الأسرى الفلسطينيون في السجون الإسرائيلية: شهادات التعذيب والتجويع واختبار منظومة العدالة الدولية

بقلم: المحامي علي أبو حبلة

أكتوبر 12, 2026 - 12:34
الأسرى الفلسطينيون في السجون الإسرائيلية: شهادات التعذيب والتجويع واختبار منظومة العدالة الدولية

الأسرى الفلسطينيون في السجون الإسرائيلية: شهادات التعذيب والتجويع واختبار منظومة العدالة الدولية
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
لا تقتصر خطورة ما كشفه التحقيق الذي نشرته صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية في 8 تشرين الأول/أكتوبر 2026 بشأن أوضاع الأسرى الفلسطينيين على قسوة الشهادات الواردة فيه، بل تمتد إلى الأسئلة القانونية والسياسية التي تثيرها بشأن منظومة الاحتجاز الإسرائيلية، ومدى احترام قواعد القانون الدولي الإنساني، وفاعلية آليات الرقابة والمساءلة الدولية. فحين تتحدث شهادات أسرى محررين عن فقدان أوزانهم بصورة كبيرة، والضرب، ونقص الغذاء، وتأخر العلاج، وانتشار الأمراض الجلدية، فإن المسألة تتجاوز الجدل السياسي لتصبح قضية حقوقية وقانونية تستوجب التحقيق المستقل.
وبحسب ما أورده التحقيق، استندت الصحيفة إلى شهادات خمسة أسرى فلسطينيين أُفرج عنهم خلال الأشهر الثمانية عشر الماضية، وتناولت ظروف احتجاز في عدد من السجون ومراكز الاعتقال الإسرائيلية. وتحدث أصحاب الشهادات عن تجارب متفاوتة من سوء المعاملة، والتدهور الصحي، والإذلال، وغياب الرعاية الطبية الكافية. كما أشار التحقيق إلى أن بعضهم أُفرج عنهم دون محاكمة أو توجيه اتهامات قضائية، وفق الروايات المنشورة.
ومن الضروري مهنياً التمييز بين الشهادات التي نقلتها الصحيفة، وما يمكن إثباته من خلال تحقيق مستقل، وبين الاستنتاجات القانونية التي لا يجوز الجزم بها قبل استكمال إجراءات التحقق. غير أن تعدد الادعاءات وخطورة طبيعتها يفرضان التعامل معها بجدية، لا باعتبارها مجرد مادة إعلامية عابرة، بل باعتبارها مؤشرات تستدعي الفحص والمساءلة.
الاحتجاز والتجويع: مسؤولية قانونية لا يسقطها الظرف الأمني
يضع القانون الدولي الإنساني حماية الأشخاص المحرومين من حريتهم ضمن التزامات أساسية لا يجوز تجاوزها. وتحظر اتفاقية جنيف الرابعة المعاملة القاسية والتعذيب، وتوجب احترام كرامة الأشخاص المحميين وتوفير الرعاية اللازمة لهم، كما تنظم أحكامها شروط الاحتجاز والمعاملة الإنسانية. وتحظر اتفاقية مناهضة التعذيب التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، وفق شروطها وأحكامها.
ولا يمنح إعلان حالة الحرب أو الاعتبارات الأمنية أي سلطة حقاً مطلقاً في معاملة المحتجزين خارج الضوابط القانونية. فالمسؤولية عن ضمان الغذاء الكافي والرعاية الصحية والحماية من الاعتداء تقع على الجهة التي تمارس سلطة الاحتجاز، مع مراعاة الوضع القانوني لكل محتجز والقواعد الواجبة التطبيق عليه.
وإذا أثبت التحقيق المستقل أن الحرمان المتعمد من الغذاء أو العلاج، أو الاعتداء الجسدي، أو الإذلال المنهجي، قد وقع على النحو الذي تصفه الشهادات، فإن ذلك قد يرتب مسؤوليات قانونية متفاوتة بحسب طبيعة الأفعال، وظروف ارتكابها، وهوية المسؤولين عنها، ومدى توافر عناصر الجرائم ذات الصلة. أما التكييف النهائي لكل واقعة فيبقى رهناً بالأدلة والتحقيق والجهة القضائية المختصة.
الاعتقال الإداري والمحاكمة العادلة
يثير ما أورده التحقيق عن احتجاز أشخاص لفترات طويلة دون محاكمة أو توجيه اتهامات معلنة مسألة أخرى تتصل بضمانات الحرية الشخصية والمحاكمة العادلة. فالاعتقال الإداري، وإن كان منظماً في بعض الأطر القانونية الاستثنائية، ليس تفويضاً مفتوحاً بالاحتجاز، بل يجب أن يخضع لشروط الضرورة والرقابة الفعلية والضمانات القانونية الواجبة التطبيق.
كما أن الأرقام التي أوردتها «هآرتس» بشأن أعداد المحتجزين وتصنيفاتهم، ومنها الإشارة إلى احتجاز 9,329 شخصاً مصنفين إسرائيلياً ضمن فئة «الأسرى الأمنيين» في أيلول/سبتمبر، تحتاج إلى قراءتها ضمن تاريخها ومصدرها وتعريفاتها. ولا يصح الخلط بين المدانين بأحكام قضائية، والموقوفين بانتظار المحاكمة، والمعتقلين إدارياً، والفئات التي تصنفها السلطات الإسرائيلية تحت مسميات قانونية أخرى؛ فلكل فئة وضع قانوني وضمانات تختلف باختلاف الأحوال.
