حرب اليمن وأمن الخليج العربي: خيارات السعودية وحلفائها ومخاطر اتساع المواجهة

إعداد وتقرير: المحامي علي أبو حبلة

أكتوبر 16, 2026 - 09:55
حرب اليمن وأمن الخليج العربي: خيارات السعودية وحلفائها ومخاطر اتساع المواجهة

حرب اليمن وأمن الخليج العربي: خيارات السعودية وحلفائها ومخاطر اتساع المواجهة
إعداد وتقرير: المحامي علي أبو حبلة
لم تعد الحرب في اليمن أزمة محلية أو مواجهة محصورة بين أطراف يمنية، بل باتت تمثل أحد أبرز مصادر التهديد لأمن الخليج العربي واستقرار المنطقة، بالنظر إلى ارتباطها بأمن المملكة العربية السعودية، وحركة الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب، واستقرار أسواق الطاقة والتجارة والاستثمار. ومع تصاعد الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة، تتزايد المخاوف من اتساع المواجهة وتحولها إلى صراع إقليمي يصعب احتواء تداعياته.
وتكشف التطورات أن السعودية تواجه معادلة أمنية وسياسية معقدة: حماية أراضيها ومنشآتها الحيوية ومواطنيها، ومنع تحول اليمن إلى مصدر تهديد دائم، من دون الانزلاق إلى حرب استنزاف جديدة تستنزف الموارد وتضاعف الأعباء الاقتصادية والإنسانية.
الموقف الأميركي والغربي والإسرائيلي من الحرب وتداعياتها
يكشف الموقف الأميركي والغربي والإسرائيلي من الحرب في اليمن عن تداخل واضح بين الاعتبارات الأمنية والسياسية والاستراتيجية. فالولايات المتحدة والدول الغربية تنظر إلى أمن الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب بوصفه جزءاً من حماية التجارة الدولية وإمدادات الطاقة، كما تربط أي تهديد للممرات البحرية بأمن حلفائها ومصالحها الاقتصادية والعسكرية. وفي الوقت نفسه، تحاول واشنطن والعواصم الغربية الموازنة بين دعم الشركاء الإقليميين، واحتواء الهجمات، وتجنب الانجرار إلى حرب إقليمية واسعة يصعب التحكم في مساراتها.
أما إسرائيل، فتتعامل مع التطورات من منظور أمني يرتبط بحماية موانئها ومصالحها البحرية، وبمنع تحول البحر الأحمر إلى جبهة إضافية ضمن الصراع الإقليمي. وقد أدى ذلك إلى تعزيز التعاون الأمني والاستخباراتي مع الولايات المتحدة وبعض الدول الغربية، وإلى طرح ترتيبات عسكرية لحماية الملاحة ومواجهة الصواريخ والطائرات المسيّرة. غير أن هذا الانخراط، مهما اتخذ من عناوين دفاعية، يثير مخاوف من توسيع نطاق المواجهة وربط الساحة اليمنية مباشرة بالصراع الأوسع في المنطقة.
وتتسم التغطية الإعلامية الأميركية والغربية بدرجات متفاوتة من التركيز على أمن الملاحة والهجمات التي تستهدف السفن والمنشآت، مع حضور أقل، في كثير من الأحيان، للأبعاد الإنسانية والسياسية للحرب اليمنية. كما تميل بعض وسائل الإعلام إلى تقديم الصراع من زاوية التنافس بين القوى الإقليمية أو مواجهة النفوذ الإيراني، بدلاً من إبراز جذور الأزمة اليمنية ومعاناة المدنيين ومسؤولية الأطراف المختلفة عن استمرار الحرب. وفي المقابل، تبرز أصوات صحفية وحقوقية غربية تنتقد ازدواجية المعايير، وتطالب بوقف التصعيد، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وإعطاء الأولوية للحل السياسي وحماية المدنيين.
أما الإعلام الإسرائيلي، فيركز غالباً على المخاطر التي تهدد أمن إسرائيل والملاحة المرتبطة بها، وعلى احتمال فتح جبهات متعددة ضدها، بينما يحظى البعد الفلسطيني للحرب والتصعيد الإقليمي باهتمام انتقائي يتأثر بالسردية الأمنية الإسرائيلية. ويؤدي هذا التركيز إلى تهميش النقاش حول الاحتلال وحقوق الشعب الفلسطيني، وإلى تصوير التطورات باعتبارها تهديداً أمنياً مجرداً، بعيداً عن سياقها السياسي والإنساني الأوسع.
وتنعكس هذه المواقف والتغطيات بصورة مباشرة على القضية الفلسطينية. فكلما اتسعت الحرب في اليمن والبحر الأحمر، تراجع الاهتمام الدولي والإعلامي بالاحتلال الإسرائيلي والعدوان على الفلسطينيين، وتحولت القضية الفلسطينية إلى ملف ثانوي ضمن أجندة الأمن الإقليمي وحماية الملاحة. كما قد تستخدم إسرائيل وحلفاؤها التصعيد الإقليمي لتبرير مزيد من الإجراءات العسكرية والأمنية، ولإعادة تقديم الصراع الفلسطيني الإسرائيلي باعتباره جزءاً من مواجهة أوسع مع قوى إقليمية، بدلاً من كونه قضية شعب واقع تحت الاحتلال ويطالب بحقوقه الوطنية المشروعة.
