بعد إسدال الستار على «بنعمرها الثاني» في طولكرم: من الاحتفاء بالفعالية إلى بناء مسار وطني للتنمية المستدامة

إعداد وتحليل استراتيجي: المحامي علي أبو حبلة

أكتوبر 16, 2026 - 09:55
بعد إسدال الستار على «بنعمرها الثاني» في طولكرم: من الاحتفاء بالفعالية إلى بناء مسار وطني للتنمية المستدامة

بعد إسدال الستار على «بنعمرها الثاني» في طولكرم: من الاحتفاء بالفعالية إلى بناء مسار وطني للتنمية المستدامة

إعداد وتحليل استراتيجي: المحامي علي أبو حبلة
باحث في القانون الدولي ومحلل سياسي – رئيس تحرير صحيفة صوت العروبة

انتهت فعاليات مهرجان «بنعمرها الثاني» في طولكرم، بعد أيام حافلة بالأنشطة الاقتصادية والثقافية والاجتماعية، وبمشاركة مؤسسات وشركات ومشاريع تجارية وإنتاجية، في مبادرة تستحق التقدير من حيث فكرتها وأهدافها، ولا سيما في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعيشها المحافظة، وما تواجهه من إغلاقات وقيود على الحركة والتنقل، انعكست بصورة مباشرة على الأسواق التجارية والأنشطة الإنتاجية والخدماتية.

وبغض النظر عن حجم المردود المالي الذي حققه المهرجان للجهات المشاركة، وعن مستوى الإقبال الجماهيري الذي شهده، فإن إسدال الستار على فعالياته يجب ألا يعني انتهاء الاهتمام به، أو اختزال نتائجه في مراسم الختام وتوزيع الجوائز والتغطية الإعلامية. فالمرحلة الأهم تبدأ بعد انتهاء المهرجان، من خلال البناء على ما تحقق، وتقييم أثره، وتحويله إلى قاعدة عمل مؤسسية تخدم التنمية الاقتصادية والاجتماعية في طولكرم.

ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: كيف يمكن تحويل هذه الفعالية من مناسبة موسمية إلى مشروع وطني واستراتيجي مستدام؟ وما الآليات الكفيلة بقياس أثرها الحقيقي، وتطوير مخرجاتها، وربطها بخطط التنمية المحلية والوطنية؟

إن الهدف لا ينبغي أن ينحصر في حجم الريع أو الأرباح أو عدد الزوار، على أهمية هذه المؤشرات، بل يجب أن يتجه إلى إعداد الدراسات والبحوث المتخصصة، وتشكيل فرق مهنية قادرة على تحليل النتائج، واستشراف المستقبل، ووضع سياسات عملية للتنمية المستدامة، أسوة بما تقوم به الدول المتحضرة والمتقدمة التي لا تكتفي بتنظيم الفعاليات، بل تجعل منها مختبراً للتخطيط، ومنصة لإنتاج المعرفة، وأداة لصياغة السياسات العامة.

أولاً: المهرجان ليس غاية في حد ذاته

لا خلاف على أن تنظيم مهرجان اقتصادي وتجاري في مدينة تعاني من ظروف استثنائية يحمل قيمة معنوية واجتماعية واقتصادية. فهو يتيح للمنتجين وأصحاب المشاريع الصغيرة والحرفيين فرصة لعرض منتجاتهم، ويوفر مساحة للتعريف بالسلع الوطنية والمشروعات المحلية، ويمنح الأسر متنفساً اجتماعياً وثقافياً، كما يمكن أن يسهم في تحريك قطاعات النقل والمطاعم والخدمات والتجارة.
لكن هذه المنافع، على أهميتها، لا تكفي وحدها للحكم على الأثر التنموي للمهرجان.

فثمة فرق بين حركة تجارية مؤقتة تحدث خلال أيام الفعالية، وبين انتعاش اقتصادي ينعكس على حجم المبيعات والأرباح وفرص العمل واستمرارية المشاريع بعد انتهائها. وهناك فرق كذلك بين أن يحقق العارض مبيعات خلال المهرجان، وبين أن يكتسب زبائن جدد، ويفتح قنوات تسويق مستدامة، ويوسع قاعدة إنتاجه، ويتمكن من مواصلة نشاطه في سوق تتزايد فيه التحديات.

ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: كم زار المهرجان من شخص؟ بل أيضاً: كم مشروعاً استفاد فعلياً؟ وما حجم الزيادة في المبيعات مقارنة بالأيام العادية؟ وكم فرصة عمل مؤقتة أو مستدامة أُتيحت؟ وما نسبة المشاركين الذين تمكنوا من تحويل مشاركتهم إلى علاقات تجارية مستمرة؟

هذه مؤشرات لا يمكن حسمها بالانطباعات العامة أو الصور المنشورة أو حجم التفاعل على وسائل التواصل الاجتماعي، بل تحتاج إلى بيانات موثقة وآلية تقييم مهنية، تتولاها فرق متخصصة في الاقتصاد والإحصاء والتخطيط والتنمية المحلية.

ثانياً: ما بعد المهرجان هو الاختبار الحقيقي

إن انتهاء المهرجان لا ينبغي أن يقود إلى العودة إلى نقطة الصفر، أو إلى انشغال المؤسسات بالمظاهر البروتوكولية على حساب جوهر التجربة ومخرجاتها. فالاحتفاء بالنجاح وتوزيع الجوائز والتكريمات أمور مهمة من الناحية المعنوية، لكنها لا تمثل الغاية النهائية.
الغاية الحقيقية تتمثل في معرفة ما الذي يمكن البناء عليه، وما الذي يحتاج إلى تطوير، وما السياسات التي ينبغي اعتمادها لتحويل النشاط المؤقت إلى أثر مستدام. وهذا يتطلب تشكيل فرق عمل متخصصة، تضم ممثلين عن غرفة التجارة والصناعة، والبلدية، والمحافظة، والجامعات، والقطاع الخاص، والمؤسسات التمويلية، والجهات ذات العلاقة بالتنمية المحلية.

وتتولى هذه الفرق إعداد دراسات وبحوث استراتيجية تتناول الأثر الاقتصادي والاجتماعي للمهرجان، وتحدد القطاعات الأكثر استفادة، وتدرس فرص التوسع، وتقترح برامج عملية لدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وربطها بالأسواق، وتطوير منتجاتها، وتعزيز قدرتها على المنافسة والاستمرار.
إن الدول المتقدمة لا تتعامل مع الفعاليات الاقتصادية باعتبارها أحداثاً عابرة، بل توظفها في جمع البيانات، وتحليل الاتجاهات، وقياس احتياجات السوق، وتطوير السياسات. ومن الضروري أن ننتقل من ثقافة الاحتفال بالإنجاز إلى ثقافة إدارة المعرفة واستثمار النتائج.

ثالثاً: طولكرم تحتاج إلى اقتصاد مستدام لا إلى انتعاش عابر
تعيش طولكرم ظروفاً اقتصادية واجتماعية شديدة التعقيد، في ظل القيود المفروضة على الحركة والتنقل، وتعطل مصالح قطاعات تجارية وإنتاجية، وما تعرض له مخيما طولكرم ونور شمس من تدمير ونزوح وتداعيات إنسانية واقتصادية واسعة.
وفي مثل هذه الظروف، تصبح المبادرات الاقتصادية ضرورة، لكنها لا تستطيع بمفردها معالجة الأزمة البنيوية التي يعاني منها اقتصاد المحافظة.
فالمهرجان، مهما بلغ نجاحه، لا يعوض التاجر عن خسائر تراكمت على مدى أشهر، ولا يعيد الحركة التجارية إلى طبيعتها إذا بقيت الحواجز والإغلاقات تعوق وصول الزبائن والبضائع، ولا يعالج مشكلات التمويل والسيولة والقدرة الشرائية، ولا يوفر وحده بيئة استثمارية مستقرة.
إن أي قراءة استراتيجية لنتائج «بنعمرها الثاني» ينبغي أن تضع هذه العوامل في الحسبان، وأن تميز بين ما يعود إلى تنظيم المهرجان نفسه، وما يرتبط بالظروف الخارجية التي تحكم الاقتصاد المحلي.
وهنا تبرز مسؤولية المؤسسات الرسمية والاقتصادية في تحويل المهرجان إلى جزء من خطة أشمل لإنعاش طولكرم، تشمل دعم المنشآت المتضررة، وتوسيع فرص التسويق، وتشجيع الاستثمار المحلي، وتوفير التسهيلات للمشروعات الصغيرة، وتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص.
فالمطلوب ليس مهرجاناً ناجحاً كل عام فحسب، وإنما اقتصاد محلي قادر على الصمود والعمل والإنتاج طوال العام.

