بين تراجع فتح وحماس وصعود بشار المصري: هل كشفت الاستطلاعات أزمة النظام السياسي الفلسطيني؟ وهل كان التأجيل خشية تبدّل موازين القوى؟

إعداد وتحليل: المحامي علي أبو حبلة

أكتوبر 16, 2026 - 09:56
بين تراجع فتح وحماس وصعود بشار المصري: هل كشفت الاستطلاعات أزمة النظام السياسي الفلسطيني؟ وهل كان التأجيل خشية تبدّل موازين القوى؟

بين تراجع فتح وحماس وصعود بشار المصري: هل كشفت الاستطلاعات أزمة النظام السياسي الفلسطيني؟ وهل كان التأجيل خشية تبدّل موازين القوى؟
إعداد وتحليل: المحامي علي أبو حبلة
باحث في القانون الدولي ومحلل سياسي
استطلاعات ما قبل التأجيل: ماذا قالت الأرقام؟
لم يكن استطلاع الرأي الفلسطيني الذي نُشرت نتائجه في 14 أكتوبر/تشرين الأول 2026 مجرد قياس لتفضيلات الناخبين، بل كشف عن تحولات تستحق القراءة في بنية النظام السياسي الفلسطيني، وعلاقة المواطنين بالفصائل التقليدية، وتزايد الاهتمام بشخصيات وقوائم تقدم نفسها بوصفها بدائل مهنية واقتصادية ووطنية.
فقد أظهر استطلاع المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، الذي نُفذ بين 7 و11 أكتوبر، أن 33% من المستجيبين لا يؤيدون أياً من الفصائل السياسية، مقابل 22% يؤيدون حركة فتح و19% حركة حماس. وأبدى 56% استعدادهم للتصويت لقائمة مستقلة جديدة تضم شخصيات مهنية واقتصادية ووطنية. كما أيد 53% إجراء الانتخابات في موعدها الأصلي، فيما فضّل 21% تأجيلاً قصيراً لا يتجاوز ستة أشهر، وعارض 20% إجراء الانتخابات من الأساس.
وفي اختبار القوائم الانتخابية، حصلت قائمة بشار المصري على 15% في القياس الأولي، ثم ارتفعت إلى 25% بعد تقديم معلومات تعريفية عنه وعن خلفيته الاقتصادية، واستقرت عند هذه النسبة بعد عرض البرنامج الانتخابي في أحد سيناريوهات الاستطلاع. وفي المقابل، حصلت القائمة المدعومة من مروان البرغوثي، والتي تضم قدورة فارس وفدوى البرغوثي، على 22% في السيناريو النهائي، مقابل 12% لقائمة فتح الرسمية بقيادة حسين الشيخ.
وتستحق هذه الأرقام الانتباه، لكنها لا تعني أن المصري أصبح صاحب تأييد شعبي مطلق، ولا أن قائمة بعينها حسمت الانتخابات؛ فالنتائج تتغير باختلاف السيناريو والسؤال، كما أن الاستطلاع لا يساوي اقتراعاً فعلياً. وقد جُمعت البيانات خلال فترة انتهت في اليوم الذي صدر فيه مرسوم التأجيل، الأمر الذي يستوجب الحذر عند ربط النتائج بالقرار.
لماذا برز بشار المصري؟
يمكن تفسير صعود بشار المصري في بعض سيناريوهات الاستطلاع من خلال عدة عوامل متداخلة.
أولها، أن الأزمة الاقتصادية والمعيشية باتت تحتل موقعاً مركزياً في اهتمامات الفلسطينيين، في ظل البطالة وتراجع الدخل وتأخر الرواتب والدمار في قطاع غزة والحاجة إلى إعادة الإعمار. وثانيها، أن تجربة إنشاء مدينة روابي والمشروعات المرتبطة بالاستثمار والتنمية جعلت اسمه مرتبطاً لدى بعض الجمهور بفكرة الإنجاز الاقتصادي وإيجاد فرص العمل.
وثالثها، أن جزءاً من الجمهور يبحث عن بدائل لا تنتمي بصورة مباشرة إلى القيادات الحزبية التقليدية، ويرغب في رؤية شخصيات تمتلك خبرة إدارية وقدرة على استقطاب الاستثمار وإدارة الموارد.
وقد أظهر الاستطلاع أن 30% رأوا في المصري قدرة على إدارة التعافي الاقتصادي وتحسين مستوى المعيشة، مقابل 29% لمصطفى البرغوثي. لكن ذلك لا يثبت أن المصري يمتلك تفويضاً سياسياً شاملاً، أو أن الخبرة الاقتصادية وحدها تكفي لإدارة الحكم في ظل الاحتلال والانقسام.
