وثيقة المعارضة الإسرائيلية.. تحالف انتخابي لإسقاط نتنياهو أم إعادة إنتاج للموقف ذاته؟

بقلم: المحامي علي أبو حبلة

سبتمبر 27, 2026 - 14:15
وثيقة المعارضة الإسرائيلية.. تحالف انتخابي لإسقاط نتنياهو أم إعادة إنتاج للموقف ذاته؟

وثيقة المعارضة الإسرائيلية.. تحالف انتخابي لإسقاط نتنياهو أم إعادة إنتاج للموقف ذاته؟

بقلم: المحامي علي أبو حبلة

في تطور سياسي لافت قبل نحو شهر من انتخابات الكنيست الإسرائيلي المقررة في 27 تشرين الأول/أكتوبر 2026، اجتمع خمسة من أبرز قادة أحزاب المعارضة الإسرائيلية: غادي آيزنكوت، نفتالي بينيت، يائير لبيد، أفيغدور ليبرمان ويائير غولان، ووقّعوا ما سُمّي «وثيقة مبادئ» تعهّدوا فيها بالعمل المشترك لرفع نسبة التصويت داخل معسكرهم، والسعي إلى تحقيق أغلبية برلمانية، والتعاون بعد الانتخابات من أجل تشكيل حكومة جديدة.

وتكتسب الوثيقة أهميتها من توقيتها ومن كونها تجمع شخصيات تختلف في توجهاتها السياسية والأيديولوجية، لكنها اتفقت على هدف انتخابي وسياسي مركزي هو إحداث تغيير حكومي والعمل على تشكيل حكومة وصفها الموقعون بأنها حكومة «إصلاح وإعادة بناء»، مع تعهد واضح بعدم مهاجمة الأحزاب الشريكة في المعسكر خلال الفترة السابقة للانتخابات.

كما اتفق القادة على تشكيل ثلاث مجموعات عمل مشتركة خلال 48 ساعة؛ الأولى معنية برفع نسبة التصويت والاستعداد للانتخابات والحفاظ على نزاهتها، والثانية بإعداد الخطوط العريضة للحكومة المقبلة، بما في ذلك لجنة تحقيق رسمية في أحداث السابع من أكتوبر، وتقاسم العبء، وتحديد مدة ولاية رئيس الحكومة، ووضع دستور وخطة للمئة يوم الأولى، فيما تتولى المجموعة الثالثة التنسيق الإعلامي ومواجهة الأخبار الكاذبة وحملات التشهير.

من إسقاط نتنياهو إلى برنامج حكم

اللافت أن الوثيقة لا تقف عند حدود التنسيق الانتخابي، وإنما تنتقل إلى الحديث عن مرحلة ما بعد الانتخابات. وهذا يعني أن قادة المعارضة يحاولون الانتقال من مجرد تجمع انتخابي ضد حكومة بنيامين نتنياهو إلى صيغة تعاون سياسي يمكن أن تتحول إلى إطار لتشكيل حكومة.

لكن هذا الاتفاق لا يعني، في حد ذاته، أن الخلافات بين أطراف المعارضة قد انتهت، ولا يعني أنهم حسموا اسم رئيس الحكومة المقبلة. فقد أكدت تقارير إسرائيلية أن القادة الخمسة لم يتفقوا على مرشح موحد لرئاسة الحكومة، وأن الاتفاق الحالي يترك هذه المسألة لما ستفرزه الانتخابات وترتيبات تشكيل الائتلاف.

ومن هنا فإن الوثيقة تبدو، في هذه المرحلة، أقرب إلى تفاهم انتخابي وبرنامج حد أدنى لإدارة المرحلة التالية، وليس تحالفاً حزبياً اندمجت فيه البرامج والمواقف.

المفارقة الفلسطينية.. العرب خارج الحكومة

أكثر ما يستحق التوقف في هذه الوثيقة هو موقع المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل والأحزاب العربية، ولا سيما القائمة العربية الموحدة برئاسة منصور عباس.

ففي الوقت الذي تشير فيه الحسابات البرلمانية إلى أهمية الصوت العربي في ظل عدم وضوح قدرة أي من المعسكرين على الوصول منفرداً إلى عتبة الـ61 مقعداً اللازمة لتشكيل حكومة، أعلن آيزنكوت صراحة أنه لا يرى القائمة الموحدة شريكاً في حكومة برئاسته وفق الشروط التي يضعها حالياً.

وقد حدد آيزنكوت، بحسب تصريحاته الأخيرة، مجموعة من الشروط لأي حزب عربي أو حريدي يرغب في المشاركة، من بينها تعريف إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية، والالتزام بمبادئ إعلان الاستقلال، والخدمة الإلزامية، وأضاف إليها لاحقاً شرط الاعتراف بحماس باعتبارها منظمة إرهابية يجب القضاء عليها. وبناء على ذلك قال إن القائمة الموحدة برئاسة منصور عباس لن تكون جزءاً من حكومته المقبلة.

وهنا تظهر مفارقة سياسية واضحة: الصوت العربي قد تكون له أهمية عددية في معادلة تشكيل الحكومة، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن القوى الصهيونية الرئيسية مستعدة لمنحه شراكة سياسية كاملة داخل الحكومة.