رابعاً: ضرورة تشكيل فرق متخصصة للدراسات والبحوث
في
إن المرحلة المقبلة تتطلب إنشاء إطار مؤسسي دائم، لا يقتصر عمله على تقييم مهرجان «بنعمرها»، بل يمتد إلى دراسة واقع الاقتصاد المحلي واستشراف فرص التنمية في المحافظة.
ويمكن أن يتولى هذا الإطار إعداد دراسات متخصصة في مجالات عدة، من أبرزها:
قياس الأثر الاقتصادي والاجتماعي للمهرجان والفعاليات المشابهة.
تحديد القطاعات الإنتاجية الواعدة في محافظة طولكرم.
دراسة احتياجات المشاريع الصغيرة والمتوسطة ومصادر تمويلها.
تحليل سلاسل الإنتاج والتسويق، وتحديد نقاط الضعف والفرص المتاحة.
إعداد خطط لتطوير المنتجات المحلية ورفع قدرتها التنافسية.
دراسة فرص الاستثمار في الزراعة والصناعات الغذائية والحرف والسياحة والتراث.
وضع مؤشرات لقياس التنمية المستدامة وفرص العمل وتحسين مستوى الدخل.
بناء قواعد بيانات دقيقة للمشاريع والمنتجين والحرفيين والمستثمرين.
وينبغي أن تعمل هذه الفرق وفق منهج علمي، وباستقلالية مهنية، وبالتعاون مع الجامعات ومراكز الأبحاث والخبراء، وأن ترفع تقاريرها إلى الجهات صاحبة القرار، مع نشر خلاصات واضحة للرأي العام.
فالتنمية الحديثة لا تُبنى على الانطباعات، ولا على ردود الأفعال، ولا على نجاحات موسمية، وإنما على المعرفة والبيانات والتخطيط والتقييم المستمر.

خامساً: أين دراسة الأثر الاقتصادي والاجتماعي؟

السؤال الذي ينبغي أن تطرحه غرفة تجارة وصناعة طولكرم، وبلدية طولكرم، ومحافظة طولكرم، والجهات المنظمة والشريكة، هو: هل أُعدّت دراسة لقياس الأثر الاقتصادي والاجتماعي للمهرجان؟ وهل توجد بيانات يمكن الاستناد إليها في تقييم نتائجه؟
لا يصح الجزم بغياب الدراسات من دون الاطلاع على السجلات والتقارير الرسمية، لكن من حق المجتمع المحلي أن يطلع على خلاصة تقييم موضوعي يوضح النتائج الفعلية، والدروس المستفادة، والتوصيات المتعلقة بالدورات المقبلة.
فالتقييم المؤسسي ليس إجراءً شكلياً، ولا تقريراً دعائياً يُعد بعد انتهاء الفعالية، بل هو أداة للمساءلة الإيجابية، وتحسين الأداء، وحماية الموارد، وتعظيم العائد الاقتصادي والاجتماعي.
وينبغي أن يتضمن هذا التقييم خمسة محاور رئيسية:

1. التقييم المالي: عرض الإيرادات والنفقات ومصادر التمويل والرعاية، وتحديد كلفة التنظيم والخدمات والتجهيزات، وبيان أوجه الإنفاق وفق الأصول المعتمدة، مع مراعاة طبيعة كل جهة مشاركة ومسؤولياتها.

2. التقييم التجاري: قياس حجم المبيعات التي يعلن عنها المشاركون طوعاً، ومقارنتها بمستويات النشاط المعتادة، ورصد عدد المشاريع التي استفادت فعلياً، ومدى تنوع المستفيدين بين المنشآت الصغيرة والمتوسطة والكبيرة.

3. التقييم الاجتماعي: قياس رضا الزوار والعارضين، ومدى سهولة الوصول إلى موقع المهرجان، ومستوى الخدمات والتنظيم والسلامة، ومدى مشاركة النساء والشباب والمبادرات المجتمعية.

4. التقييم المؤسسي: مراجعة التنسيق بين الجهات المنظمة، وفاعلية الشراكات، ومدى وضوح المسؤوليات، والتحديات التي ظهرت في الجوانب اللوجستية والإعلامية والإدارية.

