الأصول الفلسطينية في الخارج واسترداد أموال الفساد: بين دقة الأرقام وواجب الشفافية وسيادة القانون
إعداد وتقرير: المحامي علي أبو حبلة
الأصول الفلسطينية في الخارج واسترداد أموال الفساد: بين دقة الأرقام وواجب الشفافية وسيادة القانون
إعداد وتقرير: المحامي علي أبو حبلة
باحث في القانون الدولي – رئيس تحرير صحيفة صوت العروبة
في ظل الأزمة المالية والاقتصادية التي تواجهها فلسطين، وتزايد الضغوط على الموازنة العامة وقدرة المؤسسات على الوفاء بالتزاماتها، تبرز أهمية التدقيق في الأصول الفلسطينية الموجودة في الخارج، وتعزيز الشفافية في إدارتها، وتطوير الآليات القانونية والمالية اللازمة لتعقب الأموال المتحصلة من جرائم الفساد واستردادها وفقاً للقانون.
ولا تقتصر أهمية هذا الملف على حماية المال العام، بل تمتد إلى تعزيز ثقة المواطنين بالمؤسسات، وترسيخ مبادئ الحوكمة والمساءلة، وضمان إدارة الموارد الوطنية بكفاءة. غير أن المعالجة المهنية لهذا الموضوع تستلزم التمييز بين البيانات الاقتصادية الإجمالية، والأموال المملوكة للدولة أو المؤسسات الوطنية، والممتلكات الخاصة، والأموال التي تثبت الجهات القضائية المختصة ارتباطها بجرائم مالية.
الأرقام الاقتصادية ليست دليلاً على وجود أموال منهوبة
أعلن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني وسلطة النقد الفلسطينية، في بياناتهما بشأن وضع الاستثمار الدولي للربع الثاني من عام 2026، أن إجمالي الأصول الخارجية للاقتصاد الفلسطيني بلغ نحو 19.303 مليار دولار في نهاية الربع الثاني من العام، مقابل التزامات أجنبية بلغت نحو 6.952 مليار دولار، ليصل صافي وضع الاستثمار الدولي إلى 12.351 مليار دولار.
وتشمل الأصول الخارجية، وفق التصنيف الإحصائي المنشور، استثمارات مباشرة واستثمارات حافظة واستثمارات أخرى، ولا سيما العملات والودائع، إضافة إلى الأصول الاحتياطية. كما تشمل البيانات قطاعات مختلفة من الاقتصاد الفلسطيني، ولا تقتصر على الحكومة أو منظمة التحرير الفلسطينية.
المصدر: الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني وسلطة النقد الفلسطينية، «وضع الاستثمار الدولي وإحصاءات الدين الخارجي، الربع الثاني 2026»، المنشور في 27 أيلول/سبتمبر 2026.
الرابط: https://pcbs.gov.ps/en/post-details/?postId=27211
وتكتسب هذه الأرقام أهمية خاصة عند مناقشة تقديرات متداولة تبلغ نحو 13 مليار دولار بشأن الأموال الفلسطينية الموجودة في الخارج. فمثل هذه التقديرات لا يجوز وصفها بأنها أموال مهربة أو متحصلة من الفساد ما لم تستند إلى بيانات موثقة تحدد طبيعة الأموال ومصدرها وملكيتها والأساس القانوني للاشتباه فيها.
إن إجمالي الأصول الخارجية للاقتصاد لا يساوي قيمة الأموال العامة، كما لا يساوي حجم الأموال المتحصلة من جرائم الفساد. ولذلك فإن تحديد القيمة الحقيقية للأصول العائدة إلى المؤسسات العامة أو الوطنية يتطلب سجلات مالية مستقلة، وبيانات عن الملكية، وتقارير تدقيق قابلة للتحقق.
استرداد الأموال: ما بين الحكم القضائي والتنفيذ الفعلي
نشر موقع وكالة «وطن» للأنباء، بتاريخ 5 تشرين الأول/أكتوبر 2026، تحقيقاً استقصائياً تناول واقع استرداد الأموال المتحصلة من جرائم الفساد الموجودة خارج فلسطين، والصعوبات التي تواجه تنفيذ الأحكام القضائية واستعادة الأموال.
ونقل التحقيق عن النيابة العامة الفلسطينية أن مبلغاً قدره 6,663,687 دولاراً استُرد من الخارج خلال عام 2026 في إطار قضايا مرتبطة بجرائم فساد. كما أشار إلى وجود ثمانية ملفات مرتبطة بمتهمين فارين من وجه العدالة، وإلى تقديم ثلاثة طلبات لاسترداد الأموال، تمت الاستجابة لأحدها، وفق المعلومات التي أوردها التحقيق عن النيابة العامة.