فالمطلوب من أي قائمة مستقلة أن تقدم برنامجاً معلناً للتنمية وإعادة الإعمار، وأن توضح مصادر تمويلها، وآليات الرقابة على مصالحها الاقتصادية، والتزاماتها تجاه المال العام واستقلال القضاء والمساءلة الديمقراطية.
هل يعيد بشار المصري إلى الأذهان تجربة الشهيد ظافر المصري؟
تستحضر المقارنة مع الشهيد ظافر المصري، رئيس بلدية نابلس السابق، جانباً مهماً من التاريخ السياسي والاجتماعي الفلسطيني، وإن كانت المقارنة بين الشخصيتين لا تعني تطابق تجربتيهما أو ظروفهما.
كان ظافر المصري شخصية اقتصادية واجتماعية بارزة في نابلس، وترأس غرفة التجارة والصناعة، وشارك في العمل البلدي، ثم تولى رئاسة البلدية في مرحلة شديدة التعقيد في منتصف الثمانينيات. وقد ارتبط اسمه لدى قطاعات من أهل المدينة بفكرة استعادة الدور الفلسطيني في إدارة شؤونها اليومية، وتحسين الخدمات، والعمل من أجل صمود الناس على أرضهم.
وتشير السيرة المنشورة في مركز المعلومات الوطني الفلسطيني إلى أنه حظي بتأييد شعبي واسع خلال مساعيه لإعادة تفعيل البلدية، وأن اغتياله في 2 مارس/آذار 1986 شكّل محطة مؤلمة في التاريخ الفلسطيني. ولا تزال تلك التجربة حاضرة في الذاكرة الوطنية بوصفها مثالاً على تداخل العمل الاقتصادي والاجتماعي والبلدي مع الصراع السياسي تحت الاحتلال.
أما بشار المصري، فتنبع المقارنة معه اليوم من خلفيته الاقتصادية ومن الاهتمام المتزايد الذي أظهرته بعض نتائج الاستطلاع بقوائم مستقلة وشخصيات مرتبطة بالتنمية والإدارة. ويمكن القول إن هناك تشابهاً في نوع الأسئلة التي تطرحها التجربتان حول دور الشخصيات الاقتصادية والاجتماعية في المجال العام، لكن لا يجوز افتراض أن الشعبية الحالية للمصري تعادل شعبية ظافر المصري التاريخية، أو أن الظروف السياسية والمؤسسية متطابقة.
والفارق الأساسي أن ظافر المصري ارتبط بتجربة بلدية في ظل الاحتلال، بينما يبرز اسم بشار المصري في سياق اختبار انتخابي يتعلق بمستقبل المجلس التشريعي والنظام السياسي الفلسطيني. كما أن قياس شعبية شخصية معاصرة باستطلاع لا يعادل التقييم التاريخي لمكانة شخصية ارتبطت بتجربة وطنية محددة.
لماذا أُجلت الانتخابات؟ وهل كانت الاستطلاعات سبباً في ذلك؟
في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2026، أُعلن تأجيل الانتخابات التشريعية التي كانت مقررة في 28 نوفمبر/تشرين الثاني إلى 11 سبتمبر/أيلول 2027، بالتزامن مع الانتخابات الرئاسية.
وبررت القيادة الفلسطينية القرار بتغير الظروف التي أُعلنت الانتخابات في ظلها، وبالعقبات المرتبطة بالاحتلال، والقيود على حركة لجنة الانتخابات والمراقبين، والظروف الأمنية والإنسانية في قطاع غزة، واستمرار الوجود العسكري الإسرائيلي، وعدم تهيؤ الظروف اللازمة لإجراء انتخابات شاملة وحرة ونزيهة، ولا سيما في القدس الشرقية وغزة.
هذه مبررات معلنة ينبغي تقييمها في ضوء الوقائع والإمكانات القانونية والعملية. وفي المقابل، فإن قرار التأجيل أثار أسئلة سياسية بشأن تجديد الشرعية، والالتزام بالمواعيد الانتخابية، ومدى الثقة بقدرة النظام السياسي على فتح المجال أمام التنافس والتغيير.
أما السؤال عما إذا كانت الاستطلاعات قد دفعت إلى التأجيل، فالإجابة المهنية تقتضي التمييز بين ثلاثة مستويات:
أولاً، ما هو ثابت: أظهرت الاستطلاعات تراجع التأييد الحزبي التقليدي، واتساع قاعدة غير المنتمين إلى الفصائل، وصعود قوائم مستقلة في بعض سيناريوهات التصويت.