5. التقييم التنموي: تحديد ما إذا كانت المشاركة قد أسهمت في فتح أسواق جديدة، أو تطوير منتجات محلية، أو إنشاء شراكات تجارية، أو استحداث فرص عمل، أو زيادة قدرة المشاريع على الاستمرار بعد انتهاء الفعالية.

ومن الضروري ألا تُنشر أرقام تقديرية بوصفها حقائق مؤكدة، وألا يُنسب أي تحسن اقتصادي إلى المهرجان وحده من دون مراعاة العوامل الأخرى. فالدراسة الجيدة هي التي تميز بين النتائج المرصودة والأثر الذي يمكن إثبات علاقته بالفعالية.

سادساً: من يتولى التقييم، ومن يتحمل المسؤولية؟

من المفترض أن تتولى الجهة المنظمة إعداد تقرير ختامي يتضمن النتائج المالية والتنظيمية، وأن تشارك غرفة التجارة والبلدية والمحافظة والجهات الراعية والعارضون في مراجعة النتائج، كلٌّ بحسب اختصاصه.
ويمكن الاستعانة بجامعة فلسطين التقنية – خضوري، أو بخبراء اقتصاديين وباحثين مستقلين، لإعداد تقييم علمي يتسم بالموضوعية، بعيداً عن تضارب المصالح أو الرغبة في الاكتفاء بتسجيل النجاحات.
ولا يعني ذلك إخضاع المبادرة لإجراءات بيروقراطية معقدة، بل بناء نموذج تقييم عملي ومحدود الكلفة، يعتمد على استبيانات مختصرة للتجار والعارضين والزوار، وبيانات مالية موثقة، ومقابلات مع أصحاب المشاريع، ومقارنة المؤشرات بفترات زمنية مماثلة قدر الإمكان.
كما ينبغي نشر ملخص تنفيذي للنتائج أمام الجمهور، يتضمن ما تحقق، وما تعذر تحقيقه، وأسباب التعثر، والتوصيات العملية للمرحلة المقبلة.
فالمهرجان الذي يحظى بدعم المجتمع المحلي ينبغي أن يكون تقييمه جزءاً من ثقافة العمل العام، لا ملفاً مغلقاً يقتصر الاطلاع عليه على المنظمين.

سابعاً: كيف نحول المهرجان إلى مشروع اقتصادي طوال العام؟
الخطوة الاستراتيجية الأهم هي عدم التعامل مع «بنعمرها» باعتباره مناسبة تنتهي بانتهاء أيامها، بل باعتباره منصة يمكن البناء عليها لتطوير الاقتصاد المحلي.

ويمكن تحقيق ذلك من خلال إنشاء قاعدة بيانات للمشاريع والمنتجين والحرفيين المشاركين، وإطلاق منصة تسويق إلكترونية للمنتجات المحلية، وتنظيم لقاءات دورية بين أصحاب الأعمال والمستثمرين، وربط المنتجين بمنافذ بيع وأسواق جديدة.
كما يمكن إعداد برنامج سنوي لدعم المشروعات الصغيرة، بالتعاون مع المؤسسات التمويلية والجامعات والجهات ذات العلاقة، وتخصيص مساحات أكثر فاعلية للمنتجات الزراعية والصناعات الغذائية والحرف التقليدية والمبادرات النسوية والشبابية.
ومن المهم كذلك أن تُدرس إمكانية ربط المهرجان بالهوية التاريخية والثقافية لمحافظة طولكرم، وبمواقعها التراثية ومبادراتها المجتمعية، ضمن برامج قابلة للتنفيذ، بما يعزز جاذبية المدينة ويدعم قطاعاتها التجارية والخدماتية.
لكن كل ذلك يبقى مشروطاً بوجود بيئة تسمح بوصول الزوار والبضائع، وبقدرة المؤسسات على توفير التسهيلات الممكنة، وبمعالجة القيود التي تعوق النشاط الاقتصادي. فالتسويق والتنظيم عاملان مهمان، لكنهما لا يغنيان عن معالجة أسباب الاختناق الاقتصادي.

