غزة ليست سلعة  ولا دماء أهلها ورقة للمساومة باسم المقاومة.

بقلم: د. أماني رباح

أكتوبر 14, 2026 - 11:24
غزة ليست سلعة  ولا دماء أهلها ورقة للمساومة باسم المقاومة.

غزة ليست سلعة  ولا دماء أهلها ورقة للمساومة باسم المقاومة.
بقلم: د. أماني رباح
ليست المقاومة صكاً مفتوحاً للمتاجرة بأرواح الناس، وليست معاناة الشعوب تفويضاً مطلقاً لأحد كي يتحدث باسمها، أو يقرر مصيرها، أو يطالبها بمزيد من الدماء والصبر والصمود من خلف الشاشات، بينما يتحول الألم إلى خطاب سياسي، والموت إلى مادة للتعبئة بل للاسترزاق ووسيلة ابتزاز، والدمار إلى وسيلة لتبرير الخيارات مهما كانت نتائجها في تجاوز لحياة وكرامة الناس، في إذلالهم في عيشهم ورغيف الخبز، حتى يطلب قبول المعاناة وعدم الحديث بها او التعبير عن كيف تحول كل شيء بلا اي مقومات في انعدام كامل للآدمية.
غزة ليست شعاراً يُرفع عند الحاجة او مغسلة لتمسح فيها الأوساخ، ولا صورة تُستدعى لاستدرار التعاطف، ولا ورقة تُستخدم لتحسين المواقع السياسية والتفاوضية واسكات صوت اهلها عبر تقديم شعارات تفتقد لتقدير قيمة الإنسان الغزي، وكانه خلق ليموت، وعبر رفع شعار الفلسطيني الجيد هو الميت هذا ما يروج له الاحتلال ويتبناه مستثمري القضية واسكات اهلها في مساومات ومشاريع يغيب فيها صاحب القضية فقط هو من يدفع الثمن.
غزة اهلها بشر، أطفال ونساء ورجال، وأمهات ينتظرن أبناءهن، وآباء يبحثون عن أطفالهم تحت الركام، وعائلات فقدت بيوتها وذكرياتها وأسباب بقائها الذي هو اقوى سلاح لمواجهة الاحتلال، وشعب يحاول أن يتمسك بالحياة وسط واقع يهدد أبسط حقوقه الإنسانية.
إن رفض المتاجرة بمعاناة أهل غزة لا يعني التنكر للمقاومة بوصفها تعبيراً عن حق الشعوب في الحرية وتقرير المصير ومواجهة الاحتلال، ولا يعني التنازل عن الحقوق والثوابت الوطنية الفلسطينية، بل يعني رفض تحويل هذه الحقوق العادلة إلى غطاء سياسي وأخلاقي يحصن أي قيادة أو جهة من النقد والمساءلة.
فالمقاومة التي تنطلق من أجل الإنسان لا يجوز أن يصبح الإنسان فيها هامشياً بل سلعة، ولا أن تتحول معاناته إلى ثمن يُطلب منه دفعه بلا نهاية، دون نتيجة او حتى سماع صوته وهو من يدفع الثمن.
من حق الفلسطيني أن يسأل: إلى أين نمضي؟ وما الأهداف التي نريد تحقيقها؟ وما كلفة الخيارات السياسية والعسكرية على المجتمع؟
ربما بعد ثلاث سنوات اصبحت النتيجة واضحة وقد طرحت الاسئلة وكانت حينها الخسائر اقل، ومن حقه أن يعرف من يقرر، وبأي تفويض، وعلى أي أساس تُتخذ القرارات التي تمس حياته ومستقبله ومستقبا أبنائه، هذه الأسئلة ليست خيانة، ولا طعناً في التضحيات، ولا انحيازًا إلى الاحتلال؛ إنها أسئلة شعب يريد أن يحيا بحرية وكرامة، لا أن يبقى أسيراً لدائرة متواصلة من الفقد والدمار.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي قضية عادلة هو أن يصبح الاعتراض على قرارات القائمين عليها جريمة أخلاقية، وأن يُطلب من الضحايا الصمت لأن الحديث عن المسؤولية قد يحرج أصحاب القرار، فحين يُختزل الانتماء الوطني في الطاعة، والصمت عن الظواهر التي تمس المجتمع والقيم ويصبح الاطفال والنساء اداة ابتزاز في طعامهم، وتُختزل الوطنية والدين في تبرير كل ما يحدث، يصبح الإنسان مطالباً بالتضحية حتى بحقه في السؤال، وكأن الألم وحده هو الدليل المطلوب على صدق الانتماء.