ويجب التعامل مع هذه الأرقام في نطاقها المحدد؛ فهي معلومات منسوبة إلى الجهة المختصة عبر تحقيق صحفي، ولا تمثل حصراً شاملاً لجميع الأموال التي قد تكون محل أحكام أو إجراءات استرداد، كما لا تسمح وحدها بتحديد القيمة الإجمالية للأموال المطلوب استردادها من الخارج.
المصدر: وكالة وطن للأنباء، «أموال الفساد المنهوبة إلى الخارج.. ماذا استردت فلسطين وأين تعثرت؟»، 5 تشرين الأول/أكتوبر 2026.
الرابط: https://www.wattan.net/ar/tv/497791.html
وتكمن أهمية التحقيق في إبرازه الفارق بين صدور حكم قضائي برد الأموال أو مصادرتها، وبين تنفيذ الحكم واستعادة الأموال فعلياً. فالأحكام المتعلقة بأصول موجودة خارج الولاية القضائية الفلسطينية قد تتطلب إجراءات إضافية تشمل تحديد موقع الأموال، والتحفظ عليها وفق القانون، وتقديم طلبات المساعدة القضائية، واستيفاء متطلبات الدولة التي توجد فيها الأصول.
وهذا المسار يستدعي تعاوناً مؤسسياً بين الجهات الفلسطينية المختصة، بما فيها النيابة العامة وهيئة مكافحة الفساد ووزارة العدل ووحدة المتابعة المالية، كلٌّ وفق صلاحياته القانونية، إلى جانب تعاون الدول المعنية.
الشفافية المؤسسية أساس الثقة العامة
تتطلب إدارة ملف استرداد الأموال وجود بيانات موحدة تميز بوضوح بين الأموال التي صدر حكم بردها، والأموال التي نُفذ الحكم بشأنها، والأموال التي استُردت بالفعل من الخارج، والمبالغ التي ما زالت إجراءاتها القانونية مستمرة.
وقد أشار تحقيق «وطن» إلى صعوبات في توافر بيانات موحدة لدى الجهات المعنية، وإلى الحاجة لتعزيز التنسيق المؤسسي وتطوير التعاون القضائي الدولي. وتمثل هذه المسائل مجالاً مشروعاً للمراجعة والإصلاح، من دون أن يعني ذلك افتراض وجود مخالفة أو تقصير شخصي لدى جهة أو فرد بعينه قبل التحقق من الوقائع والاختصاصات والإجراءات ذات الصلة.
وفي سياق متصل، ذكرت وكالة الأنباء الفلسطينية «وفا»، في 6 حزيران/يونيو 2026، أن التقرير السنوي لهيئة مكافحة الفساد لعام 2025 تضمن إحالة 41 ملفاً إلى النائب العام لوجود شبهات فساد.
ويجب التمييز قانونياً بين إحالة ملف للاشتباه، وبدء إجراءات التحقيق، وصدور قرار اتهام، ثم صدور حكم قضائي نهائي. فالإحالة لا تعني بذاتها ثبوت الجريمة، بل تمثل مرحلة ضمن المسار القانوني الذي يضمن فحص الأدلة وحقوق الدفاع وقرينة البراءة.
المصدر: وكالة الأنباء الفلسطينية «وفا»، «الرئيس يتسلم التقرير السنوي لهيئة مكافحة الفساد لعام 2025»، 6 حزيران/يونيو 2026.
الرابط: https://wafa.ps/news/2026/6/6/الرئيس-يتسلم-التقرير-السنوي-لهيئة-مكافحة-الفساد
أصول منظمة التحرير: ضرورة تحديد الملكية والإدارة والعوائد
يستدعي الحديث عن الأموال الفلسطينية في الخارج بحث أصول منظمة التحرير الفلسطينية ومؤسساتها، ضمن إطار مهني يحدد الملكية القانونية لكل أصل، والجهة المسؤولة عن إدارته، ومصدر تمويله، وعوائده، والتزاماته، وآليات الرقابة والتدقيق عليه.
ولا يصح افتراض أن جميع الأصول الموجودة خارج فلسطين تعود إلى منظمة التحرير أو إلى السلطة الفلسطينية، أو أنها تخضع جميعها للنظام القانوني نفسه. فالفصل بين أصول المؤسسات الوطنية، والأموال العامة، واستثمارات الشركات، والممتلكات الخاصة، شرط أساسي لأي تقييم قانوني أو اقتصادي سليم.
ومن هنا، فإن المطالبة بحصر الأصول وإخضاعها لتدقيق مستقل لا تعني توجيه اتهام إلى مؤسسة أو شخص، وإنما تهدف إلى تعزيز الحوكمة، وتحديد المسؤوليات المؤسسية، وضمان إدارة الموارد وفق قواعد واضحة تحمي المال والحقوق والمصلحة الوطنية.