ثامناً: الدروس المستفادة ومسؤولية العام المقبل

لا ينبغي انتظار موعد المهرجان القادم للبدء في مراجعة التجربة الحالية. المطلوب عقد جلسة تقييم مؤسسية في أقرب وقت، بمشاركة المنظمين والعارضين والتجار وممثلي الجهات الرسمية والمجتمعية، والخروج بخطة عمل تتضمن توصيات محددة، وجهات مسؤولة عن تنفيذها، ومواعيد زمنية لمتابعتها.
وينبغي أن تتضمن الخطة مؤشرات واضحة لقياس النجاح في الدورة المقبلة، مثل نسبة رضا المشاركين، وعدد المشاريع المستفيدة، ومقدار التوسع في قنوات التسويق، وعدد الشراكات التجارية التي تستمر بعد انتهاء الفعالية، ومستوى مشاركة المشاريع الصغيرة، إلى جانب مؤشرات السلامة والتنظيم وإدارة المرور والخدمات.
كما يجب توثيق التجربة، بما لها وما عليها، حتى لا تبدأ كل دورة من نقطة الصفر، وحتى تتحول الأخطاء إلى دروس، والنجاحات إلى ممارسات قابلة للتطوير والتكرار.
إن احترام جهود القائمين على المهرجان لا يتعارض مع حق المجتمع في معرفة النتائج، بل إن التقييم الموضوعي هو ما يحمي هذه الجهود من النقد الانطباعي، ويمنحها فرصة للتطور والاستمرار.
الخلاصة: من فعالية موسمية إلى مشروع وطني للتنمية المستدامة
إن «بنعمرها الثاني» فرصة تستحق البناء عليها، لكن معيار نجاحها النهائي لا يكمن في انتهاء الفعاليات بسلام، ولا في حجم الحضور وحده، ولا في الصور والتغطيات الإعلامية، وإنما في مقدار ما أضافته إلى اقتصاد طولكرم، وفي قدرتها على ترك أثر يتجاوز أيام المهرجان.
وبعد إسدال الستار، ينبغي ألا ينصب الاهتمام على البروتوكول وتوزيع الجوائز بقدر ما ينصب على إعداد المرحلة التالية: مرحلة التقييم العلمي، والدراسة المتخصصة، وتشكيل فرق العمل، ووضع الخطط التنفيذية، وربط مخرجات المهرجان بأهداف التنمية المستدامة.
ومن هنا، فإن المطلوب من الجهات المنظمة والشريكة أن تجيب بوضوح عن أسئلة مشروعة: هل توجد دراسة تقييمية؟ ما أبرز نتائجها؟ ما حجم استفادة المشاريع الصغيرة؟ ما الدروس التي جرى استخلاصها؟ وما الخطوات التي ستُنفذ قبل الدورة المقبلة؟ وهل جرى تشكيل فريق متخصص لمتابعة الأثر الاقتصادي والاجتماعي والتنموي للمهرجان؟
إذا كانت هذه الدراسة موجودة، فمن المفيد نشر خلاصتها وتعريف المجتمع بنتائجها. وإذا لم تكن قد أُعدّت، فإن إعدادها الآن ينبغي أن يكون أولوية وطنية، لا أن يُترك الأمر للاجتهادات الشخصية أو الانطباعات المتباينة.
فطولكرم لا تحتاج إلى الاحتفال بالقدرة على تنظيم مهرجان فحسب، بل تحتاج إلى ترجمة هذه القدرة إلى فرص عمل، وحركة تجارية مستدامة، ومشاريع قادرة على الصمود، وشراكات اقتصادية منتجة، وسياسات تنموية تستند إلى البحث والمعرفة.
إن «بنعمرها» يجب أن يتحول من عنوان لفعالية موسمية إلى نهج عمل وطني وتنموي مستدام؛ فالمطلوب أن نعمر الاقتصاد، وندعم الإنسان، ونحمي المشروع المحلي، ونصون مقومات المدينة، ونبني مؤسسات قادرة على التخطيط والتقييم والاستشراف. أما أن ينتهي المهرجان، وتُطوى نتائجه، ثم نعود في العام المقبل إلى الأسئلة ذاتها، فذلك يعني أننا كررنا الفعالية ولم نطور التجربة.
طولكرم تستحق أن تُقاس نجاحاتها بالنتائج، وأن تُدار مبادراتها بالتخطيط، وأن تكون التنمية فيها عملاً مؤسسياً مستمراً، لا موسماً ينتهي بانتهاء الاحتفال. وهذا هو الفارق بين فعالية ناجحة في ظاهرها، ومشروع وطني راسخ يترك أثراً حقيقياً في حياة الناس واقتصاد المدينة ومستقبلها.