وهذه المسألة لا تتعلق بآيزنكوت وحده، بل تكشف إحدى المعضلات البنيوية في السياسة الإسرائيلية: الحاجة إلى الأصوات العربية عند احتساب موازين القوى البرلمانية، مقابل استمرار الخلاف السياسي حول طبيعة المشاركة العربية في السلطة التنفيذية.

انتخابات على وقع استبعاد القوائم العربية

وتأتي هذه التطورات في ظل تعقيد إضافي؛ إذ صوتت لجنة الانتخابات المركزية الإسرائيلية في 24 أيلول/سبتمبر على منع القائمة العربية الموحدة والقائمة المشتركة من خوض انتخابات الكنيست، مع انتقال المسألة إلى المسار القضائي.

وبالتالي فإن مستقبل المشاركة السياسية العربية لا يتوقف فقط على مواقف قادة المعارضة، بل يرتبط أيضاً بما ستقرره المحكمة العليا الإسرائيلية بشأن أهلية القوائم للمشاركة في الانتخابات.

وهذا التطور مهم من الناحية الديمقراطية والقانونية، لأن إقصاء القوائم العربية الرئيسية ــ إن استمر ــ سيؤثر مباشرة في تمثيل المواطنين الفلسطينيين داخل الكنيست وفي الحسابات الائتلافية التي تسبق تشكيل الحكومة.

ماذا تعني الوثيقة فلسطينياً؟

من الخطأ التعامل مع الاتفاق المعارض باعتباره تحولاً تلقائياً في الموقف الإسرائيلي من القضية الفلسطينية.

فالوثيقة، وفق ما نُشر عنها، تركز أساساً على إعادة بناء النظام السياسي الإسرائيلي، والتحقيق في إخفاقات السابع من أكتوبر، وإصلاح مؤسسات الدولة، وتحديد مدة ولاية رئيس الحكومة، وإعداد دستور، وتنظيم العلاقة بين أطراف المعسكر المعارض. ولا تتضمن، في البنود المنشورة، التزاماً بإقامة دولة فلسطينية أو العودة إلى مسار سياسي قائم على حل الدولتين.

بل إن آيزنكوت أعلن في وقت سابق أنه لا يؤيد إقامة دولة فلسطينية، وهو موقف يجعل من الضروري عدم الخلط بين التغيير في الحكومة الإسرائيلية وبين التغيير في السياسة تجاه الحقوق الوطنية الفلسطينية.

وهنا تكمن الرسالة الأهم فلسطينياً: لا ينبغي قياس التحولات الإسرائيلية فقط على أساس اسم رئيس الحكومة، وإنما على أساس البرنامج السياسي والقانوني الذي ستتبناه الحكومة تجاه الأراضي الفلسطينية المحتلة، والاستيطان، والقدس، وغزة، وحقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف.

ما بعد نتنياهو ليس بالضرورة ما بعد سياساته

إن احتمال حدوث تغيير في تركيبة الحكم الإسرائيلي يفتح مرحلة سياسية جديدة، لكنه لا يسمح مسبقاً بافتراض أن الحكومة المقبلة ستتبنى بالضرورة مقاربة مختلفة جذرياً تجاه الفلسطينيين.

فالوثيقة الحالية توحد خصوماً سياسيين حول هدف مشترك هو تشكيل حكومة بديلة، لكنها تترك قضايا جوهرية موضع خلاف، وفي مقدمتها العلاقة مع الأحزاب العربية، وطبيعة الائتلاف المقبل، والسياسة الأمنية، والملف الفلسطيني.

ومن منظور فلسطيني، المطلوب ليس انتظار أسماء الحكومات الإسرائيلية بقدر ما يجب الاستعداد لكل الاحتمالات من خلال تثبيت الموقف الوطني والقانوني الفلسطيني، وتعزيز التمثيل السياسي، وإنهاء الانقسام، وترسيخ وحدة الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس ضمن إطار سياسي وقانوني واحد.

فالانتخابات الإسرائيلية شأن إسرائيلي داخلي، لكن نتائجها وسياساتها اللاحقة ستكون لها انعكاسات مباشرة على الشعب الفلسطيني. ولذلك فإن التعامل معها يجب أن يكون بواقعية سياسية وقراءة دقيقة، بعيداً عن الرهانات المسبقة على الأشخاص أو الأحزاب.

وفي النهاية، فإن وثيقة المعارضة الإسرائيلية تكشف أن الخلاف داخل إسرائيل يدور حالياً بصورة أساسية حول إدارة الدولة ومستقبل الحكم ومنظومة الأمن والمؤسسات، وليس بالضرورة حول جوهر الصراع مع الشعب الفلسطيني. وما سيحدد طبيعة المرحلة المقبلة ليس فقط من يفوز في الانتخابات، وإنما البرنامج الذي ستتبناه الحكومة المقبلة، وموقفها من القانون الدولي، والاحتلال والاستيطان والقدس وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.

ومن هنا، فإن فلسطينياً، لا ينبغي أن يكون السؤال فقط: من سيحكم إسرائيل؟ بل الأهم: ماذا ستفعل الحكومة الإسرائيلية المقبلة تجاه الحقوق الوطنية الفلسطينية والقانون الدولي؟

وهذا هو المعيار الذي ينبغي أن تُقرأ على أساسه أي حكومة إسرائيلية جديدة.