ومن جهة أخرى، فإن استمرار الحرب وتعدد الجبهات يمنح إسرائيل فرصة لتوسيع علاقاتها الأمنية مع دول عربية وغربية، تحت عنوان مواجهة التهديدات المشتركة، بما قد يؤدي إلى تطبيع التعاون العسكري والأمني على حساب أولوية إنهاء الاحتلال وتحقيق حل عادل للقضية الفلسطينية. كما أن انشغال الرأي العام العربي والدولي بالأزمات المتلاحقة قد يضعف الضغط السياسي على إسرائيل، ويحد من فرص فرض وقف إطلاق النار أو محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات في الأراضي الفلسطينية.
الموقف الأميركي وحدود التحالف الاستراتيجي
تثير محدودية الانخراط العسكري الأميركي المباشر تساؤلات حول طبيعة الضمانات الأمنية التي يمكن أن تعتمد عليها الرياض في مواجهة التهديدات المتصاعدة. فالتحالف السعودي الأميركي ما زال ذا أهمية استراتيجية، خصوصاً في مجالات التسليح والدفاع الجوي والاستخبارات والتعاون الأمني، لكن المصالح المشتركة لا تعني بالضرورة تطابقاً كاملاً في تقدير المخاطر أو الاستعداد لخوض مواجهة عسكرية مباشرة.
ومن هنا، لا ينبغي للسعودية أن تتعامل مع العلاقة بواشنطن باعتبارها ضمانة مطلقة، كما لا يصح افتراض أن الولايات المتحدة ستتخلى عن مصالحها الخليجية. الأرجح أن واشنطن ستواصل الموازنة بين حماية شركائها، وتجنب حرب إقليمية واسعة، والحفاظ على مواردها العسكرية في ظل تعدد بؤر التوتر الدولية.
وهذا يفرض على الرياض تطوير مفهوم أكثر استقلالية للأمن الوطني، يقوم على تعزيز القدرات الدفاعية الذاتية، وتنويع الشراكات، وتوسيع التنسيق الخليجي والعربي، مع الإبقاء على التعاون الاستراتيجي مع الولايات المتحدة.
الخيارات السعودية: بين الردع والتفاوض
أمام السعودية وحلفائها مجموعة من الخيارات، لكل منها كلفته ومخاطره.
أولاً: تعزيز الردع والدفاع عن المنشآت الحيوية. ويشمل ذلك تطوير منظومات الدفاع الجوي ومواجهة الطائرات المسيّرة، وحماية المطارات والموانئ ومنشآت الطاقة وشبكات الاتصالات، وتحسين تبادل المعلومات والإنذار المبكر. وهذا الخيار ضروري لحماية المدنيين والبنية التحتية، لكنه لا يعالج وحده جذور الصراع ولا يمنع تكرار الهجمات بصورة دائمة.
ثانياً: توسيع التنسيق مع الحلفاء الإقليميين. تستطيع السعودية الاستفادة من التعاون مع دول مجلس التعاون الخليجي، وتعزيز الشراكات الأمنية مع الدول العربية والإسلامية، بما فيها مصر وباكستان وتركيا، وفقاً لمصالح كل دولة والتزاماتها الفعلية. غير أن بناء تحالفات سياسية لا يعني تلقائياً وجود استعداد للمشاركة في عمليات عسكرية، كما أن أي ترتيبات دفاعية يجب أن تكون واضحة في أهدافها وحدودها ومسؤوليات أطرافها.
ثالثاً: دعم القوى اليمنية الشرعية ضمن إطار سياسي واضح. إن مساندة مؤسسات الدولة اليمنية وتوحيد الجهود المناهضة للحوثيين قد تسهم في تعزيز قدرة اليمن على استعادة مؤسساته، شريطة ألا تتحول الساحة اليمنية إلى ميدان لتنافس القوى المحلية والإقليمية، أو إلى صراع مفتوح بلا أفق سياسي.
رابعاً: إعطاء الدبلوماسية فرصة جدية. فالتفاوض المباشر أو عبر وساطات إقليمية ودولية ليس تنازلاً عن الأمن، بل أداة لتقليل المخاطر عندما يقترن بضمانات قابلة للتحقق، ووقف الهجمات، وحماية الحدود والمنشآت المدنية، واحترام سيادة اليمن ووحدته. وتبقى التسوية السياسية الشاملة، التي تعالج أسباب النزاع وتضمن مشاركة اليمنيين في تقرير مستقبلهم، الخيار الأكثر استدامة من الناحية الاستراتيجية.
خطورة استمرار الحرب وانعكاساتها على الخليج
إن استمرار الحرب من دون أفق سياسي يهدد بتوسيع دائرة المخاطر على أكثر من مستوى. فعلى الصعيد الأمني، قد يؤدي تكرار الهجمات إلى استنزاف منظومات الدفاع والذخائر، ورفع كلفة حماية الأجواء والمنشآت الحيوية، وزيادة احتمالات وقوع أضرار بشرية ومادية.