ثانياً، ما يمكن تحليله سياسياً: من الطبيعي أن تتابع القيادات السياسية استطلاعات الرأي وأن تضع موازين القوى في حساباتها، لكن لا تتوافر في المعلومات المنشورة التي استند إليها هذا التحليل أدلة مباشرة تثبت أن تقدم قائمة بشار المصري أو تراجع قائمة فتح الرسمية كان سبباً في إصدار مرسوم التأجيل.
ثالثاً، ما لا يجوز الجزم به: لا يمكن القول إن الانتخابات أُجلت خوفاً من فوز المصري أو من خسارة فتح، ما لم تظهر وثائق أو شهادات موثوقة تثبت ذلك. كما أن تزامن صدور القرار مع اليوم الأخير لجمع بيانات الاستطلاع لا يثبت أن القيادة كانت قد اطلعت على النتائج أو بنت قرارها عليها.
ومع ذلك، يبقى التساؤل السياسي مشروعاً: هل كانت العقبات الخارجية وحدها كافية لتبرير التأجيل، أم أن اعتبارات داخلية تتعلق بتوازنات القوى ومستقبل القيادة أسهمت أيضاً في الحسابات السياسية؟ هذا سؤال يحتاج إلى أدلة مستقلة، ولا تحسمه الأرقام وحدها.
أزمة ثقة أم انتقال إلى مرحلة سياسية جديدة؟
إن تراجع التأييد للفصائل التقليدية لا يعني نهاية فتح أو حماس، لكنه يكشف عن حاجة ملحة إلى مراجعة الأداء وتجديد القيادات والبرامج. كما أن صعود القوائم المستقلة لا يعني تلقائياً أنها أكثر كفاءة أو نزاهة؛ فالاستقلال التنظيمي لا يغني عن الشفافية والمساءلة، ولا يعفي المرشحين من تقديم برنامج وطني قابل للتنفيذ.
والاختبار الحقيقي أمام أي قائمة هو قدرتها على الربط بين التنمية الاقتصادية والتحرر الوطني، وبين إدارة الخدمات وبناء مؤسسات الدولة، وبين استقطاب الاستثمار وحماية المال العام. فلا يمكن فصل التعافي الاقتصادي عن الاحتلال والقيود المفروضة على الحركة والتجارة والموارد، كما لا يمكن بناء ثقة مستدامة من دون مؤسسات خاضعة للقانون.
إن تأجيل الانتخابات إلى سبتمبر 2027 يضع القيادة الفلسطينية أمام مسؤولية سياسية ومؤسسية واضحة: تحديد جدول زمني شفاف، وضمان تكافؤ الفرص، وتوفير شروط المشاركة في القدس الشرقية وقطاع غزة، وحماية الحريات العامة، وتمكين الرقابة المستقلة، وعدم تحويل التأجيل إلى حالة مفتوحة بلا ضمانات.
الخلاصة
تكشف استطلاعات ما قبل التأجيل عن اتساع الطلب على بدائل سياسية وإدارية، وعن اهتمام متزايد بالكفاءة الاقتصادية وإعادة الإعمار ومكافحة الفساد. ويستحق تقدم بشار المصري في بعض سيناريوهات التصويت الدراسة، كما تستحق المقارنة التاريخية مع ظافر المصري قراءة متأنية تستند إلى الوقائع، لا إلى التشابه في الاسم أو الخلفية الاقتصادية وحدهما.
لكن السؤال الأهم ليس ما إذا كان المصري سيتقدم في استطلاع آخر، ولا ما إذا كانت شعبية القوائم المستقلة ستتوسع فحسب؛ بل ما إذا كان النظام السياسي الفلسطيني سيستجيب لمطالب الإصلاح والتجديد، ويتيح للناخبين اختيار ممثليهم في انتخابات حرة ونزيهة، ويضمن أن تكون السلطة خاضعة للمساءلة.
فلا شرعية دائمة من دون تجديد ديمقراطي، ولا إصلاح حقيقياً من دون سيادة القانون، ولا تنمية مستدامة من دون إنهاء الاحتلال وبناء مؤسسات فلسطينية موحدة وقادرة على خدمة المواطنين.
المعيار الوطني لا ينبغي أن يكون الانتماء إلى فصيل أو الاستقلال عنه، ولا الثروة أو الشهرة، بل البرنامج والكفاءة والنزاهة والالتزام بالمشروع الوطني الفلسطيني وسيادة القانون.