من قلب الظلام إلى ترميم الإنسان
قراءة مركبة في العتمة والضوء بين جوزيف كونراد، وبكر أبو بكر، ورباعية الضوء والعتمة، وأسامة الرضي
من قلب الظلام إلى ترميم الإنسان
قراءة مركبة في العتمة والضوء بين جوزيف كونراد، وبكر أبو بكر، ورباعية الضوء والعتمة، وأسامة الرضي
محمد قاروط أبو رحمه
يوم الثلاثاء 4 اب 2026 نشر الصديق د. فاخر أبو سته مقطعا مرئيا تتضمن أربع ابيات شعرية من قصيدة اشاعر أسامة الرضى، على مجموعة تجول أكثر تحبك الأرض أكثر.
كانت الابيات الأربعة مذهلة وملفتة الى الحد الذي وصل تفاعلي معها بربطها بمقال المفكر الأخ بكر ورباعية الضوء والعتمة، وهذا ما فعلته.
الفكرة الجوهرية عندي ان الامر الوحد ليس بالضرورة له مفهوم واحد. وهذا أيضا ينطبق على العتمة.
العتمة ليس لها مفهوم واحد، ولا تعني دائمًا غياب الضوء. فهي تتغير بتغير زاوية النظر إليها؛ فقد تكون احتلالًا، أو جهلًا، أو خوفًا، أو أزمة هوية، أو سؤالًا وجوديًا يبحث عن إجابة. وما يجمع هذه الصور كلها أنها تجعل الإنسان في مواجهة نفسه والعالم في آن واحد.
كنت قد قرات مقال المفكر الفلسطيني بكر أبو بكر رواية قلب الظلام في فلسطين، وقتها عدت بذاكرتي إلى رباعية الضوء والعتمة، وكتبت مقال بعنوان: من قلب الظلام إلى رباعية الضوء والعتمة. قراءة مقارنة في رؤيتين للعتمة. وقد نشر يوم الثلاثاء 4/8/2028.
بعد ارسال د. فاخر المرئي الذي تضمن أربع ابيات شعرية للشاعر أسامة الرضى، توقفت أمام هذه القصيدة التي تحمل العنوان: من أنا؟
فوجدت أن النصوص الأربعة، على اختلاف أجناسها الأدبية والفكرية، تتحاور حول سؤال واحد: كيف يواجه الإنسان العتمة دون أن يفقد إنسانيته؟
بدأت الحكاية مع جوزيف كونراد في روايته قلب الظلام، حيث لم تكن العتمة مجرد ظلام طبيعي، بل كانت الوجه الحقيق للاستعمار، حين يفقد الإنسان المحتل والمستعمر إنسانيته وهو يدّعي نشر الحضارة. لقد كشف كونراد أن العتمة قد تسكن الإنسان نفسه، وأن أكثر صورها خطرًا هي تلك التي تتخفى خلف القوة والشعارات.
ومن هذا المنطلق، ينطلق بكر أبو بكر ليقرأ الرواية في ضوء الواقع الفلسطيني، فيرى أن ما كتبه كونراد قبل أكثر من قرن ما زال حاضرًا في المشروع الاستيطاني الإحلالي الذي يمارس القتل والطرد ومصادرة الأرض والإنسان، بينما يقدّم نفسه للعالم باعتباره مشروعًا حضاريًا. وهكذا تصبح العتمة عنده عتمة الاحتلال والاستعمار، وعتمة السردية التي تحاول تبرير الظلم.
أما رباعية الضوء والعتمة، فإنها تبدأ من مكان آخر. فهي لا تبدأ بالمحتل، بل بالإنسان؛ ولا تبدأ بالعالم الخارجي، بل بالعالم الداخلي. فالعتمة ليست فقط ما يفرضه الآخر علينا، بل أيضًا كل مساحة لم يصل إليها الوعي بعد. إنها الجهل، والخوف، والتردد، والانغلاق، وكل ما يمنع الإنسان من أن يكتشف إمكاناته أو يبني معرفته أو يتحمل مسؤوليته.
ولهذا جاءت الرباعية في مسار متدرج؛ فبدأت بدعوة الإنسان إلى اكتشاف المساحات المعتمة في داخله، ثم دعته إلى ألا يلعن العتمة، بل أن يكون هو الضياء، ثم أكدت أن كل بناء عميق يبدأ في العتمة قبل أن يخرج إلى النور، لتنتهي إلى أن الصراع بين الضوء والعتمة ليس حادثًا عابرًا، بل سنة من سنن الحياة، وأن مهمة الإنسان ليست القضاء على العتمة، بل ألا يتحول هو نفسه إلى جزء منها.
ثم يأتي الشعر ليضيف بعدًا آخر لهذا الحوار.
يقول الشاعر أسامة الرضي في قصيدته من أنا؟:
خيالُ الليلِ يسكنُ في رؤايَ ... وخيلُ الصمتِ تصهلُ في دُجايَ
صراخُ الآهِ يصخبُ من فؤادي ... وكلُّ الحزنِ يُخلقُ من أسايَ
سؤالٌ كشَّرَ الأنيابَ نحوي ... ويسألُني بعنفٍ: من أنا يا؟!
أنا طفلٌ وعُمري ألفُ عامٍ ... وليدُ غدي وأسكنُ في صِبايَ
هذه الأبيات لا تصف العتمة بوصفها حدثًا سياسيًا، ولا بوصفها نقصًا في المعرفة، بل بوصفها تجربة وجودية يعيشها الإنسان عندما يقف أمام السؤال الأكبر: من أنا؟
فالليل هنا ليس ليل الطبيعة، بل ليل النفس. والصمت ليس غياب الكلام، بل امتلاء الداخل بالأسئلة. أما الجملة الأخيرة، أنا طفلٌ وعمري ألفُ عامٍ، وليدُ غدي وأسكنُ في صِبايَ، فتختصر المفارقة الإنسانية كلها؛ فالإنسان يحمل ماضيه بكل ثقله، لكنه يبقى قادرًا على أن يولد من جديد، وأن يصنع غده، وأن يحتفظ ببراءة البداية رغم قسوة التجربة.
وهنا تتكامل الأعمال الأربعة.
فكونراد يحذر من عتمة الإنسان حين يتحول إلى مستعمِر.
وبكر أبو بكر يكشف عتمة الاستعمار في فلسطين.
ورباعية الضوء والعتمة تدعو إلى مقاومة الجهل والعتمة الكامنة في الإنسان.
أما أسامة الرضي، فيجعل من الشعر وسيلة للعبور من سؤال الهوية إلى استعادة الذات.
إنها ليست أربع رؤى متنافسة، بل أربع زوايا للنظر إلى الحقيقة نفسها. فالعتمة قد تبدأ من احتلال الأرض، وقد تبدأ من احتلال العقل، وقد تبدأ من سؤال يسكن القلب، لكن الضوء يبدأ دائمًا من الإنسان؛ من وعيه، ومن شجاعته في مواجهة ذاته، ومن قدرته على تحويل الألم إلى معنى، والمعنى إلى فعل، والفعل إلى حياة.
ولعل هذا هو الدرس الذي يجمع هذه الأعمال جميعًا: فالعتمة ليست نهاية الطريق، بل بداية السؤال. أما الضوء، فليس هبة تُمنح، بل مسؤولية يصنعها الإنسان كل يوم، حين يرفض الجهل، ويقاوم الظلم، ويحافظ على إنسانيته، ويظل، رغم كل شيء، قادرًا على أن يقول: أنا وليدُ غدي.