وعلى الصعيد الاقتصادي، فإن تهديد الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب ينعكس على سلاسل الإمداد وتكاليف الشحن والتأمين وأسعار الطاقة، كما يمكن أن يؤثر في ثقة المستثمرين والسياحة وحركة الطيران. وقد تتحول هذه التداعيات إلى أعباء طويلة الأمد على اقتصادات الخليج، حتى في حال عدم توسع المواجهة إلى حرب شاملة.
أما الخطر الاستراتيجي الأكبر، فيتمثل في انتقال الصراع من مواجهة محدودة إلى اشتباك إقليمي تتداخل فيه ساحات اليمن والبحر الأحمر والخليج، مع احتمال انخراط أطراف أخرى بصورة مباشرة أو غير مباشرة. وفي مثل هذا السيناريو، لن تكون الخسائر محصورة بدولة واحدة، بل ستمتد إلى الأمن العربي والمصالح الدولية واستقرار المنطقة بأكملها.
أين يقف مجلس التعاون الخليجي والجامعة العربية؟
إن التحدي الراهن يضع مجلس التعاون الخليجي أمام اختبار حقيقي لقدرة دوله على الانتقال من التنسيق السياسي إلى منظومة أمنية أكثر تكاملاً، تقوم على تبادل المعلومات، والإنذار المبكر، وحماية المنشآت الحيوية، والتنسيق في مواجهة الصواريخ والطائرات المسيّرة، وإدارة الأزمات وفق خطط مشتركة.
وفي المقابل، لا يجوز أن تبقى الجامعة العربية محصورة في بيانات التضامن والإدانة. فالمطلوب تحرك دبلوماسي منظم، واتصالات مع الأطراف المعنية، ومبادرة عربية لتثبيت التهدئة وحماية الملاحة، مع دعم تسوية يمنية تحفظ وحدة البلاد وسيادتها وتمنع استخدامها منصة لتهديد دول الجوار.
ويجب أن يستند أي تحرك عربي إلى احترام القانون الدولي، وحماية المدنيين، ورفض استهداف المنشآت المدنية، ومنع توسيع الحرب، لأن أمن الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومي العربي.
هل تتجه دول الخليج نحو الصين وبدائل استراتيجية؟
توسيع العلاقات مع الصين وروسيا والدول الأوروبية، وتعزيز الشراكات الدفاعية والتكنولوجية مع قوى إقليمية، يمثل خياراً مشروعاً لتنويع مصادر القوة وتقليل الاعتماد على طرف واحد. لكن هذا التوجه لا يعني أن الصين تستطيع، في المدى القريب، أن تحل بصورة كاملة محل الولايات المتحدة في جميع وظائف التعاون الدفاعي والاستخباراتي والعسكري.
والأجدى أن تعتمد دول الخليج سياسة متعددة المسارات: شراكة أمنية مع الولايات المتحدة، وعلاقات اقتصادية واستراتيجية متقدمة مع الصين، وتعاون دفاعي وتقني مع شركاء آخرين، بالتوازي مع بناء قدرات خليجية مشتركة. فالاستقلال الاستراتيجي لا يتحقق بمجرد تغيير الحليف، وإنما ببناء قدرة وطنية وإقليمية على اتخاذ القرار وحماية المصالح.
نحو استراتيجية خليجية تمنع الحرب الشاملة
إن حماية أمن السعودية والخليج لا تتحقق بالتصعيد العسكري وحده، كما لا تتحقق بالتعويل الكامل على القوى الخارجية. المطلوب استراتيجية متكاملة تجمع بين الردع الدفاعي، والتنسيق الخليجي والعربي، والدبلوماسية الفاعلة، ودعم التسوية السياسية في اليمن، وحماية الممرات البحرية الدولية.
ويظل اليمن المستقر والموحد، القادر على إدارة شؤونه بعيداً عن التدخلات والصراعات الإقليمية، مصلحة استراتيجية للسعودية ودول الخليج والمنطقة كلها. أما استمرار الحرب، فإنه يفتح الباب أمام مزيد من الاستنزاف وعدم الاستقرار، ويمنح الأطراف المتنافسة فرصاً لتوسيع نفوذها على حساب أمن الشعوب ومصالح الدول.
إن اللحظة الراهنة تتطلب قرارات محسوبة، لا ردود فعل متسرعة؛ وتعاوناً إقليمياً حقيقياً، لا رهانات أحادية؛ ومساراً سياسياً يضع حداً للحرب قبل أن تتجاوز تداعياتها حدود اليمن والخليج إلى المنطقة بأسرها. كما تتطلب إبقاء القضية الفلسطينية في صدارة الاهتمام العربي والدولي، ورفض تحويل التصعيد الإقليمي إلى ذريعة لتهميش حقوق الشعب الفلسطيني أو تكريس الاحتلال، والتأكيد أن أمن المنطقة لا يمكن أن يتحقق من دون إنهاء الاحتلال، ووقف العدوان، وضمان حق الفلسطينيين في الحرية والاستقلال وتقرير المصير.