الأبعاد الاقتصادية: الإصلاح المالي لا يقل أهمية عن الاسترداد
تزداد أهمية هذا الملف في ظل الأزمة الاقتصادية والمالية الفلسطينية. فقد أشار مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «الأونكتاد» في تقريره لعام 2026 بشأن الاقتصاد الفلسطيني إلى استمرار الضغوط على المالية العامة، وإلى أن الاقتطاعات والإيرادات المحتجزة خلال الفترة الممتدة من كانون الثاني/يناير 2019 إلى آذار/مارس 2026 تجاوزت، وفق تقديراته، 3.67 مليار دولار.
المصدر: الأونكتاد، تقرير المساعدة إلى الشعب الفلسطيني وتطورات الاقتصاد في الأرض الفلسطينية المحتلة، 2026.
الرابط: https://unctad.org/.../report-unctad-assistance...
وتوضح هذه المعطيات أن الأزمة المالية لا ترتبط بعامل واحد، بل تتداخل فيها قيود اقتصادية وسياسية، ومشكلات الإيرادات العامة، وتراجع النشاط الإنتاجي، واحتياجات الخدمات الأساسية. ولذلك فإن استرداد الأموال التي يثبت قانوناً استحقاق الخزينة لها يمثل أحد مسارات الإصلاح، لكنه لا يغني عن ترشيد الإنفاق، وتعزيز الرقابة المالية، وتنمية القطاعات الإنتاجية، وتحسين إدارة الاستثمارات والأصول.
ويمكن أن يسهم الاسترداد الفعلي للأموال في دعم الإيرادات العامة، شريطة عدم احتساب الأموال المحكوم بردها على أنها أموال دخلت الخزينة قبل تنفيذ الأحكام. كما أن نشر مؤشرات أداء واضحة يساعد على قياس النتائج الفعلية، وتحديد مواطن التعثر، وتطوير السياسات المالية على أسس قابلة للتحقق.
نحو برنامج وطني للتدقيق واسترداد الحقوق
إن معالجة هذا الملف بصورة مؤسسية تستلزم مجموعة من الخطوات العملية، في مقدمتها:
إعداد سجل موحد للأصول المملوكة للجهات العامة والمؤسسات الوطنية، مع تحديد الملكية والقيمة والعوائد والالتزامات.
إجراء تدقيق مالي مستقل وفق معايير مهنية معتمدة، ونشر النتائج التي يسمح القانون بالإفصاح عنها.
إنشاء قاعدة بيانات تربط الأحكام القضائية بإجراءات التنفيذ والتحصيل والاسترداد الفعلي.
تطوير التعاون القضائي الدولي، واستكمال الاتفاقيات والإجراءات اللازمة لتتبع الأصول وتجميدها ومصادرتها واستردادها وفق القانون.
إصدار تقارير دورية تتضمن أرقاماً إجمالية دقيقة، وتوضح المراحل القانونية التي وصلت إليها الأموال محل الأحكام والإجراءات.
حماية سرية التحقيقات وحقوق الأفراد، مع عدم استخدام السرية لحجب البيانات الإجمالية التي يمكن نشرها بصورة قانونية لا تضر بسير العدالة.
وتحتاج هذه الإجراءات إلى توزيع واضح للمسؤوليات، وجدول زمني للتنفيذ، وآليات رقابة ومراجعة دورية، بما يعزز الثقة العامة ويمنع الخلط بين النتائج المحققة والتقديرات غير المكتملة.
خاتمة
إن الأصول الفلسطينية في الخارج واسترداد الأموال المتحصلة من جرائم الفساد ملفان يرتبطان بحماية المال العام، لكنهما ليسا ملفاً واحداً. فالأرقام الاقتصادية الإجمالية لا تثبت وجود فساد، والتقديرات المتداولة لا تحل محل التدقيق، كما أن الاشتباه لا يساوي الإدانة، والحكم القضائي لا يعني بالضرورة أن الأموال استُردت فعلياً.
المطلوب هو الانتقال من الجدل حول الأرقام إلى منظومة واضحة لحصر الأصول وتحديد ملكيتها وتدقيقها، ومن الإعلان عن الأحكام إلى قياس تنفيذها، ومن التوصيات العامة إلى التعاون القضائي الفاعل والنتائج الموثقة.
فالشفافية ليست تشهيراً، والمساءلة ليست إدانة مسبقة، والتدقيق المستقل ليس خصومة مع المؤسسات. إنها أدوات ضرورية لتعزيز سيادة القانون، وصون الحقوق، وترسيخ الثقة العامة، وضمان أن تُدار الموارد الفلسطينية وفق قواعد النزاهة والكفاءة والمصلحة الوطنية



