مجلس الحكماء: من فكرة تاريخية إلى مؤسسة للخبرة والاتزان في الحياة العامة
إعداد: المحامي علي أبو حبلة
مجلس الحكماء: من فكرة تاريخية إلى مؤسسة للخبرة والاتزان في الحياة العامة
إعداد: المحامي علي أبو حبلة
ليست فكرة مجلس الحكماء وليدة الدولة الحديثة، ولا هي مرتبطة بحزب أو حركة أو مرحلة سياسية بعينها؛ فهي تعبير عن حاجة قديمة لدى المجتمعات إلى الرجوع إلى أصحاب الخبرة والرأي والتجربة عندما تواجه أزمات تتجاوز الحسابات اليومية والمصالح الآنية. غير أن مفهوم «الحكمة السياسية» تطور عبر التاريخ من مجالس كبار السن والوجهاء إلى مؤسسات دستورية واستشارية أكثر تنظيماً، وأصبح في الدولة الحديثة مرتبطاً بالخبرة والمشورة والوساطة، لا باحتكار السلطة.
جذور تاريخية
عرفت المدن اليونانية القديمة صوراً متعددة من مجالس كبار المواطنين. ومن أبرز النماذج مجلس الجيروسيا في إسبرطة، الذي ارتبط بكبار السن وكان له دور سياسي وقضائي مهم. غير أن هذا النموذج كان جزءاً من نظام سياسي مختلف جذرياً عن الديمقراطية الحديثة، ولذلك فإن الاستفادة منه اليوم تكون في فكرة الخبرة والاتزان، وليس في نقل بنيته السياسية.
أما أفلاطون، فقد منح مفهوم الحكمة السياسية بعداً فلسفياً عميقاً في كتاب «الجمهورية». فهو لم ينشئ «مجلس حكماء» بالمفهوم المؤسسي المعاصر، وإنما بحث في سؤال جوهري: من ينبغي أن يحكم، وما الصفات التي يجب أن تتوافر في الحاكم؟ وانتهى في تصوره للمدينة العادلة إلى أهمية المعرفة والحكمة والفضيلة فيمن يتولى الحكم، وطرح نموذج «الحكام الفلاسفة». �
ستانفورد قاموس الفلسفة +١
ومن المهم هنا عدم إسقاط مفهوم «مجلس الحكماء» الحديث على أفلاطون بصورة حرفية؛ فالمدينة التي تصورها كانت نموذجاً فلسفياً مثالياً، وليست دستوراً انتخابياً بالمعنى المعاصر. كما أن تصور أفلاطون لتركيز المعرفة والسلطة في طبقة الحكام تعرض لاحقاً لنقد واسع، ولا سيما من زاوية مخاطر تركيز السلطة وغياب الضوابط الديمقراطية عليها. �
ستانفورد قاموس الفلسفة
ثم تطورت الفكرة في التاريخ السياسي من مجالس كبار السن والوجهاء إلى مجالس الشيوخ والمؤسسات النيابية، وصولاً إلى الدولة الدستورية الحديثة، حيث أصبح الفصل بين السلطات والانتخاب والمساءلة وسيادة القانون هي الأساس.
ومن هنا يمكن استخلاص تطور تاريخي واضح:
مجلس كبار السن والوجهاء → مجالس الشورى والرأي → مجالس الشيوخ القديمة → الفكر الفلسفي في الحكم والحكمة → المؤسسات الدستورية الحديثة → المجالس الاستشارية ومجالس الخبراء.
ما المقصود بمجلس الحكماء اليوم؟
في السياق المعاصر، لا ينبغي أن يكون مجلس الحكماء سلطة فوق السلطات، ولا هيئة بديلة عن البرلمان أو الحكومة أو القضاء، ولا إطاراً يمنح الشرعية لأشخاص أو تنظيمات.
المفهوم الأكثر اتزاناً هو أن يكون هيئة وطنية استشارية مستقلة، تجمع أشخاصاً يمتلكون الخبرة والتجربة والنزاهة، وتكون مهمتها تقديم الرأي، والمساعدة في معالجة الأزمات، وتقريب وجهات النظر، والمساهمة في بناء التوافق الوطني.
فالحكمة هنا ليست امتيازاً للعمر، ولا لقباً اجتماعياً، ولا مكافأة سياسية؛ وإنما مسؤولية تقوم على المعرفة والتجربة والنزاهة والقدرة على وضع المصلحة العامة فوق المصلحة الخاصة.
من يستحق عضوية مجلس الحكماء؟
إذا أردنا أن يكون المجلس جديراً باسمه، فإن عضويته يجب ألا تقوم على المحاصصة أو المجاملة أو الأقدمية التنظيمية وحدها.
ومن أهم الشروط التي يمكن اعتمادها:
أولاً: النزاهة والاستقامة الشخصية.
فلا يمكن لمن ارتبط اسمه باستغلال الموقع العام أو تضارب المصالح أن يكون مرجعاً للحكمة والمشورة.
ثانياً: الخبرة المتراكمة.
الحكمة لا تأتي من العمر وحده، وإنما من تجربة طويلة في القانون أو السياسة أو الإدارة أو الاقتصاد أو التعليم أو الثقافة أو العمل الوطني والمجتمعي.
ثالثاً: الاستقلالية.
لا ينبغي أن يكون عضو مجلس الحكماء أسيراً لمصلحة حزبية أو مالية أو شخصية تحول دون قدرته على قول ما يراه صواباً.
رابعاً: المعرفة.
المجلس ليس تجمعاً للوجاهات الاجتماعية، بل هيئة للخبرة؛ ولذلك ينبغي أن تتوافر لدى أعضائه معرفة حقيقية بمجالات اختصاصهم.
