بقيمة الإنسان مرتين: مرة حين تخبره بأنه مهم لدى الآخرين، ومرة حين تدعوه إلى أن يتولى بنفسه مسؤولية المحافظة على هذه القيمة.
وأخيرا: انتبهوا لأنفسكم، لأنكم تستحقون.



