بين صخب الحروب وتهميش القضية: لماذا يجب إعادة فلسطين إلى صدارة المشهد الإعلامي؟
معروف الرفاعي : مستشار محافظ القدس
معروف الرفاعي : مستشار محافظ القدس
في خضم التحولات الإقليمية المتسارعة، والتصعيدات العسكرية التي تفرض نفسها على أجندة الإعلام الدولي، تبرز خطورة انزلاق وسائل الإعلام العربية والإسلامية إلى مربع التبعية للرواية الغربية، التي تميل – بشكل متكرر – إلى تهميش القضية الفلسطينية، أو اختزالها في سياقات عابرة لا تعكس عمق المأساة واستمراريتها، وفي الوقت الذي تتجه فيه بوصلة التغطية نحو الحرب مع إيران وتداعياتها، يتعرض الواقع الفلسطيني لعملية تغييب ممنهجة، رغم تصاعد الانتهاكات على نحو غير مسبوق.
إن ما يجري في القدس اليوم يتجاوز كونه أحداثاً متفرقة أو مواجهات موسمية؛ بل هو جزء من سياسة منظمة تهدف إلى فرض وقائع جديدة على الأرض، عبر الاقتحامات المتكررة، والتضييق على السكان، واستهداف الوجود الفلسطيني في المدينة بكل أشكاله، فالقدس لم تعد فقط عنواناً سياسياً أو دينياً، بل ساحة مفتوحة لسياسات الإقصاء والتهويد، وسط تراجع لافت في حجم التغطية الإعلامية العربية مقارنة بحجم الحدث وخطورته.
ولا يقل الوضع خطورة في التجمعات البدوية المنتشرة في محيط القدس ومناطق الضفة الغربية، حيث تتعرض هذه التجمعات لعمليات تهجير قسري ممنهجة، واعتداءات متكررة من قبل المستوطنين، في ظل غياب شبه كامل للحماية، وانعدام مقومات الصمود الأساسية، فهذه التجمعات، التي تمثل خط الدفاع الأول عن الأرض، تعيش في ظروف إنسانية قاسية، تتفاقم يوماً بعد يوم، دون أن تحظى بالاهتمام الإعلامي الذي يعكس حجم معاناتها.
وفي هذا السياق، تبرز إشكالية إضافية تتعلق بقدرة السلطة الفلسطينية على التدخل، حيث تعاني من حصار مالي خانق يقيّد قدرتها على تقديم الدعم المادي أو التدخلات العينية اللازمة لتعزيز صمود المواطنين، سواء في القدس أو في التجمعات المهمشة. هذا الواقع لا ينبغي أن يُستخدم كذريعة للتجاهل، بل يجب أن يكون دافعاً إضافياً لتسليط الضوء إعلامياً على حجم الأزمة، وكشف أبعادها السياسية والإنسانية، بما يعزز من فرص التحرك الدولي ويعيد توجيه الاهتمام نحو جوهر القضية.
أما في قطاع غزة، فإن المشهد الإنساني الكارثي لا يزال يتصدر قائمة الأزمات الأكثر إلحاحاً، في ظل استمرار الحصار وتداعيات العدوان، ما يجعل من الضروري إبقاء هذا الملف حاضراً بقوة في التغطية الإعلامية، وعدم السماح بانزلاقه إلى هامش الاهتمام تحت ضغط الأحداث الإقليمية الأخرى.
إن الخطورة الحقيقية لا تكمن فقط في تعدد الأزمات، بل في إعادة ترتيب الأولويات الإعلامية بشكل يُفضي إلى تغييب القضية الفلسطينية، أو التعامل معها كملف ثانوي، فالإعلام العربي والإسلامي مدعو اليوم إلى مراجعة خطابه، وإعادة التوازن إلى تغطيته، بما يضمن حضوراً دائماً وفاعلاً لفلسطين، ليس فقط بوصفها قضية تاريخية، بل كواقع يومي يشهد انتهاكات مستمرة تستوجب المتابعة والتوثيق.
إن إبراز ما يجري في القدس، والتجمعات البدوية، ومدن الضفة الغربية، إلى جانب الوضع في غزة، ليس مجرد واجب مهني، بل مسؤولية أخلاقية وسياسية، فالإعلام، في هذه المرحلة، يشكل خط الدفاع الأول عن الرواية الفلسطينية، وأداة أساسية في مواجهة محاولات التهميش والتضليل.
وفي ظل هذا الواقع، يصبح من الضروري التأكيد على أن تغطية الحرب مع إيران وتداعياتها، رغم أهميتها، لا يجب أن تكون على حساب تغييب الشأن الفلسطيني، بل ينبغي أن تتكامل معها، من خلال إظهار انعكاساتها المباشرة وغير المباشرة على المدن الفلسطينية، التي غالباً ما تدفع ثمناً إضافياً في ظل هذه التحولات.
إن استعادة فلسطين لمكانتها في الخطاب الإعلامي العربي والإسلامي لم تعد خياراً، بل ضرورة ملحة، تفرضها طبيعة المرحلة، وحجم التحديات، وحق الشعب الفلسطيني في أن تبقى قضيته حاضرة في الوعي والضمير، لا على الهامش، بل في صلب الاهتمام.





