تكنولوجيا.. الحقيقة على المحك

صبري صيدم

نوفمبر 3, 2025 - 09:37
تكنولوجيا.. الحقيقة على المحك

صبري صيدم

تتبدّل الحقائق اليوم بسرعة الضوء، وتتشكل الصور بقدرة خوارزمية عجيبة تجعل الزيف يبدو صدقًا، والصدق يُتهم بالاصطناع. تُفبرك الوجوه، وتُخلق الأصوات، وتُنتج الأفلام دون أن يكون لها وجود على أرض الواقع. لقد دخلنا عصرًا جديدًا تختلط فيه الحقيقة بالوهم، فيغدو العقل في اختبارٍ دائم أمام هدير عارم من المحتوى الذي لا يُعرف له مصدراً ولا نية.

تتسلّل الشكوك إلى الأذهان كلما ظهرت صورة أو انتشر تسجيل، فيسأل المرء نفسه: أحقٌّ ما أرى أم محضُ نتاج آلةٍ بارعة في الخداع؟ تُربكنا التقنية التي وُلدت لتُسهّل حياتنا، فإذا بها تُهدّد ثقتنا بما نراه ونسمعه ونقرؤه. هكذا يختبر الذكاء الاصطناعي إنسانيتنا، فيضعنا أمام سؤالٍ مؤلم: من نصدق؟

تنهض في المقابل تقنياتٌ أخرى، هي ابنةٌ للذكاء ذاته، لتقاتل التزييف بسلاحٍ من جنسه. تُحلّل الصور، وتُدقّق في الأصوات، وتُقارن البيانات، لتكشف الحقيقة من بين أكوام الزيف، وكأن الذكاء الاصطناعي بات ساحة صراعٍ بين الخير والشر، بين من يوظفه لهدم الثقة ومن يسخّره لصيانتها.

ولأنّ المعرفة لم تعد حكرًا على الكتب والمصادر الموثوقة، بل أصبحت تُستهلك عبر شاشات صغيرة لا رقيب عليها، صار لزامًا علينا أن نعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والمعلومة. فالمتلقي اليوم ليس مجرّد مستهلكٍ سلبي، بل شريكٌ في صناعة الوعي الجمعي. إنّ مسؤوليته الأخلاقية تقتضي أن يتحقّق قبل أن يشارك، وأن يُفكّر قبل أن يُصدّق.

لقد غدت الحقيقة اليوم سلعة مستهدفة أكثر من ذي قبل، تتنازعها المصالح وتشوّهها الخوارزميات. وفي خضم هذا الصخب، تبرز الحاجة إلى إعلامٍ حرٍّ ومسؤولٍ يعيد الثقة بالمعلومة ويصون حق الناس في المعرفة. فالمعركة لم تعد بين منصّات وأجهزة، بل بين وعيٍ مستنيرٍ وآخر خاضعٍ لإغراء السرعة والسطحية.

تفرض هذه الثورة علينا أن نُعيد التفكير في مفهومنا للمعرفة، وأن نُحصّن وعينا قبل أجهزتنا. فالحقيقة لم تعد تُقدَّم جاهزة، بل تُنتزع بعناء من بين أكوام التضليل. ويكمن الخلاص في أن نستخدم التقنية بعقلٍ ناقدٍ وقلبٍ يقظ، وأن نعلّم أبناءنا أن الذكاء الحقيقي ليس في الآلة، بل في الإنسان القادر على التمييز بين الضوء والظل، وبين ما يُرى بالعين وما يُصدَّق بالعقل. للحديث بقية!