التهجير والحلول المؤقتة: مَن يتحمل المسؤولية؟
د. دلال صائب عريقات
العشرات يتم إجلاؤهم يوميّاً من قطاع غزة في إطار إنساني وصحي، لا يمكن النظر إلى ما يجري اليوم من عمليات تهجير ونزوح فلسطيني، سواء جرى توصيفها كإجلاء إنساني أو هجرة طوعية، بمعزل عن الإطارين القانوني والتاريخي الأشمل ومستقبل القضية الفلسطينية. فحركة السكان التي تتم في ظل حرب مفتوحة، وحصار خانق، وحرمان ممنهج من المساعدات الإنسانية، تثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الإنساني، لا سيما حين يُحرم المدنيون من أي خيار حقيقي وآمن للبقاء.
بموجب اتفاقية جنيف الرابعة، يُحظر النقل القسري للسكان في الأراضي المحتلة، سواء تم بالقوة المباشرة أو عبر خلق ظروف قهرية تدفع السكان إلى الرحيل. ويؤكد القانون الدولي أن غياب الإكراه الظاهر لا ينفي القسر، إذا كانت البيئة المحيطة تجعل البقاء مستحيلاً. من هذا المنظور، فإن النزوح الجاري اليوم لا يمكن اعتباره مسألة إنسانية محايدة، بل يندرج ضمن نمط قانوني وسياسي خطير. العشرات يتم إجلاؤهم يوميّاً من قطاع غزة تحت عناوين إنسانية وصحية، التاريخ هنا ليس تفصيلاً. فالأمم المتحدة، عبر قرار الجمعية العامة رقم 194 (د-3)، أقرت بأن تهجيراً واسع النطاق رافق قيام دولة إسرائيل عام 1948، ما أدى إلى نشوء قضية لاجئين لا تزال دون حل. هذا التهجير لم يكن حدثاً مفاجئاً، بل عملية تراكمية جرت على مراحل، تحت عناوين أمنية وإنسانية مؤقتة، قبل أن تتحول إلى واقع دائم. ومن الخطأ الجسيم التعامل مع الواقع الحالي بمعزل عن هذا السياق التاريخي.
في هذا الإطار، تعود إلى الواجهة مجدداً مقاربات "الحلول الانتقالية" أو "المؤقتة" خلال إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب. هذه الطروحات، من مجلس سلام إلى قوة استقرار إلى لجنة إسناد، التي طُرحت في مراحل مختلفة كلها مؤقتة وانتقالية وتشتري الوقت للمشروع الصهيوني الكولونيالي، التي ركزت على الترتيبات الاقتصادية والاستثمارية، تعاملت مع القضية الفلسطينية كمسألة إدارة أزمات إنسانية، لا كقضية حقوق غير قابلة للتصرف. فهي لم تتطرق إلى جوهر المشكلة: الاحتلال العسكري، والاستيطان غير القانوني، واختلال ميزان القوة، وغياب المساءلة.
التهجير، حين يُدار كحلّ إنساني أو كترتيب انتقالي، لا يؤدي إلى السلام ولا إلى الاستقرار، بل إلى تصفية الحقوق. فالحق في الأرض، والعودة، وتقرير المصير، ليست ملفات قابلة للتأجيل أو المساومة الاستثمارية، بل حقوق ثابتة بموجب القانون الدولي.
من هنا، فإن المسؤولية تقع على القيادة الفلسطينية وعلى المجتمع الدولي بأسره. المطلوب ضمان البقاء. وليس البحث عن حلول مؤقتة، بل معالجة الجذر: إنهاء الاحتلال، ووقف الاستيطان، وتطبيق القانون الدولي دون انتقائية. إن أي حل لا يوقف الاستيطان، ولا ينهي الاحتلال، ولا يضمن الحماية القانونية للمدنيين، هو حل لا يعالج الأسباب، بل يعيد إنتاجها. بل إن "المؤقت" في الحالة الفلسطينية أثبت تاريخياً أنه يتحول إلى دائم، وأن الإجراءات الانتقالية غالباً ما تُستخدم لفرض وقائع جديدة على الأرض، تقوّض الحقوق الفلسطينية تدريجياً.
فالتاريخ علّمنا أن تجاهل هذه الحقائق يخدم المشروع الصهيوني، وأن التهجير، مهما تغيّرت تسمياته، هو هدف إسرائيل من تطهير عرقي ممنهج ومتدرج بنفس الأسلوب الذي قامت عليه دولة الاحتلال لحرمان الشعب الفلسطيني من تقرير مصيره. برغم إعاقة مصر لمشروع التهجير القسري، فإن العشرات يتم إجلاؤهم يوميّاً عبر منافذ مختلفة وتحت مسميات إنسانية ومعابر متعددة. نعم، من الصعب تخيّل سيناريو إجلاء مليونين، ولكن السيناريو قائم يوميّاً، وهو نفس السيناريو الذي هاجر فيه يهود العالم ليكونوا سكان الدولة الحديثة في القرن الـ٢٠ التي قامت على إثر النكبة والتهجير للشعب الفلسطيني أو طرح وطن بديل أو أوطان بديلة لهذا الشعب.
العمل الدبلوماسي والقيادة السياسية المسؤولة يتطلبان التعامل مع هذه الحقائق بمصداقية وجدية لدراسة البدائل وتبني استراتيجيات تناسب المرحلة، بدلاً من انتظار الحلول التي تُفرض علينا من الخارج.