إن جوهر العدالة لا يكمن في مجرد وجود إجراءات شكلية، وإنما في خضوع الاحتجاز لأساس قانوني قابل للمراجعة، وتمكين المحتجز من الطعن في مشروعيته، وضمان عدم استخدام الاعتقال وسيلة للعقاب دون محاكمة.
الصليب الأحمر والرقابة الدولية: أين تكمن الفجوة؟
تكتسب الإشارة إلى قرارات قضائية إسرائيلية تتعلق بالتغذية وزيارات اللجنة الدولية للصليب الأحمر أهمية خاصة. فإذا كانت هناك قرارات ملزمة لم تنفذ، فإن المسألة تقتضي تحديد مضمون تلك القرارات، والجهات المخاطبة بها، ومدى تنفيذها، وما اتُّخذ من إجراءات قانونية بشأن عدم الامتثال لها.
وتؤدي اللجنة الدولية للصليب الأحمر دوراً مهماً في زيارة المحتجزين المشمولين بتفويضها، ومتابعة ظروف احتجازهم والحوار السري مع السلطات المعنية. ومن شأن إتاحة الوصول وفق القواعد ذات الصلة أن تساعد في التحقق من الأوضاع، وتحديد الاحتياجات الإنسانية، ومعالجة الانتهاكات المحتملة. ولا تغني هذه الزيارات عن واجب السلطات في ضمان المعاملة الإنسانية، ولا عن التحقيق القضائي المستقل عندما تثار ادعاءات جدية بوقوع انتهاكات.
وتبرز هنا مسؤولية المجتمع الدولي في الانتقال من التعبير عن القلق إلى إجراءات عملية تقوم على التحقق والتوثيق والمتابعة القانونية، بعيداً عن الانتقائية أو ازدواجية المعايير.
البعد السياسي: إدارة السجون في قلب الصراع
لا يمكن فصل ملف الأسرى عن السياق السياسي الأوسع للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ولا عن النقاش الداخلي في إسرائيل بشأن السياسات المتبعة في إدارة السجون ومراكز الاحتجاز، ولا سيما في ظل الانتقادات الموجهة إلى السياسات المرتبطة بوزارة الأمن القومي.
لكن اختزال القضية في مواقف وزير أو حكومة لا يكفي لمعالجة أبعادها؛ فالمطلوب فحص السياسات والتعليمات والممارسات الفعلية، وتحديد المسؤوليات الإدارية والقانونية، والتحقق مما إذا كانت الانتهاكات المبلغ عنها حالات فردية أم أنماطاً متكررة. كما أن إجراء تحقيق جاد وشفاف من شأنه أن يختبر مدى استقلال آليات الرقابة الداخلية وقدرتها على محاسبة المسؤولين، بصرف النظر عن مواقعهم.
وعلى الصعيد الفلسطيني، يفرض هذا الملف تطوير استراتيجية وطنية متكاملة لمتابعة شؤون الأسرى، تشمل توحيد التوثيق القانوني والطبي، وحفظ إفادات الأسرى المحررين، ومتابعة ملفاتهم أمام الجهات القضائية والحقوقية المختصة، وتوفير الدعم الصحي والنفسي لهم بعد الإفراج. فالمناصرة السياسية، على أهميتها، لا تحقق أهدافها ما لم تستند إلى أدلة موثقة وملفات قانونية قابلة للمتابعة.
من الشهادات إلى المساءلة
إن الخطوة المطلوبة اليوم هي تشكيل مسار توثيق مهني مستقل، بالتعاون مع المؤسسات الحقوقية والطبية، للتحقق من ادعاءات التجويع والتعذيب وسوء المعاملة والإهمال الطبي، وتحديد المسؤوليات عن كل واقعة. وينبغي أن يشمل ذلك توثيق الإصابات والتقارير الطبية، وحفظ الشهادات وفق معايير الإثبات، وطلب المعلومات ذات الصلة، ومتابعة سبل الانتصاف القانونية المتاحة.
كما يتعين على المؤسسات الدولية المختصة التعامل مع الادعاءات بجدية، وفق اختصاص كل منها، ودراسة إمكانات التحقيق والمساءلة على أساس الأدلة والقواعد القانونية الواجبة التطبيق. ولا يجوز استباق النتائج بإصدار أحكام نهائية على وقائع لم تستكمل إجراءات التحقق منها، كما لا يجوز اتخاذ عدم صدور حكم قضائي ذريعة لتجاهل ادعاءات خطيرة تستوجب التحقيق.
الخلاصة أن كرامة الأسير ليست مسألة سياسية قابلة للمساومة، بل حق تحميه قواعد القانون. وما كشفته شهادات الأسرى المحررين، وفق تحقيق «هآرتس»، يضع الجهات المعنية أمام اختبار حقيقي: إما التحقق الجاد من الوقائع ومحاسبة المسؤولين عند ثبوت المخالفات، وإما استمرار فجوة الثقة بين الالتزامات القانونية المعلنة والممارسات الفعلية.
إن قضية الأسرى الفلسطينيين تحتاج إلى خطاب وطني مسؤول، وإلى عمل قانوني مؤسسي، وإلى ضغط دولي يستند إلى الأدلة لا إلى الشعارات. فالعدالة لا تتحقق بمجرد كشف الانتهاكات، وإنما تبدأ بالتوثيق، وتتقدم بالتحقيق المستقل، وتكتمل بالمحاسبة وجبر الضرر وضمان عدم التكرار.