ولا يجوز أن تتحول دماء الشهداء إلى وسيلة لإسكات الأحياء، أو أن يُستخدم صمود الناس لإعفاء السياسيين من مسؤولياتهم. فالصمود فضيلة حين يكون تعبيراً عن الإرادة والتمسك بالأرض والحقوق، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى مطالبة دائمة للضحايا بتحمل المزيد، وقد ذهبت الأرض في يد الاحتلال حيث اصبح اكثر من 70 بالمائة من مساحة غزة تحت سيطرة الاحتلال والمتبقي خيام للنازحين تستهدف من طائرات الاحتلال ولم تتوقف المجازر، ولا إلى خطاب يستخف بحقهم في الأمان والغذاء والعلاج والتعليم والحياة، أو اي دعوات للنجاة كانها اصبحت تهمة وتقال على خجل.
إن أهل غزة ليسوا كتلة صامتة، ولا جمهورًا مطلوباً منه التصفيق لكل قرار، ولا مادة خامة في صراعات الآخرين. لهم أصواتهم وتجاربهم وحقهم في الاختلاف، وفي تقييم الخيارات، وفي رفض أن تُختزل حياتهم في حسابات لا يملكون المشاركة الحقيقية في صنعها. ومن حقهم أن تكون لهم الأولوية في أي حديث عن مستقبل غزة، وإعادة إعمارها، وإدارة شؤونها، وضمان أمنهم وكرامتهم.
كما أن رفض استغلال المعاناة لا يعفي الاحتلال من مسؤوليته عن الجرائم والانتهاكات والدمار، ولا يساوي بين الضحية ومن يمارس القهر بحقها. إن تحميل المسؤوليات يجب أن يكون واضحاً وعادلاً، لا انتقائيًا؛ فإدانة جرائم الاحتلال لا تتعارض مع مساءلة القيادات الفلسطينية، كما أن نقد الخيارات السياسية لا يبرر الاحتلال أو يمنحه شرعية. لا ينبغي أن يُفرض على الفلسطيني الاختيار بين الدفاع عن حقوق شعبه وبين حقه في نقد من يتحدثون باسمه وإلا فهو متهم.
القضية الفلسطينية أكبر من الأشخاص والتنظيمات، وأبقى من الحسابات الفصائلية، وأعمق من الشعارات التي تتبدل وفق المصالح. إنها قضية شعب يريد الحرية والعودة والعدالة وتقرير المصير، ويريد أن يعيش على أرضه دون احتلال أو حصار أو تهجير، وأن يبني مستقبلًا لا تكون فيه الحرب قدراً أبدياً لأطفاله.
ومن هنا، فإن الموقف الأخلاقي والسياسي الحقيقي يبدأ من إعادة الإنسان إلى مركز القضية: حماية حياته، وصون كرامته، واحترام إرادته، ورفض استغلال مأساته لتحقيق مكاسب سياسية أو معنوية او مادية. فليس كل من رفع شعار المقاومة معصوماً من الخطأ، وليس كل من انتقد قراراً متخلياً عن وطنه، وليس كل من طالب بوقف النزيف أقل تمسكًا بالحقوق ممن يرفع أعلى الشعارات.
غزة ليست ملكًا لأحد، ودماء أهلها ليست رصيداً سياسياً، ومعاناتهم ليست تفويضاً مفتوحاً باسم المقاومة.
إن الوفاء لغزة لا يكون بتقديس الألم، بل بالعمل على إنهائه؛ ولا يكون بتحويل الضحايا إلى رموز صامتة، بل بالاعتراف بحقهم في الحياة والكلام والاختيار؛ ولا يكون باستخدام تضحياتهم لتبرير كل قرار، بل ببناء مشروع وطني يحاسب المسؤول، ويحمي المجتمع، ويضع التحرر والكرامة الإنسانية في صميم أهدافه.
فلسطين تستحق مقاومة تحمي الإنسان، وقيادة تحترم إرادته، وخطاباً لا يخاف الحقيقة، ومشروعاً وطنياً لا يجعل من معاناة شعبه وسيلة لإدامة نفوذ أحد.
فالدم الفلسطيني ليس حبراً لكتابة أمجاد الآخرين، وغزة ليست مسرحاً للمزايدات، والحرية التي لا تحفظ للإنسان حقه في الحياة والكرامة والسؤال تظل حرية منقوصة، مهما ارتفعت الشعارات.