حين تتحول المنابر الرقمية إلى أبواق للفتنة.. وتضيع البوصلة الوطنية
بقلم المحامي علي أبوحبلة
حين تتحول المنابر الرقمية إلى أبواق للفتنة.. وتضيع البوصلة الوطنية
بقلم المحامي علي أبوحبلة
لم تعد الكلمة في عصر المنصات الرقمية مجرد وسيلة للتعبير أو نقل الخبر؛ فقد أصبحت قوة مؤثرة في تشكيل الوعي العام، وصناعة المواقف، وتوجيه النقاش المجتمعي. ومن هنا فإن خطورة الإعلام لا تكمن في امتلاك أدوات النشر، وإنما في كيفية استخدامها، وفي الفاصل الذي يفصل بين الإعلام المسؤول وبين تحويل المنصة إلى مساحة للإثارة والتشهير وترويج الادعاءات غير الموثقة.
وما يثير القلق أن بعض الممارسات الإعلامية الرقمية تعيد إلى الذاكرة ما كان يُعرف في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي بـ«الصحافة الصفراء»، حين كانت الإثارة والشائعة وتضخيم الخلافات تتقدم أحياناً على التحقق والموضوعية والمصلحة العامة. أما اليوم، فإن سرعة الانتشار الرقمي تجعل أثر الكلمة أوسع وأسرع، وتجعل تصحيح المعلومة بعد انتشارها أكثر صعوبة.
والسؤال الوطني الذي ينبغي طرحه بوضوح هو: أين يجب أن تكون البوصلة الإعلامية الفلسطينية في هذه المرحلة؟
في الوقت الذي تواجه فيه القضية الفلسطينية تحديات متصاعدة تتمثل في الاستيطان، ومصادرة الأراضي، وتوسيع المستوطنات، واعتداءات المستوطنين، ومحاولات فرض وقائع جديدة على الأرض، وتشويه الرواية الفلسطينية، لا يجوز أن تتحول بعض المنابر الإعلامية إلى ساحات لاستنزاف المجتمع في صراعات داخلية، أو إلى منصات لتصفية الحسابات الشخصية، أو إلى فضاءات لإطلاق اتهامات لا تستند إلى وثائق أو مصادر واضحة.
إن الإعلام الوطني المسؤول لا يعني إعلاماً حكومياً، ولا يعني إسكات النقد، ولا يعني حماية أي مسؤول أو مؤسسة من المساءلة. بل على العكس؛ إن المجتمع الفلسطيني يحتاج إلى صحافة حرة وشجاعة تكشف الخلل، وتراقب الأداء، وتطرح الأسئلة الصعبة، وتفتح الملفات التي تمس المال العام والمصلحة العامة، وتمنح المواطن حقه في المعرفة.
لكن هناك فارقاً جوهرياً بين النقد والمساس بالسمعة، وبين التحقيق الصحفي والتشهير، وبين كشف الخلل وإصدار الأحكام المسبقة.
وتبقى القاعدة القرآنية في التثبت من الأخبار مبدأً أخلاقياً راسخاً:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾.
فالتثبت ليس ترفاً إعلامياً، وإنما مسؤولية أخلاقية ومهنية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بسمعة الأشخاص وحقوقهم وحرياتهم ومراكزهم القانونية.
والإعلام المهني لا يبني الحقيقة على كثرة التداول، ولا يعتبر عدد المشاهدات دليلاً على صحة الخبر، ولا يحوّل الادعاء إلى حقيقة لمجرد تكراره. المعيار الحقيقي هو المصدر، والوثيقة، والتحقق، وسماع الأطراف، والتمييز بين الخبر والرأي، وإتاحة حق الرد، وتصحيح الخطأ عندما يثبت.
ومن منظور استراتيجي، فإن حماية الحقيقة أصبحت جزءاً من حماية الأمن المجتمعي والرواية الوطنية. فالاحتلال يستثمر في تفكيك المجتمع الفلسطيني وإضعاف ثقته بمؤسساته وقواه الوطنية، ولذلك فإن تحويل الخلافات الداخلية إلى معارك مفتوحة على المنصات الرقمية لا يخدم المصلحة الوطنية، مهما كانت الشعارات التي تُرفع فوقها.
ولا يعني ذلك أن كل نقد داخلي يخدم الاحتلال، ولا أن كل خلاف مؤامرة؛ فالمجتمع الصحي يحتاج إلى النقد والاختلاف وتعدد الآراء. لكن الخطر يبدأ عندما تتحول حرية التعبير إلى فوضى معلوماتية، وعندما تصبح الشائعة بديلاً عن الوثيقة، والاتهام بديلاً عن الدليل، والتشهير بديلاً عن المساءلة.
لقد آن الأوان للانتقال من إعلام رد الفعل إلى إعلام صناعة الوعي الوطني؛ إعلام يضع قضايا الأرض والاستيطان والقدس والحقوق الوطنية والحريات العامة والتنمية ومكافحة الفساد وسيادة القانون في مقدمة أولوياته، ويواجه الوقائع على الأرض بالمعلومة والتحقيق والتوثيق، لا بالصراخ والاتهامات.
وتحتاج المرحلة المقبلة إلى ميثاق مهني وأخلاقي للمنصات الرقمية الفلسطينية، يقوم على التحقق من المعلومات، وحماية الخصوصية والكرامة، واحترام حق الرد، والتمييز بين الخبر والتعليق، وعدم نشر الاتهامات غير الموثقة، وتصحيح الأخطاء، والامتناع عن خطاب التحريض والكراهية وإثارة الفتن.
كما أن المؤسسات الوطنية والنقابات والهيئات الصحفية والقانونية مطالبة بتعزيز ثقافة المسؤولية الرقمية، لا من خلال تقييد الحريات، وإنما من خلال ترسيخ قواعد مهنية واضحة وآليات قانونية عادلة توازن بين حرية التعبير وحماية الحقوق.
فالمعركة الفلسطينية ليست معركة أرض فقط؛ إنها معركة وعي ورواية وذاكرة وحق وقانون. وإذا كانت حماية الأرض مسؤولية وطنية، فإن حماية الحقيقة مسؤولية لا تقل أهمية.
لا نريد إعلاماً يجمّل الواقع، ولا إعلاماً يخفي الأخطاء، ولا إعلاماً يهاجم الأشخاص لحساب الخصومات. نريد إعلاماً حراً ومسؤولاً؛ شجاعاً في مواجهة الاحتلال، دقيقاً في نقل الحقيقة، عادلاً في النقد، مهنياً في التحقيق، ومحترماً لحقوق الناس وكرامتهم.
فالوطن أكبر من أي منصة، والحقيقة أكبر من أي شخص، والقضية الفلسطينية أكبر من كل الخصومات.
إن أخطر ما يمكن أن نخسره ليس خبراً أو معركة إعلامية، وإنما ثقة المواطن بالحقيقة. ولذلك يجب أن تبقى البوصلة واضحة: حماية الإنسان، وصون المجتمع، والدفاع عن الأرض والحقوق الوطنية، ومواجهة الاحتلال، وترسيخ سيادة القانون.
الكلمة أمانة، والحقيقة مسؤولية، والإعلام الوطني حصانة للمجتمع... وفلسطين هي البوصلة.
المحامي علي أبوحبلة



