فلسطين تتطلب حماية دولية: من التحرك العربي إلى تفعيل القانون الدولي

المحامي علي أبو حبلة

أكتوبر 12, 2026 - 12:33
فلسطين تتطلب حماية دولية: من التحرك العربي إلى تفعيل القانون الدولي

فلسطين تتطلب حماية دولية: من التحرك العربي إلى تفعيل القانون الدولي

المحامي علي أبو حبلة
باحث في القانون الدولي – رئيس تحرير صحيفة صوت العروبة

إن دعوة دولة فلسطين إلى عقد اجتماع طارئ لمجلس جامعة الدول العربية لبحث سبل توفير الحماية الدولية للشعب الفلسطيني، ومواجهة الاعتداءات المتواصلة على الفلسطينيين وممتلكاتهم، والانتهاكات التي تستهدف مدينة القدس، تفرض الانتقال من بيانات الإدانة والتضامن إلى تحرك عربي ودولي منظم، يستند إلى القانون الدولي، ويترجم المواقف السياسية إلى إجراءات عملية لحماية المدنيين وصون الحقوق الوطنية الفلسطينية.

فما يتعرض له الشعب الفلسطيني في ظل الاحتلال، من اعتداءات وتهجير قسري وتوسع استيطاني ومحاولات لتغيير الواقع الجغرافي والديموغرافي للأرض المحتلة، يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته القانونية والسياسية، ويستدعي تحركاً يتجاوز إدارة الأزمة إلى معالجة جذورها، المتمثلة في استمرار الاحتلال وحرمان الشعب الفلسطيني من ممارسة حقه في تقرير المصير.

الحماية الدولية أساسها القانون

يستند مطلب الحماية الدولية إلى قواعد راسخة في القانون الدولي، وفي مقدمتها ميثاق الأمم المتحدة، الذي يؤكد حق الشعوب في تقرير مصيرها، ويحظر التهديد باستخدام القوة أو استخدامها خلافاً لأحكامه.

كما تلزم اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 قوة الاحتلال بحماية السكان المدنيين، وتحظر المادة 49 النقل القسري للأشخاص المحميين، كما تحظر نقل دولة الاحتلال أجزاء من سكانها المدنيين إلى الأراضي التي تحتلها. وتوفر هذه الأحكام أساساً قانونياً لمواجهة سياسات التهجير والاستيطان، ومطالبة المجتمع الدولي بضمان احترام قواعد القانون الدولي الإنساني.

وفي هذا السياق، أكد قرار مجلس الأمن رقم 2334 لعام 2016 عدم شرعية المستوطنات الإسرائيلية في الأرض الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، بما فيها القدس الشرقية، فيما رفض القرار 478 لعام 1980 الإجراءات الرامية إلى تغيير طابع القدس ووضعها، ودعا الدول إلى سحب بعثاتها الدبلوماسية منها.

وتؤكد هذه المرجعيات أن الوضع القانوني للقدس لا يمكن تغييره بإجراءات أحادية، وأن الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية عليها لا يحسم حقوق الشعب الفلسطيني ولا يلغي قواعد القانون الدولي ذات الصلة.

رأي محكمة العدل الدولية ومسؤولية الدول

يشكل الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر في 19 تموز/يوليو 2024 بشأن الآثار القانونية الناشئة عن سياسات إسرائيل وممارساتها في الأرض الفلسطينية المحتلة مرجعية أساسية للتحرك الدولي؛ إذ خلصت المحكمة إلى عدم قانونية استمرار الوجود الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة، وأكدت وجوب إنهائه بأسرع ما يمكن، ووقف الأنشطة الاستيطانية الجديدة، وجبر الأضرار الناجمة عن الأفعال غير المشروعة.

كما أكدت التزامات الدول بعدم الاعتراف بالوضع غير القانوني الناشئ عن هذا الوجود، وعدم تقديم العون أو المساعدة في الإبقاء عليه، والتعاون مع الأمم المتحدة لوضع حد له.

وعليه، فإن المطلوب تفعيل هذه الالتزامات عبر المسارات الدبلوماسية والقانونية، مع التمييز بين الرأي الاستشاري وأحكام القضاء الملزمة في نطاق اختصاصها، وعدم الاكتفاء بالاستشهاد بالقرارات من دون متابعة تنفيذها.

تحرك عربي ودولي متعدد المسارات

تتطلب المرحلة الراهنة موقفاً عربياً موحداً يتضمن مطالبة مجلس الأمن باتخاذ تدابير عملية لحماية المدنيين الفلسطينيين، وبحث آليات الحماية الدولية وفق الأطر القانونية المعتمدة، والتحرك في الجمعية العامة للأمم المتحدة عند تعذر اتخاذ إجراءات فعالة في مجلس الأمن.

كما ينبغي دعم آليات التحقيق والتوثيق الدولية، وحفظ الأدلة على الانتهاكات، وتعزيز التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية ضمن اختصاصها وإجراءاتها، وتوفير المساعدات الإنسانية، ودعم صمود الفلسطينيين، ولا سيما التجمعات المهددة بالتهجير في القدس والأغوار وسائر المناطق المحتلة.

وتبقى وحدة الموقف العربي والإسلامي، وتوسيع التحالفات الدولية الداعمة للقانون الدولي، شرطاً أساسياً لزيادة فاعلية هذا التحرك، مع وضع برنامج عمل محدد وآليات متابعة ومساءلة دورية.

إن الحماية الدولية ليست بديلاً عن إنهاء الاحتلال، ولا تعني الوصاية على الشعب الفلسطيني، بل تمثل وسيلة لحماية المدنيين ومنع فرض الوقائع بالقوة، وصون حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة على أرضه، وعاصمتها القدس الشرقية.

فالمطلوب اليوم الانتقال من التضامن اللفظي إلى الفعل السياسي والقانوني، ومن إدانة الانتهاكات إلى مساءلة المسؤولين عنها، ومن إدارة الصراع إلى معالجة أسبابه. فالقانون الدولي لا يكتسب قيمته من نصوصه وحدها، بل من احترامه وتطبيقه على الجميع دون ازدواجية في المعايير.