خامساً: القدرة على الاستماع.
الحكيم ليس من يملك الإجابة دائماً، وإنما من يستطيع الاستماع إلى الرأي الآخر وفهم دوافعه قبل إصدار حكمه.
سادساً: الاتزان وعدم الانفعال.
دور المجلس يبرز خصوصاً في لحظات الأزمات، ولذلك يجب أن يكون أعضاؤه قادرين على الفصل بين الوقائع والمشاعر، وبين الاختلاف السياسي والخصومة الشخصية.
سابعاً: احترام القانون والمؤسسات.
لا معنى لمجلس حكماء إذا تحول إلى مؤسسة تتجاوز القضاء أو البرلمان أو الحكومة.
ثامناً: الجرأة الأخلاقية.
الحكمة لا تعني الصمت. وقد تكون مسؤولية الحكيم أن يقول للحليف ما لا يريد سماعه، وأن ينبه إلى الخطأ ولو صدر عن جهة قريبة منه.
تاسعاً: عدم السعي إلى السلطة.
من أهم شروط الحكمة السياسية ألا تكون العضوية جسراً إلى منصب أو نفوذ أو امتياز.
عاشراً: الإيمان بالتعددية.
مجلس الحكماء لا يجمع أشخاصاً متطابقين في الرأي، وإنما يجمع أصحاب خبرة قادرين على الاختلاف دون تحويل الاختلاف إلى خصومة أو إقصاء.
الحكمة ليست بديلاً عن الديمقراطية
هنا تكمن المسألة الأهم.
لا يجوز استخدام فكرة مجلس الحكماء للقول إن أصحاب الخبرة أحق من المواطنين في اختيار ممثليهم. هذه الفكرة، لو طبقت على نحو مطلق، تنقلنا من حكم القانون والمؤسسات إلى حكم النخبة.
وهذا هو أحد الدروس التي يمكن استخلاصها من قراءة التجربة الفلسفية القديمة: المعرفة مهمة في الحكم، لكن تركيز السلطة في أيدي قلة يثير بالضرورة سؤال الرقابة والمساءلة ومنع إساءة استخدام السلطة. وهذا النقاش حاضر بوضوح في الدراسات الحديثة لفلسفة أفلاطون السياسية. �
ستانفورد قاموس الفلسفة +١
لذلك فإن الصيغة المعاصرة ينبغي أن تقوم على معادلة مختلفة:
الشعب يمنح الشرعية بالانتخاب، والمؤسسات تمارس اختصاصاتها بالقانون، ومجلس الحكماء يقدم الخبرة والمشورة.
مجلس الحكماء والحياة السياسية الفلسطينية
في الحالة الفلسطينية، يمكن أن يأخذ المفهوم بعداً مهماً إذا جرى وضعه في إطاره الصحيح.
فالمطلوب ليس إضافة جسم سياسي جديد إلى أجسام قائمة، وإنما إنشاء مساحة وطنية للخبرة والحوار يمكن اللجوء إليها عندما تتعقد الخلافات أو تتطلب القضايا المصيرية رأياً يتجاوز الحسابات الفصائلية الضيقة.
ويمكن أن يضم المجلس شخصيات قانونية وأكاديمية واقتصادية وسياسية وثقافية واجتماعية، مع مراعاة تمثيل المرأة والكفاءات الشابة وأصحاب التجارب المتراكمة.
لكن ينبغي أن يكون واضحاً أن المجلس لا ينتخب أعضاء المجلس التشريعي، ولا يعين الحكومة، ولا يحل محل منظمة التحرير، ولا يتدخل في القضاء.
وإذا أنشأت حركة سياسية «مجلس حكماء» داخلياً، فيمكن أن تكون مهمته المساعدة في تقييم واختيار المرشحين الذين تقترحهم الحركة للانتخابات، وفق معايير معلنة للكفاءة والنزاهة والخبرة والقدرة على التشريع والرقابة.
أما القرار النهائي بشأن عضوية المجلس التشريعي، فيبقى للناخب الفلسطيني.
وهنا تظهر القيمة الحقيقية للمفهوم: مجلس الحكماء يمكن أن يكون أداة لتحسين نوعية المرشحين، لكنه لا يجوز أن يكون بديلاً عن الإرادة الشعبية.
الخلاصة
مجلس الحكماء، في جوهره، ليس مجلساً لكبار السن، ولا نادياً للنخب، ولا هيئة للزعامات، ولا سلطة موازية للمؤسسات الدستورية.
إنه، في صورته المعاصرة المقترحة، مجلس للخبرة والضمير الوطني والمشورة الرشيدة.
وإذا كان التاريخ قد عرف مجالس للشيوخ والوجهاء، وإذا كان أفلاطون قد جعل الحكمة والمعرفة شرطاً أساسياً في الحكم العادل، فإن الدولة الحديثة أضافت درساً لا يقل أهمية: لا حكمة بلا قانون، ولا شرعية بلا إرادة شعبية، ولا سلطة بلا مساءلة.
ومن هنا فإن نجاح أي «مجلس حكماء» لا يقاس بعدد أعضائه أو أسمائهم، وإنما بقدرته على أن يكون مستقلاً، نزيهاً، متجرداً، قادراً على قول الحقيقة، وحريصاً على حماية المؤسسات بدلاً من منافستها.
فالحكيم الحقيقي ليس من يطلب أن يحكم، وإنما من يمتلك الخبرة التي تساعد من يحكم، والصدق الذي يصحح له، والنزاهة التي تمنعه من تحويل النصيحة إلى نفوذ أو مصلحة.



