تأجيل الانتخابات الفلسطينية.. هل يمتلك الرئيس عباس خطة انتقالية لاستعادة الثقة الأوروبية؟

المحامي علي أبو حبلة

أكتوبر 14, 2026 - 16:48
تأجيل الانتخابات الفلسطينية.. هل يمتلك الرئيس عباس خطة انتقالية لاستعادة الثقة الأوروبية؟

تأجيل الانتخابات الفلسطينية.. هل يمتلك الرئيس عباس خطة انتقالية لاستعادة الثقة الأوروبية؟
المحامي علي أبو حبلة
يفتح قرار الرئيس الفلسطيني محمود عباس تأجيل الانتخابات الرئاسية والتشريعية إلى 11 أيلول/سبتمبر 2027 نقاشًا يتجاوز تحديد موعد جديد للاقتراع، ليطرح أسئلة جوهرية حول مستقبل النظام السياسي الفلسطيني، وآليات تجديد الشرعية، ومضمون المرحلة الانتقالية، وقدرة القيادة الفلسطينية على استعادة ثقة الشارع الفلسطيني والشركاء الدوليين.
وجاء البيان المشترك لوزراء خارجية أستراليا وكندا وفرنسا وبريطانيا، الذي عبّر عن خيبة أمل من التأجيل ودعا إلى إعادة النظر فيه وإجراء الانتخابات دون تأخير جديد، ليؤكد أن الإصلاح السياسي والتجديد الديمقراطي أصبحا في صلب العلاقة بين السلطة الفلسطينية وشركائها الدوليين.
ولا يقتصر الموقف الغربي على المطالبة بإجراء الانتخابات، بل يربطها بتعزيز الحوكمة والمساءلة وإصلاح المؤسسات الفلسطينية، باعتبارها ركائز ضرورية لبناء دولة فلسطينية قابلة للحياة، وتحقيق حل الدولتين. وفي المقابل، أقر البيان بالعقبات التي تفرضها الإجراءات الإسرائيلية، وشدد على ضرورة عدم عرقلة مشاركة الفلسطينيين في العملية الانتخابية، بما يشمل القدس الشرقية وقطاع غزة والضفة الغربية.
ماذا عن خطة الرئيس للمرحلة الانتقالية؟
حتى الآن، لا يكفي تحديد موعد جديد للانتخابات لإثبات وجود برنامج انتقالي متكامل، ما لم يقترن بجدول زمني معلن، وخطوات إصلاحية محددة، وآليات واضحة للمساءلة والمتابعة. وهنا تبرز مسؤولية القيادة الفلسطينية في تحويل الفترة الممتدة حتى أيلول 2027 من مرحلة انتظار إلى فرصة لإعادة بناء الثقة بالمؤسسات الوطنية.
ويقتضي ذلك إطلاق حوار وطني شامل يضم القوى والفصائل السياسية ومؤسسات المجتمع المدني، بهدف الاتفاق على قواعد المرحلة المقبلة، وصون التعددية السياسية، وتعزيز وحدة المؤسسات الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، مع ضمان مكانة القدس الشرقية في المشروع الوطني الفلسطيني.
كما يتطلب الأمر برنامجًا عمليًا لإصلاح الإدارة العامة، وتعزيز استقلال القضاء والأجهزة الرقابية، وترسيخ الشفافية في إدارة المال العام، وتوسيع نطاق المساءلة، وضمان الحريات العامة والعمل السياسي والإعلامي في إطار القانون. فالإصلاح الحقيقي لا ينبغي أن يكون استجابة مؤقتة لضغوط خارجية، بل ضرورة وطنية لاستعادة ثقة المواطنين بمؤسساتهم.
الانتخابات بين الاستحقاق الوطني والعقبات الإسرائيلية
تتحمل القيادة الفلسطينية مسؤولية تهيئة الظروف القانونية والمؤسسية اللازمة لإجراء الانتخابات، فيما تتحمل إسرائيل مسؤولية عدم عرقلة مشاركة الفلسطينيين بإجراءاتها وقيودها. ومن الضروري التحرك دبلوماسيًا وقانونيًا لضمان مشاركة الفلسطينيين في القدس الشرقية، وتمكين لجنة الانتخابات المركزية من أداء مهامها باستقلالية، وتوفير الرقابة الدولية المناسبة.
وفي الوقت نفسه، ينبغي نشر روزنامة انتخابية واضحة، والإعلان دوريًا عن مستوى الاستعداد، ومعالجة العقبات الفنية والقانونية بشفافية، بما يمنع تحول التأجيل إلى حالة مفتوحة أو إلى مبرر لاستمرار الوضع القائم.
أما الموقف الغربي الرافض لمشاركة حركة حماس في الحكم مستقبلًا، فيعكس تحديًا إضافيًا أمام جهود إنهاء الانقسام. وتبقى معالجة هذا الملف بحاجة إلى توافق وطني على أسس سياسية وقانونية واضحة، تحمي وحدة النظام السياسي وتضمن عدم تحويل الخلافات إلى عائق دائم أمام تجديد الشرعية.
استعادة الثقة تبدأ من الداخل
لا يمكن الجزم بأن الرئيس عباس يمتلك خطة انتقالية مكتملة ما لم تُعلن تفاصيلها رسميًا. لكن المرحلة المقبلة تفرض عليه تقديم برنامج محدد الأهداف والمواعيد، يربط الإصلاح بإجراء الانتخابات، ويؤكد أن المرحلة الانتقالية ليست تمديدًا للواقع القائم، بل مسارًا للوصول إلى تجديد الشرعية.
إن إرضاء الشركاء الأوروبيين لا يتحقق بالوعود وحدها، وإنما بإجراءات قابلة للقياس والتحقق. غير أن الأولوية يجب أن تبقى للمصلحة الوطنية الفلسطينية؛ فالشرعية المستدامة تستمد قوتها من إرادة الشعب، وسيادة القانون، والمساءلة، والتداول السلمي للسلطة.
إن نجاح المرحلة المقبلة يتوقف على قدرة القيادة الفلسطينية على تحويل التأجيل إلى فرصة لإصلاح النظام السياسي وتوحيد المؤسسات وتعزيز المشاركة الشعبية. أما استمرار إدارة الأزمة دون تغيير ملموس، فسيوسع فجوة الثقة داخليًا وخارجيًا.
فتجديد الشرعية الفلسطينية ليس مطلبًا أوروبيًا فحسب، بل ضرورة وطنية لحماية المشروع الوطني، وتعزيز صمود الشعب الفلسطيني، وبناء دولة مستقلة ذات سيادة، تحكمها المؤسسات والقانون وتستمد قوتها من إرادة شعبها.