حين يصبح فنجان القهوة شاهداً على الخوف الفلسطيني

في يوم القهوة العالمي.. عائلات فلسطينية تسهر لا انتظاراً للصباح بل خشيةً مما قد يحمله

أكتوبر 3, 2026 - 14:43
حين يصبح فنجان القهوة شاهداً على الخوف الفلسطيني

حين يصبح فنجان القهوة شاهداً على الخوف الفلسطيني
في يوم القهوة العالمي.. عائلات فلسطينية تسهر لا انتظاراً للصباح بل خشيةً مما قد يحمله

إعداد وتقرير: المحامي علي أبو حبلة

للقهوة في الذاكرة الفلسطينية حكاية تتجاوز مذاقها ورائحتها. هي فنجان الضيف، ورفيقة الصباح، وطقس الأهل والأصدقاء، ورمز من رموز الكرم والطمأنينة. لكن في قرى فلسطينية تتعرض لاعتداءات المستوطنين وإغلاق الطرق ومحاولات التضييق على السكان، يمكن أن يتحول الفنجان نفسه إلى شيء آخر: وسيلة لمقاومة النوم، وانتظاراً لليلة تمر من دون اقتحام أو اعتداء.

في الأول من تشرين الأول/أكتوبر، يحتفل العالم بيوم القهوة العالمي، بينما تعيش عائلات فلسطينية في الضفة الغربية واقعاً لا يشبه الصورة التقليدية لهذا اليوم. فهناك من يرفع فنجانه في الصباح احتفالاً، وهناك من يرفعه في منتصف الليل حتى يبقى يقظاً أمام منزله وأرضه وأغنامه وأطفاله.

هذه المفارقة تختصر جانباً من المشهد الفلسطيني الراهن.

وفي قرية أم صفا، شمال غرب رام الله، لم يعد الخوف شعوراً عابراً بالنسبة لبعض العائلات التي وجدت نفسها أمام واقع من العزلة والقيود والاعتداءات. فقد وثقت الأمم المتحدة اتساع نطاق هجمات المستوطنين في الضفة الغربية خلال عام 2026، مشيرة إلى تسجيل أكثر من 1600 هجوم حتى منتصف أيلول، طالت آثارها 275 تجمعاً فلسطينياً، وهو رقم يقارب ما سُجل خلال عام 2025 بأكمله.

أما أم صفا، فقد أصبحت واحدة من القرى التي تعكس هذا الواقع بوضوح. فقد وثقت الأمم المتحدة ارتفاع عدد الهجمات المسجلة فيها منذ عام 2023، بالتزامن مع إقامة بؤر استيطانية وتوسيعها وفرض قيود مادية على حركة السكان والوصول إلى الأراضي الزراعية. وأشارت إلى أن الخوف من الهجمات والعوائق المفروضة على الحركة أثرا بصورة مباشرة في قدرة عشرات الأسر على الوصول المنتظم إلى أراضيها ومصادر رزقها.

وخلال الأسابيع الأخيرة، تحدثت تقارير محلية عن هجمات استهدفت منزل المواطن محمد العبيات في أم صفا، وعن إقامة خيمة استيطانية بالقرب من منازل السكان، ثم نصب بوابة حديدية قرب منزل العائلة وتشديد العزلة المفروضة عليها.

وهنا تبدو قصة القهوة أكثر من مجرد تفصيل إنساني.

فالعائلة التي تخشى مغادرة المنزل، أو لا تستطيع الوصول بسهولة إلى الحقول، أو تخشى أن يأتي الليل بحركة غير مأمونة في محيطها، تحتاج إلى البقاء يقظة. يصبح الليل طويلاً، ويصبح الفنجان رفيقاً للانتظار، وتتحول العادة الاجتماعية الجميلة إلى جزء من اقتصاد الخوف.

إنها قهوة تُشرب على وقع الترقب.

والأخطر أن الاعتداء لا يقتصر على الإنسان وحده؛ فحين يُمنع المزارع من الوصول إلى أرضه، أو تتعرض الأشجار للتلف، أو تُسرق المحاصيل، أو تتضرر منشآت المياه والكهرباء، فإن الاستهداف يمس دورة الحياة بأكملها.

وقد وثق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية خلال الفترة الأخيرة عشرات الاعتداءات التي طالت الأراضي الزراعية والمحاصيل والأشجار والبنية التحتية، بما في ذلك إتلاف مئات الأشجار، وتضرر شبكات المياه والكهرباء، والاعتداء على المنازل والمركبات والممتلكات المدنية.

وليس موسم الزيتون بعيداً عن هذه الصورة. ففي أم صفا نفسها، أفادت تقارير في 28 أيلول بسرقة ثمار الزيتون من أراضٍ زراعية في القرية، في وقت يستعد فيه الفلسطينيون لموسم يرتبط في وجدانهم بالأرض والرزق والهوية.

وهكذا، فإن المعركة اليومية لا تدور فقط حول منزل أو شجرة أو طريق.

إنها تدور حول حق الإنسان في أن يعيش حياته الطبيعية دون خوف.

فالطفل الذي يذهب إلى المدرسة، والمزارع الذي يتوجه إلى أرضه، والراعي الذي يبحث عن مرعى لأغنامه، والأم التي تريد الوصول إلى الطبيب، كلها تفاصيل تبدو عادية في أي مجتمع؛ لكنها تصبح في بعض المناطق الفلسطينية رحلة محفوفة بالعوائق والقلق.

ولعل ما جرى في قرية جلود جنوب نابلس يقدم مثالاً صارخاً على هشاشة هذا الواقع؛ فقد هاجم مستوطنون العائلة أثناء محاولتها العودة إلى منزلها، وأُحرقت منازل ومركبة، وانتهت المحاولة بإخراج العائلة من المكان مجدداً. وقد وثقت وكالة رويترز الواقعة في 29 أيلول/سبتمبر.

من هنا، لا ينبغي أن يكون يوم القهوة العالمي مناسبة للاحتفال بالمشروب فقط، بل فرصة للتوقف أمام المفارقة الإنسانية: كيف يمكن لفنجان القهوة الذي يرمز في مكان إلى الدفء والاسترخاء أن يصبح في مكان آخر جزءاً من طقوس الحراسة والخوف؟

الفلسطيني لا يريد فنجاناً استثنائياً.

يريد ليلة عادية.

يريد أن ينام أطفاله دون خوف، وأن يفتح بابه دون أن يسأل ماذا يحدث في الخارج، وأن يصل إلى أرضه دون بوابة، وأن يرعى أغنامه دون مطاردة، وأن يقطف زيتونه دون أن يخشى فقدان محصول عام كامل.

وفي يوم القهوة العالمي، ربما تكون الرسالة الأصدق أن السلام الحقيقي يبدأ حين يصبح الفنجان مجرد فنجان؛ لا وسيلة للسهر، ولا شاهداً على الخوف، ولا رفيقاً لانتظار الاعتداء.

تلك هي حكاية القهوة الفلسطينية حين يصبح الأمن حلماً، وتصبح الحياة الطبيعية مطلباً يومياً، ويظل الإنسان متمسكاً بأرضه وبيته وحقه في العيش بكرامة.

المحامي علي أبو حبلة